صدمني نبأ اللقاء الذي تم بين الوفد الاسرائيلي الذي شارك في جنازة الملك الحسن الثاني وبين الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقه , والذي تبادل خلاله الرئيس الجزائري الحوار مع عيزرا وايزمان رئيس الدولة الاسرائيلية ــ وايهود باراك رئيس الوزراء ووزير الخارجية ديفيد ليفي الذي شارك في الجنازة بصفته الرسمية وباعتباره مغربي الأصل. ومع ان اللقاء لم يستمر سوى سبع دقائق, الا ان مغزاه لم يخف على كل المشغولين بقضية الصراع العربي الاسرائيلي .. وبالتطورات الراهنة فيما يعرف بـ (مسيرة السلام) بما في ذلك أجهزة الاعلام الدولية, التي بدأت تتحدث عما سمته (دبلوماسية الجنازات) في اشارة الى واقعة مشابهة حدثت في جنازة الملك حسين قبل شهور, تمثلت في مصافحة نايف حواتمه الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين للرئيس الاسرائيلي وايزمان خلالها. وحتى الآن ما يزال هذا اللقاء العلني الأول, بين الرئيس الجزائري وأركان الدولة الاسرائيلية, يشغل المراقبين بحثا عن خلفياته الغامضة وعن تداعياته المحتملة .. التي حار في تفسيرها الفلاسفة وتناقضت في ذكر وقائعها أقوال الشهود والرواة والقصاصين. وطبقا لرواية الرئيس بوتفليقه فإن اللقاء تم بمحض الصدفة, وانه لم يكن يستطيع من الزاوية البروتوكولية والانسانية ان يتجاهل الوفد الاسرائيلي, وأن ما جرى ليست له أية دلالة سياسية, وان الحديث الذي دار بينه وبين الفريق الاسرائيلي, كان علنيا وسجلته كاميرات التلفزيونات العالمية, وانه حث الاسرائيليين خلاله على الجلاء عن الأرض المحتلة وعلى الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, وسأل باراك, عما إذا كان مستعدا لكي يكمل الطريق الذي بدأه رابين فأكد له ذلك, واكد ديفيد ليفي انه كان وزيرا مع نتانياهو ومع ذلك فانه يؤيد هو الآخر مسيرة السلام. وخلاصة كلام بو تفليقه ان ما جرى مصادفة لن تتكرر وحادث عارض, يمكن أن يحدث في أي جنازة أو أي عرس! لكن الرواية الاسرائيلية تختلف مع رواية الرئيس الجزائري, وتؤكد ان المصادفة التي جمعت بينه وبين فريق القمة الاسرائيلي كانت مرسومة سلفا وبناء على ترتيب مسبق قيل ان الذي قام به هم يهود مغاربة, وقيل انه الرئيس الأمريكي .. وان الذين رتبوها هم الذين اختاروا لها هذا الشكل المسرحي, بحيث تتم وسط زحام المشيعين في جنازة الملك الحسن, فتبدو وكأنها المصادفة التي هي خير من ألف ميعاد .. وتضيف الرواية ان هذه المصادفة كانت فرصة مواتية للخوض في (تفاصيل ختامية) ! أما التفاصيل الاولية, للاتصالات الجزائرية الاسرائيلية, فقد تكفل الاسرائيليون ــ كالعادة ــ باذاعتها .. وكان من بينها ما ذكره سفير سابق لاسرائيل في فرنسا, قال ان رئيسا سابقا لجبهة التحرير الوطني الجزائرية, كان مقربا من الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد, وما يزال مقربا من الرئيس الحالي قد التقى عدة مرات في باريس مع شيمون بيريز عندما كان وزيرا للخارجية الاسرائيلية بين عامي 1986 و1988 لاقناع اسرائيل بأن تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية .. ليكون ذلك مقدمة للتوصل الى تسوية سلمية في الشرق الأوسط .. وكان من بينها أن هناك اتصالات سرية شعبية جزائرية اسرائيلية جرت ــ خلال العام الماضي ــ بين وفود من الاكاديميين والخبراء والمفكرين من الجانبين. ونبهت صحف جزائرية الى خطاب ألقاه بوتفليقة في زيارة أخيرة له الى ولاية قسنطينة, أشاد فيه بجهود اليهود الجزائريين في اثراء تراثها الحضاري! ومما يؤكد ان اللقاء كان مرتبا له, وان اطرافه كانت تعرف به, قبل ان تقود المصادفة أقدامهم اليه, ان ترتيبا مماثلا كان قد أعد لكي يلتقي الرئيس الأسد أثناء الجنازة ذاتها, وعلى سبيل المصادفة نفسها بالفريق الاسرائيلي, فيصاحفه, وبذلك تحدث المفاجأة الدراماتيكية في هذا الجو الدراماتيكي .. فيضيع أثرها السيئ وسط زحام الجنازة .. ويعقل الحزن على الملك الراحل أصوات الاعتراض .. ولكن الأسد اعتذر في آخر لحظة عن المشاركة في الجنازة .. لكي يتوقى المصافحة, ويتوقى ــ كذلك ــ حرج اغضاب الرئيس الامريكي الذي يبدو ان باراك قد أقنعه بأن دوره كراع رئيسي لمسيرة السلام يجب أن يقتصر على حث الرؤساء العرب على تبادل السلامات في الجنازات مع نظرائهم الاسرائيليين لأن ذلك هو الذي يؤدي الى تقدم المفاوضات! وما حدث واقعة خطيرة, لايجوز ان تمر هكذا ببساطة, من دون احتجاج شعبي يوقف هذه البداية العربية غير الموفقة وغير المبشرة, التي يستأنف بها العرب مسيرة السلام المتوقفة منذ أكثر من ثلاث سنوات, قبل أن يخطو الطرف الاخر خطوة واحدة, أو يقول حرفا واحدا يدل على أن في نيته أن يخطو بها الى الامام! حتى الآن لم يعلن باراك شيئا له قيمة, سوى كلام متناقض نصفه (لاءات) والنصف الثاني (ليس نعمات) فكلمة السلام لا ترد على لسانه وحدها أبداً لأنه يردفها عادة بكلمة (الأمن) ليصنع بذلك مزيجا من كلام (رابين) وكلام (نتانياهو) .. وهو يصر على أن تدور المفاوضات بلا راعٍ رسمي, مع ان هذا الراعي الرسمي هو الذي دعا الى (مؤتمر مدريد) وهو الذي أعطى العرب ضمانات مهما كانت هشاشتها, فقد كانت هي التي قادتهم الى هناك بعصا المعلم (بوش) .. ومع ان النصف الآخر من الراعيين الرسميين ــ وهو الرئيس الروسي يلتسين ــ قد اكتفى منذ البداية بدور الكومبارس الصامت ولم يرع شيئا, لأنه هو نفسه في حاجة دائمة الى رعاية صحية وسياسية واقتصادية .. ومع ان الأصل في الموضوع هو ان الأمم المتحدة هي الراعي الرئيسي للمفاوضات التي تدور حول قرارين صدرا عنها هما القراران 242 و338 وهكذا تقلصت المظلة الدولية الى راعيين, ثم الى راع واحد, استجاب في النهاية لمطلب باراك بأن يتفرغ لترتيب المصافحات في الجنازات لينفرد الاسرائيليون بكل طرف عربي على حدة, ويتعاملوا معه ــ على مائدة المفاوضات بالطريقة التي يعامل بها الأيتام في مأدبة اللئام. وليست دبلوماسية المصادفات بعيدة عن خطاب باراك المراوغ, الذي يتحدث عن تحريك عملية التفاوض على كل المسارات, فيوحي بأنه يتحدث فقط, عن التحريك على المسارات السورية اللبنانية الفلسطينية, فيبدو بذلك أكثر عروبة من العرب أنفسهم, في حين يخفي في جعبته مسارا رابعا يسعى لتحريكه, هو مسار المفاوضات المتعددة الأطراف التي كانت تبحث القضايا المتعلقة بالتعاون الاقليمي, والتي انسحب العرب منها عام 1996 فتوقفت نتيجة لتوقف المسارات الثنائية في أعقاب رفض نتانياهو لتنفيذ اتفاق الخليل. وهذا الخطاب المراوغ هو الذي دفع باراك لتبني خطة نتانياهو التي تقضي بدمج المرحلة الثالثة من الانسحاب, طبقا لاتفاق أوسلو, وجزء من المرحلة الثانية التي شملها بروتوكول (واي بلانتيشن) , بالمرحلة النهائية من المفاوضات .. وهي لعبة تفاوضية, فاجرة ومفضوحة .. لا هدف منها الا اضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني. فقد كان مفروضا طبقا لاتفاقيات أوسلو ان يحصل الفلسطينيون على 90% من أراضي الضفة في المرحلتين الأولى والثانية .. وان يتفاوضوا خلال المرحلة الثالثة والأخيرة على 10% فقط, فضلا عن قضايا الحل النهائي التي تشمل القضايا الأكثر تعقيدا مثل الدولة والقدس والمستوطنات والحدود .. وليس الهدف من خطة نتانياهو التي اعتمدها باراك بالغاء المرحلة الثالثة ودمجها مع جزء من المرحلة الثانية وبالمرحلة النهائية ــ هو تسريع ايقاع المفاوضات, بل توسيع وتصقيع قدرة المفاوض الاسرائيلي على المساومة, وبدلا من أن يتفاوض الفلسطينيون على 10% فقط من الأرض, سيكون عليهم التفاوض على حوالي 0_% منها .. وآنذاك يستطيع المفاوض الاسرائيلي أن يساومهم على بعض حقوقهم, ببعض حقوقهم, وأن يخيرهم بين الدولة والقدس وبين جانب من الأرض والمستوطنات .. وهكذا. ومعنى الكلام ان باراك يهيئ الجو الذي ستدور فيه المفاوضات بحيث تنتهي الى نفس النتيجة التي كانت ستنتهي اليها لو انها استؤنفت في عهد سلفه, وانه يخفي كف نتانياهو الحديدي في قفاز من حرير .. ويشترط لمجرد استئناف المفاوضات أن يعدل العرب عن قرارات القمة العربية التي انعقدت عام ,1996 وتوصية المجلس الوزاري للجامعة العربية التي قضت بتفعيل قرارات المقاطعة الرسمية لاسرائيل, والتزام الدول العربية, التي لم تنه هذه المقاطعة باتفاقيات سلام, بان تقوم بتطبيقها .. وبصرف النظر عن ان بعض هذه الدول لم تنفذ هذه التوصيات بالصرامة الواجبة, فإن ما يسعى اليه باراك الآن ويسانده في ذلك الرئيس الأمريكي, هو أن يعود النظام العربي الى الهرولة من جديد .. وأن يواصل العرب (دورهم التاريخي) في شفاء الاسرائيليين من عقدهم النفسية, لاقناعهم بأنهم يريدون السلام حقا, ولا يفكرون في تهديد أمن اسرائيل, فيطبعوا العلاقات معهم قبل المفاوضات وليس بعدها, ومن دون أن يحصلوا منهم على بوصة واحدة من الأرض, أو مجرد وعد بأنهم حين يمن الله عليهم بالشفاء, سوف يعيدون ما اغتصبوه من الأرض التي احتلت عام ,1967 بعد ان استعوض العرب الله في الأرض التي ضاعت عام 1948. في هذا السياق لايجوز لنا ان ننظر الى (دبلوماسية المصادفات) باعتبارها مجرد احراج اجتماعي وسياسي تعرض له الرئيس الجزائري .. ويحق لنا ان نعتبرها الخطوة الأولى في المرحلة الثانية من مسيرة الهرولة العربية التي وصلت الى ذروتها في عهد رابين من دون تعاقد يفرض ذلك, أو ثمن له. ولأن الشكوى لأهل البصيرة عيب .. فليس العرب حكاما ومحكومين في حاجة الى من يذكرهم بأنهم لا يحتكمون على أي سلاح يستردون به الأرض, ولا يملكون شيئا يهددون به السلام الذي يطالبون بمقايضته بالأرض, وان تطبيع العلاقات على الصعيدين الرسمي والشعبي هو ورقة المساومة الوحيدة التي نملكها في هذه المفاوضات, وأنهم لو طبعوا العلاقات قبل أن يحصلوا على الأرض, فلن يحصلوا على بوصة واحدة منها. المطلوب الآن هو دبلوماسية المصافحات بين العرب والعرب, وهو عقد القمة العربية فورا, لكي ترسم موقفا تفاوضيا عربيا واحدا, يحشد كل ما يستطيع العرب حشده من أوراق الضغط, وفي مقدمتها تفعيل قرارات المقاطعة الى ان تتم تسوية عادلة وشاملة تعيد الأرض التي احتلت عام ,1967 وتنتهي الى اقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس .. حتى لا يدون التاريخ أمام الجيل المعاصر من العرب عبارة: (كان خائبا حتى في المفاوضات وكان ماهرا فقط في أن يعطي من دون أن يأخذ) .