البرج العاجي كان يمثل التحدي الأول الذي واجهته صناعة رأس المال المخاطرة ( أو رأس المال المخاطر بالميم المضمومة), ذلك النشاط الاقتصادي الطموح الذي يعمد فيه إلى مجتمع يرغب في التقدم إلى رصد أموال ذات أرقام فلكية في بعض الأحيان لأنه كسب في كل الأحيان لكي يخصصها لأغراض الدرس العلمي والتطبيق التقني أو ما اصطلح على تسميته باسم ميدان البحث والتطوير بمعنى الدراسة من أجل الاستكشاف ومن ثم من أجل وضع ثمار هذا الكشف العلمي موضع التطبيق وهو ما يعرف بدوره باسم التطبيقات أو الاستخدامات التكنولوجية. نهاية البرج العاجي فعملية البرج العاجي كان ينبغي التصدي لها , ذلك لأن البرج العاجي هو الرمز التقليدي عبر التاريخ لانفصال العلم عن المجتمع , وعزلة المفكرين والعلماء عن قضايا شعوبهم وهموم أمتهم .. ولا خير في علم لا ينفع , هكذا قلنا نحن العرب والمسلمين في مآثر تراثنا وخير الناس أنفعهم للناس . والعلماء بمعنى المفكرين والفلاسفة وبمعنى المكتشفين والدارسين في مجالات الطب والهندسة والحواسيب والاتصالات الفضائية وما إليها من علوم وتخصصات , هؤلاء جميعا جديرون بأكرم منزلة في مقاييس المجتمع لأنهم يقدمون له ثمرة قراءتهم وذوبان نفوسهم .. شريطة أن يكون هذا الذي يقدمون فيه خير يعم الجماعة .. لا ينطوي على شر أو معصية ولا على دمار للطبيعة أو استغلال الإنسان للإنسان . مرة أخرى .. نعود إلى النموذج الأمريكي ونحن نعود إليه أولا بحكم ما حققه هذا النموذج من نتائج مرموقة بدأت بقرار سياسي وتصميم قومي وإرادة مجتمعة .. ثم ما لبث أن بدأ البحث والتطوير ومن بعدهما الثقافة والتطبيق ما لبث آت هذا كله أن أتى أنيع الثمار لنأخذ مثلا احتفال أمريكا مؤخرا منتصف يوليو 1999 بصعود أول إنسان إلى سطح القمر .. كم من جهود علمية وتكنولوجية وضعت في خدمة هذا الحدث الجليل, بالمقياس الإنساني بالدرجة الأولى, لقد بدأ الحدث برؤية مستقبلية راودت رئيس أمريكا الأسبق جون كنيدي, كان ذلك في أول العقد الستيني من هذا القرن وقبل اغتيال الرئيس الشاب بنحو ثلاث سنين , يومها استعرض كنيدي مع مستشاريه فضل السبق الذي حققه المنافس الأكبر في الحرب الباردة الاتحاد السوفييتي حين أطلق أول قمر صناعي في التاريخ وهو سبوتنيك عام 1957 ثم كللت هذه الجهود السوفييتية مضمار السبق العلمي حين أطلق أول إنسان يحلق في فضاء الله الواسع وهو يوري جاجارين في أبريل من عام 1961.. ومن قبله أطلقوا حيوانا هو الكلبة لايكا.. ومن بعدها أطلقوا سيدة هي الرائدة فالنتينا. لماذا قلدوا السوفييت المهم أن الأمريكان قرروا أن يقلدوا السوفييت .. لا في قشور ما حققه الخصم ولكن في صميم إنجازات الآخر. وهكذا أعلن جون كنيدي قراره بضرورة ألا يمضي عقد الستينات من القرن العشرين الا وتكون أمريكا قد أرسلت إنسانا ليخطو على سطح القمر. وقد تحقق هذا الأمر في يوليو 1969 حين خطا نيل ارمسترونج فوق سطح القمر ونصب فوق صخوره قرب بحيرات السكون علم بلاده , وهو حدث بارز تابعه العالم بعد أن كانت وسائل التواصل الفضائية قد أحرزت تقدما نسبيا بعد أيام يوري جاجارين . ومرة أخرى نعود إلى ما ألمحنا إليه في الجزء الأول من هذا الحديث .. نعم نعود لكي نؤكد ما أطلقنا عليه وصف الطابع المؤسسي لجهود البحث والتطوير .. تلك جهود تستغرق وقتا طويلا . ومهما وضعوا لها جداول زمنية فلسوف تظل رهنا بصدفة علمية وقد نسميها من وحي ثقافتنا تجليات وتوفيقات وهدي وبصيرة من مدبر الكون وفاطره وخالق أسراره الكامنة التي يجهد الإنسان بشرف وكفاح لفك مغاليقها ما استطاع إلى ذلك سبيلا .. وهو قد تنيره معاني الآية الكريمة التي تقول (علم الإنسان ما لم يعلم) وكلما زادت درجة التفوق العلمي والطموح التكنولوجي في هذا المجال أو ذاك , زادت معها أيضا المراهنة , ومن ثم زادت معايير المخاطرة .. وذلك أمر يحتاج بداهة إلى أموال طائلة وصبر يستلهم من أيوب عليه السلام .. ثم إدارة واعية حصينة مدبرة لهذه الحوافز المتنوعة بالضرورة من أرصدة رأس المال الموظفة في تلك المغامرات العلمية والتقنية الطموحة.. التي قد تنجح فتدر على أصحابها ما يصل إلى خانة المليارات , وقد لا يحالفها التوفيق.. أو قد تضن عليها الطبيعة أو الكون بأسرارهما.. فتكون الخسائر من أفدح ما يكون. سقوط الحاجز الوهمي المهم أن القوم في أمريكا بادروا كما ألمحنا إلى إزالة الحاجز الوهمي رغم أنه كان حاجزا تاريخيا بين برج العلماء العاجي وسوق المشاريع التجارية النابضة بالحياة .. وهكذا هبط العلم من البرج واندمج في بورصة تنظيم المشاريع . . ووضع كل طرف يده في يد رفيقه في حركة على الطريق إلى سوق التداول والترويج , وكان لابد من أن تساير التشريعات في كل هذه التطورات التي استجدت في مجال العلم والبحث والتسويق وتنظيم المشروعات .. واستطاع القانون أن يضفي المشروعية الموضوعية على تلك الوشيجة التي تجلت منذ ثمانينات هذا القرن لتربط بين دوائر الأكاديميات في الجامعات وبين الشركات والمؤسسات العاملة في مواقع الإنتاج . ساعد على ذلك عامل خطير ربما تكون قد انفردت به الولايات المتحدة وهو ما سمته الأيكونومست البريطانية في بحث مستفيض أجرته في الموضوع عام 1977 بأنه (الانفتاح على الكفاءات الأجنبية) وهنا تشير احدث التقديرات التي بين أيدينا وقت كتابة هذه السطور إلى أن واحدا من كل أربعة أفراد ممن يحملون درجة جامعية محترمة في مجال العلم أو التكنولوجيا ويعيشون داخل أمريكا قد ولد خارج حدود أمريكا ذاتها , وقد يكون مسقط رأسه في ألمانيا أو هولندا أو في مصر أو الأرجنتين أو في أقطار شرقي أوروبا والاتحاد السوفييتي السابق (وخاصة في عقد التسعينات الجاري) فإذا به يقدم هذا الرأس المفعم بالفكر والعلم والخبرة والتقنية وأيضا بذبذبات الطموح لكي يجري استثماره في إطار الصناعة التي نود لو تقدم في وطننا العربي .. صناعة رأس المال وتطويرات التكنولوجيا. حكاية الكتلة الحرجة في هذا السياق بالذات يقول المختصون ان رأس المال المخاطر ينعم بأكبر احتمالات الثقة في أمريكا .. وأقل احتمالات المخاطرة!.. لماذا يا أسيادنا ؟.. لان أمريكا أعزك الله باتت تملك صفوة أهل الاختصاص وبعبارة في غاية الخطورة وهي: (الكتلة الحرجة) . وتتمثل في الحجم البشري من المواهب والنوابغ والكفاءات الأكاديمية والبحثية والتكنولوجية التي تجعل أي مستثمر يطمئن إلى أن أمواله جديرة بأن توظف في مجالات ناجعة و ناجحة بفضل توافر هذه الكوكبة الكافية لإدارة دولاب البحث والتطوير والكشف والتطبيق , إدارة تجمع بين الكفاءة والفعالية والربحية.. وكل هذا المجتمع أو هذا المجمع من مواهب البحث كفيل بأن يتغلب حسب قانون الاحتمالات الرياضية على المصاعب والعقبات التي يحتمل أن تثور خلال عمليات البحث والتطوير بالغة ما بلغت من التعقيد أو الطموح. للدولة دور أيضا ثم هناك والمثل الأمريكي مازال مطروحا كي نفيد مه عربيا دور الدولة في تشجيع أنشطة العلم والتكنولوجيا من خلال ما تكفله أجهزتها من وسائل الدعم والتعزيز المادي والمعنوي .. جوائز .. منح دراسية.. مكافآت.. مشاركات أو شراكات وهو التعبير الموضة الشائع حاليا في الأدبيات الإنمائية الدولية .. تدخل فيها الدولة بقدراتها ومصداقيتها كطرف شريك يعزز موثوقية المشاريع ويزيد من ترسيخ دعائمها وجاذبية المشاركة فيها من جانب الأفراد الممولين .. وهناك أيضا كما سبق وألمحنا الحوافز الضريبية التي قد تلجأ الدولة إلى منحها على شكل إعفاءات أو فترات سماح لا تتقاضى فيها رسوما خلال فترات الحضانة والنشأة لمشاريع البحث والتطوير. وكم من شركات الإنتاج والخدمات الكبرى باتت داخله بوصفها أطرافا فاعلة في صناعة رأس المال المخاطر. ومن الموضات الإنمائية المستحدثة في زمننا ما قد نطلق عليه وصفا جديدا هو (الاستعانة بمصادر خارجية) .. وهو ما يعرف في أدبيات علم الإدارة المعاصر بأنه نوع من طرح عطاءات المشاريع البحثية الطموحة في الدوريات المختصة .. وتلزيم من يرسو عليه العطاء هيئة كانت أو شركة عملاقة عبء النهوض بالعملية , على أن يدخل فيها صاحب العطاء طرفا شريكا وهو ما يوفر عليه كثيرا من العناء ووجع الدماغ , أو اكتفى بأنه ألقى الحمل على غيره وتحولت مسؤولياته إلى شكل من أشكال المقاولة التي تعهد بإنجازها طرف آخر فيما يظل صاحب العطاء شريكا وله بداهة نصيبه المقنن في جني الثمار. عطاءات البنتاجون ولا يتبادرن إلى ذهنك ــ أرجوك ــ أن العطاءات إياها تطرحها شركة بسيطة هنا أو مؤسسة متواضعة هناك في مجال صناعة رأس المال المخاطر .. نحن نتكلم عن هيئات أو مؤسسات (سوبر) عملاقة بحجم البنتاجون المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة وحجم مقاولاته وعطاءاته وتلزيماته بالمليارات .. فضلا عن أن متطلباته في أوج الطموح من ناحية العلم والتكنولوجيا .. ألا ترى انهم فكروا في فكرة نهاية الحرب بغير خسائر بشرية تذكر وجربوها في ساحة البلقان وتحول مصطلح الحرب لغويا من اشتباك واقتتال وأقواس نيران إلى آخر تعبيرات أمثالنا في جنوب العالم وهي مصطلحات باتت بالية ومستهلكة إلى حيث أصبحت الحرب الكترونية تماما تتابعها على شاشات التلفاز وكأنك تشاهد واحدا من أفلام الخيال العلمي ! لقد تحقق هذا كله بفضل جهود البحث الدؤوب والتطوير الذي لا يكل ولا يمل في مجالات الأشعة والليزر والالكترونيات والحواسيب الإلكترونية وكلها تطويرات وإنجازات ومكتشفات تصلح في آن واحد لأغراض الحرب وأغراض السلام على السواء. بين إسرائيل والهند وليس لك أن يأخذك القنوط عندما ترى أن دول الشمال في عالمنا قد قطعت أشواطا بعيدة في مجال صناعة رأس المال المغامر .. صحيح أن إسرائيل قد أفادت من الحبل السري الذي يربطها بأمريكا, بل قد نقول أفادت من كونها في التحليل الأخير قلعة أمامية من قلاع الحضارة الغربية في القلب من وطننا.. لكن الهند وهي شريكتنا في الغلب الذي نعانيه كما لا يخفى عن فطنتك في الجنوب من عالمنا. نعم كم يسعد المرء منا المنتمي إلى العالم الثالث حين يطالع كيف تحفل التقارير والدراسات الدولية التي بين أيدينا بجهود صديقتنا الهند في هذا المضمار البالغ الخطورة والتقدم. في مايو 1998 يعني بالأمس القريب حتى لا ننسى أنشأت الهند هيئة لشؤون المعلومات التكنولوجية وتطوير برامج الحواسيب الالكترونية من أجل تعزيز صناعة تكنولوجيا المعلومات التي تطمح الهند إلى انتشارها في كل أنحاء شبه القارة , وحددت الهند هدفا طموحا لكي تبلغه في هذا المضمار وهو: تصدير برمجيات الحواسيب (الكمبيوتر) بمبلغ 50 مليار دولار في عام 2008 (بعد أقل من تسع سنوات) وإنتاج ما قيمته 35 مليار دولار من هذه البرمجيات الحاسوبية في سوق الهند المحلية ذاتها. بعد ذلك تمضي التقارير الدولية لتتكلم باحترام وتقدير عن جهود المؤسسة الهندية الحاكمة في تشجيع هذه الصناعة الرأسمالية الطموحة .. تخفيضات وإعفاءات من الضرائب وتشجيع منافسة القطاع الخاص في هذا الميدان. عوامل النجاح الأساسية على أن التقارير الدولية لا تقف عند الجانب الضريبي وحده , إنما تحاول أن تبلور العوامل التي تؤدي إلى نجاح صناعة رأس المال المخاطر وخاصة في تعزيز مجالات البحث والتطوير وميادين العلم والتكنولوجيا .. فتلخص هذه العوامل على النحو التالي: موارد بشرية تتمتع بالمواهب والكفاءة نظام تعليمي متطور وخاصة في مجالي العلوم والرياضيات معايير ضريبية تتسم بالسماحة وتشجع الإقدام على مخاطر في رصد وتوظيف الأموال معايير محاسبية رفيعة المستوى تطمئن المستثمرين على حسن تشغيل أموالهم لصالحهم ونفع المجتمع ممارسات في عمليات التجارة وأنشطة الاستثمار تتسم بالشفافية ولا تستر المعايب ولا تتستر على السلبيات فبالله عليك .. هل هذا كثيرا على بلادنا؟! كاتب سياسي مصري وحددت الهند هدفا طموحا لكي تبلغه في هذا المضمار وهو: تصدير برمجيات الحواسيب (الكمبيوتر) بمبلغ 50 مليار دولار في عام 2008 (بعد أقل من تسع سنوات)