بعد مخاض عسير, تجاوز الستة اسابيع, شكل باراك حكومته الائتلافية, من (خلطة) عجيبة من القوى, فهي تضم(ميرتس)من اقصى اليسار الصهيوني إلى جانب (المفدال) اقصى يمينه, ويلاحظ في هذا الصدد ان اربع كتل من اصل سبع شاركت في الائتلاف الجديد, كانت في الائتلاف السابق بزعامة نتانياهو , وصوتت لصالحه في انتخابات رئيس الحكومة, وهذا يعني ان دخول هذه الكتل حكومة باراك تحركه اما دوافع الكسب أو محاولات التأثير على توجهاتها اللاحقة وبخاصة في موضوع التسويات السياسية مع الفلسطينيين. من جانبه, كان باراك قطع على نفسه الوعود, خلال الحملة الانتخابية, بالعمل على تحريك العملية السلمية, التي جمدها نتانياهو خلال فترة حكمه, والقيام ــ في الوقت ذاته ــ باصلاحات اجتماعية ودستورية. ولكن في ضوء النتائج التي افرزتها انتخابات الكنيست, وتركيبتها الجديدة, والتي لم تسجل تغيرا يذكر في التوازن العام بين معسكري اليمين وما يسمى باليسار الاسرائيلي, فقد بدا واضحا ان باراك لا يستطيع, حتى ولو اراد, ان يباشر هاتين المهمتين المركزيتين معا: استئناف المفاوضات على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية, وفي الوقت نفسه مباشرة وضع دستور للدولة مقدر له ان يفجر ازمات عدة منها ما هو متصل بعلاقة الدين بالدولة, ومن هو اليهودي, والمساواة بين مواطني الدولة, هذا بالاضافة إلى معضلة طلاب المدارس الدينية التي استفحلت, وبمعنى آخر: لكل مهمة منهما تركيبتها الائتلافية. ويمكن القول ان تركيبة الحكومة الجديدة, جاءت كمؤشر, في حد ذاتها, إلى أن باراك اختار تأجيل المهمة الثانية, والتفرغ للاولى, وبالفعل, فقد عمل خلال المشاورات لتشكيل ائتلافه الحكومي إلى عقد سلسلة من الصفقات مع الاطراف الاخرى, وبخاصة الدينية, استهدفت تأجيل وتجميد قضايا الدستور وطلاب المدارس الدينية. وينبغي الافتراض بان هذا التفضيل جاء تحت تأثير مجموعة عوامل من ابرزها: 1ـ ازدياد المطالبة داخل المجتمع الاسرائيلي بالانسحاب من الجنوب اللبناني, وتحول ذلك إلى قضية شعبية ناضجة, وكما هو معروف, التقطها باراك في حينه وجعلها احد الشعارات الرئيسية لحملته الانتخابية, واعدا بانجاز الانسحاب من الجنوب اللبناني خلال عام, وبطبيعة الحال, من يريد حقا تسوية هذه القضية, لابد له أن يمر عبر دمشق, وبالتالي: لابد من تسويتها سوية مع قضية الجولان السورية. 2ــ اهتمام ادارة كلينتون بتحريك العملية السلمية, وصولا إلى تسوية النزاع العربي ـ الاسرائيلي, ضمن التوازنات القائمة في المنطقة والتي هي الافضل للتحالف الامريكي ــ الاسرائيلي, ولخلق المناخ المطلوب للمصالح الامريكية في المنطقة بعد الحرب الباردة. واذا كان باراك يضع في رأس مهام حكومته اعادة الحرارة المميزة للعلاقة مع واشنطن, الحليف الاستراتيجي الذي يصعب تصور اسرائيل الحالية بمعزل عن دعمه, بعدما اصابها من بعض الفتور بسبب تصرفات نتانياهو الاستفزازية الرعناء, فان كلينتون من جانبه, معني لاعتبارات شخصية وحزبية في تحقيق انجاز ما في مضمار التسوية السياسية في المنطقة قبل انتهاء ولايته. 3ــ التطلع لخلق ظروف افضل لصالح الاقتصاد الاسرائيلي الذي تفاقمت مشاكله خلال حكم نتانياهو وما سببه من اجهاض عمليات التطبيع الواعد مع العالم العربي, وقد جاء تعيين شمعون بيريز وزيرا لشؤون التطوير الاقليمي علامة واضحة على العودة إلى استراتيجية (الشرق الاوسط الجديد) التي تحظى بدعم واشنطن. ما الذي توحي به الوزارة الجديدة؟ في محاولة لاستشفاف توجهات حكومة باراك, لابد من الأخذ في الحسبان بعض المؤشرات ذات الدلالة, ومنها: 1ــ ادارة باراك المعروفة والتي اطلقها بمجرد اعلان نجاحه في الانتخابات. 2ـ ان كتلة (المفدال) كانت الاولى التي وقع معها باراك اتفاقا بدخول ائتلافه الحكومي, وهي الاكثر تطرفا في دعم الاستيطان والمناداة بأرض اسرائيل التوراتية, ولم يكن هذا من باب الصدف, فلو جاء ذلك بعد توقيع الاتفاق مع شاس, لبدت عدم الحاجة لكتلة المفدال المتطرفة وكذلك لصغرها كتلة يهودت هتوراه الاشكنازيتين المتطرفتين, بعد ان تقلصت الاولى إلى خمسة نواب في الكنيست, والثانية مثلها, ومن الواضح ان لهذه الخطوة بعدها السياسي المتعلق بالعملية السلمية, علاوة على دورها في الصراع الاشكنازي ـ الغربي, الفارادي ــ الشرقي. 3 ــ ان باراك كان يتطلع ويفضل ضم الليكود الى حكومته, واستبعاد شاس التي تعتبر, في موضوع التسوية السياسية مع الفلسطينيين والسوريين أكثر اعتدالاً, لكن تطرف شارون في شروطه الى حد المطالبة بنوع من حق الفيتو في ميدان التسويات السلمية, وعدم ضمان التزام كتلة الليكود في وضعها الحالي المترهل والمفكك بالوقوف الى جانب الحكومة بشكل ثابت, واحتمالات تغير قيادة الليكود بعد ثلاثة أشهر, كل هذه العوامل, مع ضغوط العناصر (اليسارية) في قيادة حزب العمل لصالح مشاركة شاس وليس الليكود, أدت الى استبعاد الليكود واضطرت باراك للقبول بشاس كشريك كبير في الائتلاف الحكومي. في ضوء ذلك, وفي ضوء بعض التصريحات والتلميحات اللاحقة, فالمتوقع, ان يقوم باراك بتنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) المرحلي, ولكن عبر عملية ابتزاز مضنية, ثم يتحول الى التسوية مع سوريا ولبنان, يشير معلق في صحيفة هآرتس الاسرائيلية, الى ان باراك يعطي افضلية فورية لمعاهدة سلام مع سوريا, على اخرى مع الفلسطينيين وينقل على لسان باراك نفسه ان معاهدة سلام مع سوريا ستغلق (دائرة السلام) . وبهذا تبقى قضايا المرحلة النهائية مع الطرف الفلسطيني الى ما بعد تصفية الصراع مع جميع الدول العربية المجاورة واستكمال (دائرة السلام) على حد قول باراك عندها تغدو علاقة هذه الدول العربية مع الطرف الفلسطيني والقضية الفلسطينية ليست علاقة الشريك في الصراع وانما مجرد علاقة طرف متضامن, مأخوذ في الحسبان حالة التضامن العربي هذه الأيام, ولايستبعد لدى الوصول الى مرحلة مفاوضات المرحلة النهائية ان يجري ضم الليكود بدوره الى الائتلاف الحاكم, لمواجهة الطرف الفلسطيني بالاجماع القومي الاسرائيلي. قيمة ومدلول التصريحات الكلامية لم يكن من باب الصدفة ان جاءت, في هذه الظروف بالذات, تصريحات كلينتون التي تحدث فيها عن (حق الفلسطينيين في العيش أينما يريدون) , والتي ذهبت التفسيرات الى اعتبارها دعماً لحق اللاجئين في العودة, ولعل مجيء هذه التصريحات عقب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على يوغسلافيا, بدوعى تأمين حق لاجئي كوسوفو في العودة الى ديارهم, انما يستهدف مساعدة اصدقاء واشنطن في العالم العربي المحرجين امام شعوبهم بسبب ازدواجية السياسة الأمريكية الفاضحة والمتكررة, حيث يحرم اللاجئون الفلسطينيون منذ خمسين عاما من حق العودة الى ديارهم رغم قرارات الأمم المتحدة التي تدعو الى هذا الحق, وذلك بسبب الموقف الأمريكي الداعم لسياسة اسرائيل في هذا الصدد. وعلى كل حال, فالمعيار هو في التنفيذ وليس بالكلام, فهل تقوم واشنطن بممارسة أي اجراء حقيقي ولو في حدود الضغط المالي أو التجاري على اسرائيل لتلزمها بتنفيذ تطبيق قرار الأمم المتحدة 194 الخاص باللاجئين الفلسطينيين؟! على صعيد آخر, جاءت تصريحات الوزير يوسي بيلين لصحيفة (كل العرب) الناصرية والتي يتحدث فيها عن موافقته على رفع العلم الفلسطيني فوق الأماكن الدينية الاسلامية في القدس, والتي جرى تفسيرها بأنها تعني الموافقة على ان تصبح القدس عاصمتين لدولتين, الاسرائيلية والفلسطينية. ولكن علاوة على ان هذه التصريحات صدرت عن شخص ليس له مسؤولية عن قضية القدس وحتى قبل تعيينه وزيرا في حكومة باراك فقد جاء الرد سريعا ومباشرا من باراك نفسه وفي بيانه الوزاري امام الكنيست حيث قال بأنه لن تكون هناك خلال العملية السلمية صفقات حول متطلبات الأمن الاسرائيلي والمصالح الاساسية, بما في ذلك القدس الموحدة تحت السيادة الاسرائيلية, بينما قال حاييم رامون المعين كوزير لشؤون القدس في مكتب رئيس الوزراء بخصوص مواصلة الاستيطان في القدس العربية المحتلة, أنه متأخر جدا ايقاف العمل في الضاحية اليهودية في جبل ابو غنيم.. وأن (هذه الكرة أصبحت في الهواء) . من هنا, فان عدونا القاتل الان, هو الافراط في التفاؤل, والاستسلام للأوهام, وعدم الاستعداد الكافي للمعارك القادمة, التي ستكون بالغة الصعوبة والتعقيد.