مع نجاح باراك في الانتخابات الاسرائيلية وتشكيله الحكومة الاسرائيلية الجديدة, بدأ شهر العسل بالاجتماعات والتصريحات المتفائلة حول انطلاق عملية السلام قريبا, وكان الاحتفال بصعود باراك الى السلطة في اسرائيل عارما في المنطقة وعند الادارة الامريكية التي استقبلت باراك استقبال الملوك , ومنحته كل ما طلب, سواء على المستوى السياسي, بابعاد الولايات المتحدة عن المفاوضات وترك الاطراف لتصيغ علاقاتها بنفسها, وهذا ما منحته اياه الادارة الامريكية, او على مستوى ضمان امن اسرائيل وتفوقها في المنطقة من خلال صفقات الاسلحة التي منحت لباراك خلال الزيارة, وفي المنطقة كان الترحيب كبيرا بقدوم رجل (السلام) في اسرائيل, مما جعل الانفراج مع اسرائيل يبدأ قبل ان تتخذ اسرائيل أية خطوة باتجاه عملية السلام, وانما وعود وتقديرات ان باراك افضل من نتانياهو وسيدفع عملية السلام الى الامام. ويبدو ان شهر العسل والمجاملات سينتهي مبكرا. فبعد اعطاء حكومة باراك (السلمية) الصورة النموذجية وتوزيع الوعود الغامضة في اتجاهات متناقضة, ومع اقتراب الاستحقاق بدفع المفاوضات الى الامام والدخول الى اتفاقات خلال خمسة عشر شهرا كما وعد باراك اثناء زيارته للولايات المتحدة الامريكية, سيأخذ الاداء الاسرائيلي وجهة اخرى, تختلف عن تلك التي سادت في الاسابيع الماضية منذ نجاح باراك في الانتخابات, واصبح من الواضح ان وضع سياسة المجاملات جانبا, والبدء بالاعلان عن المواقف الاسرائيلية الفعلية التي ستحكم الاداء الاسرائيلي خلال المفاوضات, تحكمه سياسة خفض التوقعات من الحكومة الاسرائيلية, فقد تم رسم صورة لباراك ليست على مقاسه, وهو لا يرغب بها, فهو ليس حمامة السلام ذات الريش الناعم, فهو صقر من صقور حزب العمل وجنرال قادم من المؤسسة العسكرية لم يتخل بعد عن العقلية العسكرية ويتحول الى سياسي, رجل هاجسه الامن, ولهذا السبب احتفظ بوزارة الدفاع لنفسه, وضبط ايقاع الحكومة من خلال تعيين المقربين منه في المواقع المؤثرة في الحكومة الاسرائيلية. بدأ خفض التوقعات على المسار الفلسطيني, ولم يقتصر على لاءات باراك التي صاغها اثناء حملته الانتخابية والتي تتعلق بقضايا الحل النهائي وهي: لا لازالة المستوطنات, لا لتقسيم القدس ولا لعودة اللاجئين الفلسطينيين, ولا وجود لجيش اجنبي غربي نهر الاردن. فهذه اللاءات معروفة اصلا, رغم ان تقدير البعض ان هذه لاءات انتخابية وتفاوضية لن يتمسك بها باراك اثناء المفاوضات. ولكن في اطار سياسة خفض التوقعات تجاوزت سياسة باراك هذه اللاءات وصولا الى وضع شروط تتعلق بتنفيذ اتفاق واي بلانتيشن والذي وضعه باراك موضع المساومة خلال الفترة الاخيرة, حيث طلب دمج المرحلة الثالثة من الانسحاب من مفاوضات الحل النهائي, واذا عرفنا ان المرحلة الثالثة من الانسحاب يبلغ حجمها 7.1 من اصل 13 في المائة من مساحة الضفة الغربية, فهذا يعني ان باراك يسعى الى تعديل اتفاق وافقت عليه حكومة نتانياهو اليمينية في الوقت الذي يأتي باراك من اليسار. والحجة التي يستند اليها باراك هي الامن مرة اخرى, فحسب ادعاءاته فان المرحلة الثالثة من الانسحاب تشكل خطرا على المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية. رغم عدم وجود خرائط تحدد مناطق الانسحاب حسب اتفاق الواي, والذي ترك تحديد الاراضي للجانب الاسرائيلي. ولتجاوز هذا الخطر يجب تعديل الاتفاق ودمج الانسحاب الثالث الى مفاوضات الحل النهائي, رغم ان المتوقع من باراك لم يقتصر على تنفيذ اتفاق واي بلانتيشن, بل وتنفيذ الالتزامات الاسرائيلية بموجب استحقاقات اتفاقات اوسلو, ولكن باراك يرغب بالمساومة على هذا الاتفاق من خلال استحقاقات الاتفاق نفسه, ولا يرغب بتقديم أي تنازل كبادرة حسن نية, يعتقد انه لا يحتاجها في المرحلة الحالية, وكل ما قدمه باراك للفلسطينيين من اجل دمج المرحلة الثالثة من الانسحاب حسب اتفاق واي بلانتيشن, هو اطلاق 250 اسيرا فلسطينيا, وهو بالاساس استحقاق ينص عليه الاتفاق, الذي ينص على اطلاق 750 اسيرا فلسطينيا على دفعات, بذلك فهو يساوم الفلسطينيين من استحقاقاتهم. واذا كانت سياسة خفض التوقعات على المسار الفلسطيني بدأت مبكرا بعد نجاح باراك في الانتخابات, فان خفض التوقعات على المسار السوري, الذي ظهر انه جاهز للتقدم خلال اسابيع, بدأت قبل ايام, وقد جاءت هذه التصريحات من يوسي بيلين وزير العدل وحاييم رامون وافرام سينه, حيث صرحوا مؤخرا, انه لا يمكن الموافقة على الشرط السوري المسبق بالانسحاب الى حدود الرابع من يونيو 1967. رغم تصريحات باراك السابقة, من انه يقبل التفاوض على المسار السوري من النقطة التي وصلت اليها المفاوضات ايام رابين, والتي بات معروفا ان رابين قدم تعهدا بالانسحاب الى حدود الرابع من يونيو. ان زخم التفاؤل الذي ولده نجاح باراك في الانتخابات الاسرائيلية. آخذ بالتراجع مع السياسة الاسرائيلية بخفض التوقعات, وسينخفض هذا التفاؤل اكثر فأكثر مع الدخول في عملية المفاوضات بين الاطراف, فباراك ليس حمامة السلام التي تم تصويرها خلال الاسابيع الماضية, فباراك رجل امن اسرائيلي بالدرجة الاولى, ووضع الامن في اول قائمة اجندته هو مشروع تعطيل للمفاوضات, فالامن كان السبب الرئيسي الذي ادخل المفاوضات في غرفة العناية المركزة ايام نتانياهو, واذا رغب باراك بالتمسك بالامن اولا فانه سيعيد المفاوضات مرة اخرى الى دائرة الاستعصاء, ومن هنا فان من يعتقد ان المفاوضات مع باراك ستكون سلسة ومريحة, فانه يزرع الاوهام, حول عملية ستعاني من التعقيد, ومن صعوبة المفاوضات بين اطرافها ما يكفي, ويجعل باراك الصقر يرتدي ثوب الحمامة الذي لا يناسبه. * كاتبة فلسطينية