كانت مشكلة افريقيا الاولى في مرحلة مضت مشكلة الاستعمار والتفرقة العنصرية وصارت المشكلة الاولى الان بعد تحقيق الاستقلال مشكلة الحروب الاهلية التي اصبحت في كثير من البلدان الافريقية اسلحة دمار شامل سفكت الدماء, وقوضت التنمية, ونشرت المجاعات ومزقت الشعوب, وكان السودان طليعة بين الشعوب التي حققت سيادتها الوطنية. كما كان السودان طليعة بين البلدان التي مارست قدرا اكبر من الحريات الليبرالية فأتاحت الحريات درجة اكبر من التسامح تمددت فيها ايديولوجيات متطرفة اندفعت للقفز فوق الواقع وبناء مدينتها الفاضلة. وورث السودان تركيبا سكانيا عقدته سياسة استعمارية باستقطاب حاد بين اقاليم سالكة واقاليم مقفلة, استقطاب لم تتحرك الحكومات الديمقراطية بالسرعة الكافية للتعامل الناجح معه, ولم تمهلها الانقلابات العسكرية التي سهلت الحريات الليبرالية قفزها على السلطة واستغلتها الايديولوجيات المستعجلة للاستيلاء على السلطة. من هذا الباب دخل الانقلاب العسكري الثالث في تاريخنا الحديث في عام 1989. حاول هذ الانقلاب اقامة نظام نسبة للاسلام وباسم الاسلام طبق سياسات فرقت كلمة اهل الشمال, ووسعت الفتنة بين اهل الشمال واهل الجنوب وغرست العداء بين السودان وجيرانه واخرجت السودان من الشرعية الدولية. سياسات النظام عممت ثقافة العنف وحولت الحوار السياسي إلى حوار قتالي وصار السودانيون وقد كانوا اهل تسامح وتعايش متربصين ببعضهم بعضا فالواحد منهم اما قاتل واما مقتول. أدى اخفاق السياسات واندياح العنف إلى خلق مآس انسانية لم يشهد السودان لها مثيلا وتسارعت خطى البلاد نحو التمزق وتحاومت حول البلاد مشروعات التدويل التي اتاحتها الظروف الدولية الجديدة, وما بين الاخفاق والتمزق والتدويل وقف السودان في مفترق طرق ان يكون او لا يكون. ليس السودان قطرا عاديا, انه بحجمه وتكوينه يمثل افريقيا مصغرة, ان بلقنة السودان تفضي إلى صوملة افريقيا, وتلقي ظلالا سلبية واسعة على صلة افريقيا جنوب الصحراء بافريقيا شمال الصحراء وعلى العلاقات العربية الافريقية, لاسيما في هذا الظرف التاريخي الحالي الذي تتكاثر فيه المساعي الدولية التي تسعى لالغاء التواصل عبر الصحراء واحلال تواصل عبر المحيط بين امريكا واوروبا من ناحية وافريقيا جنوب الصحراء من الناحية الاخرى. ان للعلاقة العربية الافريقية دورا مفتاحيا, فاغلبية العرب هم افارقة, والامن المائي لشمال وادي النيل مرتبط بالقرن الافريقي ومنطقة البحيرات, والتراث الثلاثي في افريقيا: الاسلامي, والغربي الحضاري والمسيحي, والتراث الافريقاني عوامل وصل في كثير من الحالات بين افريقيا الجنوبية وافريقيا الشمالية. لذلك فرض الشأن السوداني نفسه على الاجندات الاقليمية والدولية ساعيا لايجاد حل سياسي حاسم للنزاعات السودانية, فهل هذا ممكن؟ الحرب الاهلية الحرب الاهلية في السودان ليست من صنع النظام الحالي, ولكنه عمقها ووسعها واعطاها بعدا دينيا. ان التكوين القومي في السودان لم يكن مكتملا قبل سقوط السودان في يد الاستعمار, الاستعمار تعامل مع التنوع السوداني على اساس التفرقة العنصرية بين سودان المناطق السالكة وسودان المناطق المقفلة وكانت تضم الجنوب واقاليم اخرى في مناطق الشمال الجنوبية. العهود الوطنية التي حكمت السودان بعد الاستقلال كانت على نوعين: حكومات ديمقراطية حكمت ربع الزمن منذ الاستقلال, وحكومات دكتاتورية حكمت ثلاثة ارباع الزمن منذ الاستقلال. العهود الوطنية التي حكمت السودان منذ الاستقلال التزمت نقض خطة التطور الثقافي التي غرسها الاستعمار واحلت محلها سياسة واحدية ثقافية. هذه الواحدية الثقافية صحبها توزيع للتنمية والخدمات الاجتماعية غير متوازن وتوزيع للسلطة السياسية والادارية غير متوازن كذلك. الواحدية الثقافية وعدم التوازن الخدمي والتنموي طبعا عهود الحكم الوطني بعد الاستقلال. العهود الوطنية الديمقراطية سارت بطريقة اكثر نعومة وبها درجة من الحوار مع الاطراف المتظلمة العهود الدكتاتورية سارت بطريقة اكثر خشونة وخالية من الحوار الحقيقي باستثناء الحوار الذي ادى لاتفاقية السلام في 1972 باديس ابابا, لكن النظام الدكتاتوري الذي ابرم تلك الاتفاقية خرقها لانها كانت مؤسسة على نتيجة حوار تم اثناء الديمقراطية الثانية في السودان وكانت في بنيتها عناصر ديمقراطية لا تلائم طبيعة النظام الدكتاتورية, فخرقها النظام واورث البلاد حربا اهلية اخطر واوسع واعمق من تلك التي انهتها اتفاقية 1972. الديمقراطية الثالثة في السودان اهتمت بالحوار واوشكت ان تبرم اتفاق سلام عبر مؤتمر دستوري تقرر ان يعقد في 18/9/1989. لكن قبل ذلك التاريخ وقع انقلاب يونيو 89 الذي التزم باجندة حزبية ضيقة ومتطرفة في واحديتها الثقافية وجعلت الطرف الآخر في الحرب الاهلية هدفا للجهاد. واثناء تطبيق النظام الجديد لسياساته الفوقية, واصلت القوى السياسية التي كانت حاكمة في الديمقراطية الثالثة وقوى سياسية اخرى معارضة للنظام الجديد حواراتها مع الحركة الشعبية, حوارات تواصلت في نيروبي, وشقدوم, ولندن, واتصلت بين القوى السياسية المختلفة داخل السودان وخلقت وفاقا بلغ قمته في مؤتمر اسمرا في يوليو 1995. اساس الوفاق الوطني السوداني الجديد: الاعتراف بالتعددية الدينية, والثقافية, والعرقية في السودان والالتزام بالا يترتب على هذه الانتماءات اي امتياز, والالتزام بان تكون المواطنة والمساواة فيها اساسا للحقوق والواجبات الدستورية, والالتزام بحقوق الانسان كما نص عليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان وتأسيس الديمقراطية اساسا لشرعية الحكم والتداول السلمي للسلطة. تحقيق المشاركة العادلة في السلطة والثروة والخدمات في البلاد. كفالة لا مركزية حقيقية في حكم البلاد. اعادة بناء وهيكلة مؤسسات الدولة لمواكبة الاصلاحات المذكورة. ولكن مهما عدل النظام خطابه فان لغته الجديدة لم تجد قبولا يذكر لان النظام اعتاد أن يؤشر في اتجاه ويسير في الاتجاه الاخر. لقد خلق النظام بينه وبين أهل السودان فجوة صدقية واسعة. وقامت بين النظام وبين الشعب السوداني كما يمثله التجمع الوطني الديمقراطي فجوة ثقة بعرض المحيط. فجوة الثقة لها سببان هامان: الأول: اقام النظام سياساته على قمع الاخر واستئصاله مما خلق رصيدا هائلا من المرارة والكراهية والعداء. الثاني: استنكر النظام الوسائل التي لجأ اليها التجمع في مقاومته وخونها. وبالاضافة لفجوة الصدقية, وفجوة الثقة, توجد نقطتان اخريان تباعدان بين النظام والتجمع في الطريق الى حل سياسي هما: الاولى: النظام حول الدولة السودانية من دولة الوطن الى دولة الحزب. لاسبيل لحل سياسي لايفكك دولة الحزب ويركب دولة الوطن. الثانية: قضية المساءلة عن المظالم والتجاوزات التي ارتكبت في حق الشعب السوداني. بالاشارة لهاتين النقطتين ان السودان ليس نسيج وحدة في عالم السياسة بل تتشابه ظروفه مع ظروف كثير من البلدان التي انتقلت من حالة الحرب الاهلية للسلام, ومن حالة الاحادية للديمقراطية. ان تجارب هذا التحول عمت عشرات الدول في أوروبا الشرقية, وأمريكا اللاتينية, وفي اسيا وفي أفريقيا. اذا بدأ حوار سياسي جاد في السودان فان تلك التجارب سوابق يمكن استصحابها. ان المواجهات بين أطراف النزاع السودانية على كل الجبهات قائمة ومستمرة, ولكن وجود أسس نظرية لحل سياسي كما اوضحنا, وتزايد المآسي الانسانية في الواقع السوداني, واحتمالات تفتت البلاد, ودق طبول التدويل للقضية السودانية هي العوامل التي شجعت على بروز ظاهرتين في الفضاء السوداني هما: اولا: مبادرات مستعجلة لحل النزاع على أسس ثنائية وجزئية: جنوبية ــ جنوبية, وشمالية ــ شمالية, وجنوبية ــ شمالية. ثانيا: مبادرات وساطة لايجاد حل سياسي شامل للنزاعات. امام هذه الظواهر ينبغي ان نقرر الحقائق الخمس الاتية: 1 ــ ان الحلول الثنائية والجزئية غير مجدية والمطلوب حل سياسي شامل يضع حدا للحرب الاهلية, ويزيل اسبابها, ويبرم اتفاقية سلام عادل وسلام مستدام. حل سياسي شامل يصون اتفاقية السلام بالنص عليها في دستور ديمقراطي يجمع عليه أهل السودان ويؤسس شرعية دستورية ديمقراطية مستدامة. 2 ــ مبادرة الايقاد التي انفردت بساحة التوسط لستة أعوام مضت نجحت في انها قيدت التفاوض بأسس محددة وأشركت جيران السودان في القرن الافريقي في البحث عن السلام والاستقرار فيه, واستقطبت اهتماما دوليا حميدا عن طريق شركاء الايقاد. اجراء استفتاء لاقامة الوحدة على أساس طوعي. هذا التوجه الذي يمثل طفرة الى الامام في تطور السودان الحديث استنكره النظام الحاكم في السودان في البداية. ولكنه فرض نفسه على الساحة السياسية السودانية بقوة المنطق حتى لم يعد في السودان اليوم اتجاه سياسي جاد يعارض هذه الأسس لاتفاقية السلام. النزاع السوداني الثاني: النظام الحاكم في السودان اقام السلطة على نفي الاخر وتخوينه واجبار المواطنين على الامتثال لاحادية صارمة. الشعب السوداني رفض احادية النظام وقاومها ببسالة شكلت حيثيات صارت أساسا لادانات النظام المتكررة لدى منظمات حقوق الانسان الدولية. واعلن الشعب السوداني انه لا يرضى بالحرية والديمقراطية التعددية والتداول السلمي للسلطة بديلا وانبرت قوى الشعب السوداني المنظمة بقيادة التجمع الوطني الديمقراطي تعبر عن تلك الأهداف وتعمل من أجلها. هذه الأهداف فرضت نفسها بقوة منطقها على الساحة السياسية السودانية ولم يعد هناك من يعارضها. النزاع السوداني الثالث: هو نزاع تداخلت فيه العوامل الداخلية بعوامل اقليمية, لقد حرص النظام على تصدير ايديولوجيته وتحالف مع فصائل في دول الجوار واقام آليات للتعاون معها مما خلق عداء بين النظام وبين جيران السودان وخلق ارضية تعاون بينهم وبين المعارضة السودانية للنظام. وفي بحر العامين الماضيين غير النظام السوداني خطابه معترفا باخطائه علنا أو ضمنا ملتمسا علاقات مع دول الجوار تقوم على التعايش والتعاون التنموي والأمني. رابعا: اقام النظام آلية أممية شدت من أزر حركات الاحتجاج المتطرفة التي اعلنت الحرب العالمية الارهابية الاولى مما صنف النظام السوداني راعيا للارهاب وجعل الجواز السوداني في كثير من دول العالم وثيقة اتهام لحامله. ولكن في غضون العامين الماضيين حاول النظام التخلي عن تلك الاجندة متحمسا لاتفاقية مكافحة الارهاب العربية ومبديا الاستعداد للتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ضد الارهاب. هناك ثلاثة اسباب اساسية لهذه التحولات: اولا: فشل السياسات الواحدية, الاحادية, التوسعية, الارهابية فشلا تاما في توفير الخبز, والامن, والسلام, والاستقرار في البلاد. ثانيا: صمود الشعب السوداني وتصديه للقهر بكفاءة وبسالة. ثالثا: انحسار الفكر الاحادي التسلطي في كل منابعه الاسلاموية, والستالينية, والقومية مفسحا الطريق لتمدد ديمقراطي عم القرى والحضر. لكن مبادرة الايجاد ظلت تراوح مكانها ستة أعوام مهما تخللها من تفاوض فان الحرب الاهلية اثناءها اتسعت والمآسي الانسانية تراكمت واتضح من آخر حلقة للمفاوضات في نيروبي هذا الشهر ان هذا الطريق مسدود وهو طريق يعاني من عيب هيكلي لانه يحصر التفاوض بين اثنين من اطراف النزاع ولايشرك اطرافا هامة من جيران السودان في آلية التوسط والتسهيل. 3 ـ هنالك مبادرة وساطة مصرية قبلتها اطراف النزاع. 4 ــ وهناك مبادرة وساطة ليبية رحبت بها أطراف النزاع. 5 ــ وهناك الوساطة التي يقوم بها المواطن السوداني ذي الموقع الدولي الرفيع والذي يقوم بدور تسهيلي مساعد. ان هذه المبادرات دليل على اهتمام حميد بالشأن السوداني تزيد من أهميتها حدة المواجهات بين اطراف النزاع في السودان وتعاظم الماسأة الانسانية والخوف الزائد على صوملة السودان وتدويل قضاياه. اننا نقدر دوافع أصحاب المبادرات الحالية ونشكرهم على اهتمامهم بالشأن السوداني ونعتقد ان لكل منهم دورا هاما يتكامل مع ادوار الاخرين في اطار جيران السودان, ونرحب باهتمام الاسرة الدولية كما يمثلها شركاء الايجاد باعتبارهم اصدقاء السودان وحبذا لو اشتركت معهم دول اخرى معنية بالشأن السوداني مثل: جنوب افريقيا, المملكة العربية السعودية, نيجيريا, الجزائر, دولة الامارات, والكويت وزيمبابوي. هذه المقومات الاساسية لما يمكن عمله واننا في حزب الامة والتجمع الوطني الديمقراطي على استعداد لبحث ما يقترحه اصحاب المبادرات المخلصة بالجدية والموضوعية لتحقيق سلام عادل, وديمقراطية مستدامة حقنا للدماء وقفلا لأبواب التدخل الاجنبي. الناشطون في المعارضة السودانية هم في الاساس أصحاب قضية عادلة وما ألجأهم الى ما لجأوا اليه من وسائل الا الواحدية الثقافية, والاحادية الحكومية, وفرض رأي الفرد أو رأي الحزب بالحديد والنار فان عم اتسم بالعقل والمصلحة الوطنية واعتماد المرجعية الشعبية ليحسم الشعب السيد فوق كل سيد والوالي فوق كل وال كل خلاف فاننا في المعارضة احرص مستجيب لما يحقن الدماء ويفتح بابا للسودان لمولد جديد في القرن الميلادي الجديد. ان هذا هو صوت العقل وهو ايضا منطق التاريخ فالعالم يخطو بخطى حثيثة نحو تقديس حقوق الانسان وحرياته الاساسية. ففي عام 1997 خاطبنا الأمين العام للأمم المتحدة ووعد بأن يجعل التزام الديمقراطية بصماته في السياسة الدولية. وفي آخر اجتماع للقمة الافريقية اعلنوا قفل الباب امام الانقلابات العسكرية واعتمدوا التناوب السلمي على السلطة اساسا لشرعية الحكم. لقد كان لجيران السودان عطاء اخويا حميما في دعم قضايا شعبنا العادلة وبذل اخوتنا في دول الايقاد سيما اريتريا وجيراننا سيما مصر وليبيا عطاء مقدرا ونحن نتطلع لمستقبل قريب يعافي السودان بالسلام والاستقرار الديمقراطي لنضع ايدينا مع بعض في تضامن عربي ــ افريقي يضم دول حوض النيل طولا ودول ما بين المحيط والبحر الاحمر عرضا. والله المستعان رئيس الوزراء السوداني السابق