على المستوى الدبلوماسي نأى الملك الراحل عن الخيارات الايديولوجية في تحديد التوجهات الدبلوماسية وسلك سبيلا معتدلا, وكان احسن تجلي لهذا النهج تعاطي المغرب لملف الشرق الاوسط , حيث كان دوما إلى جانب الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني, في الوقت الذي كان فيه سباقا إلى ارساء سبل السلام, وكان هذا الخيار صعبا, ولم يكن من السهل على الكثيرين ان يقبلوا لقاء العاهل الراحل الملك الحسن الثاني بشمعون بيريز في صيف 1986. والتحم الملك والشعب في مطلب ظل المغرب بمختلف مكوناته يناضل من اجله منذ فجر الاستقلال الا وهو الوحدة الترابية, وحينما اخذت رياح الديمقراطية تهب مع بداية التسعينات عبر العالم, والمطالب تلح على المستوى الوطني كان الملك الراحل حريصا على الا يبتسر هذا المسلسل, حتى لا يتحول إلى رياح عاصفة, وكانت نظرته ان الديمقراطية ان كانت ضرورة في تدبير الامور فهي تستلزم تربية وثقافة ديمقراطية, وهو ما لم يرق للبعض في لقاء لابول في يونيو ,1990 وكان التاريخ بجانب نظرة الملك الراحل, سر بعد نظر الملك الراحل انه كان مرتبطا بشعبه, يعرف قضاياه, دونما تعويل على قنوات الدولة وحدها, فضلا عن ثقافة واسعة تمنحه فضاء واسعا للتأمل والتملي, كان يفاجىء المراقبين بمعرفته الدقيقة لظروف عيش المغاربة. واليوم يقف المغرب في لحظة حرجة, يعتصره الالم لغياب قائد فذ لم تعرف غالبية المغاربة قائدا غيره, تماهى مع المغرب, وتماهى المغرب معه, ويحركه امل في مواصلة التجديد في القضايا الملحة من تشغيل وتعليم وترسيخ المسلسل الديمقراطي, يحركه امل في الملك محمد بن الحسن, الذي مازج بين معرفة عميقة لقضايا الشعب, درس مع ابنائه, واطلع يافعا على شؤونه, ودرس شابا في الرباط على ارائك كلية الحقوق, من دون ان يحظى بمعاملة خاصة, وتلقى تكوينا متينا للغة العربية وآدابها, وفي ذات الوقت كان متفتحا على الحضارة الغربية, متمكنا من لغات عدة, ذا تجربة دولية تقنية واسعة, انكب الملك محمد بن الحسن على قضايا الشعب ومظاهر الاقصاء وجعلها شغله الشاغل. هذا التكوين الثقافي والعملي هو النسغ الذي يمنح للملك الشاب المعين من اجل مواجهة قضايا اليوم الملحة, كانت جريدة (الاحداث المغربية) تعبر عما يختلج في صدور المغاربة في افتتاحية لها, في يوم الوداع مع الملك الراحل حينما كتبت: العزاء ان الحسن الثاني رحمه الله بصفتيه الهامتين: صفة الملك الدستوري وصفة امير المؤمنين لم يترك وراءه فراغا سياسيا وفتنة دينية بل ترك مغربا مستقرا, وخلفا مؤهلا للحكم هو الملك محمد بن الحسن, المشبع بالقيم الانسانية النبيلة, والمثقف المستنير بالفكر الديمقراطي ذو الاحساس القوي بتطلعات الشعب المغربي وتوقه الشديد الى ترسيخ دعائم دولة عصرية بادارة نظيفة وقضاء نزيه مستقل, وفضاء مدني حر مبني على اسس التضامن في اطار ملكية دستورية متجددة تضمن المساواة والعدل حيث لا قوة ولا جاه ولا نفوذ لاحد فوق القانون, ان مغربا بتلك المواصفات لا خوف عليه. ان مغربا هكذا ممكن الانجاز بل واجب الانجاز بتضافر قوى الجميع وراء ملك البلاد, الملك الذي يرى فيه الشعب تجسيدا لطموحه. رئيس مركز طارق بن زياد للدراسات والابحاث