عنوان المرحلة المقبلة في الشرق الاوسط هو مرحلة ما بعد صدام, فبعد تسع سنوات من تاريخ احتلال العراق للكويت, وبعد المعاناة الطويلة للشعب العراقي في الداخل والخارج بدأت فكرة (ما بعد صدام) تتداول اكثر من قبل في التصريحات السياسية العربية والعالمية, وهي تمنيات ليست بعيدة عن التحقيق في ضوء التغيرات العالمية المشهودة. وتحقيق مرحلة ما بعد صدام في العراق, هو شعار سياسي من السهل ان يقال ويردد, ومن الصعب ان تحدد نتائجه خصوصا فيما يتعلق باستحقاقاته المستقبلية عراقيا واقليميا, وايضا خاصة لنا في الكويت, فنحن بعد الشعب العراقي اولى بالتفكير في مرحلة ما بعد صدام حسين في العراق, فما هي الاحتمالات وكيف نقرأ مقدماتها؟ دوافع البعض لرفع هذا الشعار تستنبط من العديد من المظاهر التي تجري في العراق وحوله, ولعل اهمها المرحلة السلمية التي يبدو أنها ستسود في المنطقة, بدا من وفاق غربي ايراني ممكن, إلى سلام شرق أوسطي مع اسرائيل محتمل الحدوث, إلى اطراب شديد في الوضع الداخلي العراقي, حيث تبقى في المنطقة المسألة العراقية التي تؤخر استتباب السلام والامن معلقة في منطقة حساسة من العالم هي الخليج العربي. القائلون بمرحلة ما بعد صدام حسين في العراق يفترضون ضمنا انها مرحلة سوف تأتي بسلام ووئام داخلي وخارجي في العراق ومع جيرانه, وانها مسألة هينة ستعود بعدها المياه الى مجاريها كما في مراحل سابقة, وان اصلاح الوضع في العراق لا يستدعي اكثر من ذهاب صدام حسين وسياساته, وذاك افتراض اقرب مايكون الى حسن النوايا, وربما قريب الى السذاجة السياسية, وبعيد بالتأكيد عن الحقائق الموضوعية التي تحكم العراق اليوم وافرازات هذه الوقائع في المستقبل. فبعد سنوات طوال من الاضطراب السياسي في العراق, وبعد حكم البعث العراقي في الثلاثين سنة الاخيرة وما احدثه في البيئة السياسية العراقية من دمار, تغير الوضع في العراق وتغيرت معطياته السياسية الى درجة يصعب ان يقال ان وضعا طبيعيا سوف يخلف مرحلة صدام حسين, فالوضع ليس كما كان بعد عبدالكريم قاسم مثلا, الذي حكم لفترة قصيرة ولم يعبث بالنسيج العراقي كما عبث به حكم البعث اللاحق, ولم يدخل العراق في مآزق اقليمية ودولية كما فعل به الحكم الحالي. من الثابت ان المأزق الذي سوف يواجه الحكم العراقي بعد صدام ستفرع الى توجهات عدة, منها القضية الكردية, ومنها القضية الطائفية, ومنها العلاقة مع الجيران, ومنها الوضع الاقتصادي الداخلي الصعب, كل ذلك له افرازاته الكبيرة. المشكلة الكردية ليست جديدة في العراق, ولكنها تصاعدت منذ الحكم الجمهوري في اواخر الخمسينات الى ان وصلت ابان السنوات الاخيرة, الى مالم تصل اليه من تأزم وتعقيد في وقت سابق, وبلغت الذروة في عهد صدام حسين الاخير الذي وجد الاكراد العراقيين انفسهم يعيشون ويتحركون في اطار محمية دولية حديثة لها شكل شبه مستقل بعد تهديد بابادة, وبعد تجربة باستقبال غازات سامة في حلبجة. وبعد ان كانت المسألة الكردية مسألة اقليمية اصبحت مسألة دولية تتدخل فيها الدول العظمى والاقليمية على حد سواء, وان كان الحديث عن ( دولة كردية ) سابق لاوانه وغير مقبول لدى دول مجاورة للعراق توجد بها اعداد تكبر او تصغر من الاكراد, ودول كبرى لها مصالح حيوية في المنطقة تعارض الفكرة, فان الجدل الاعلامي وشبه العسكري بين الجارتين ايران وتركيا البالغ الشدة يعطينا فكرة عن امتداد هذه المسألة ومسؤولية نظام بغداد عن وصول الوضع الكردي الى ما وصل اليه من حدة وعنف. الا ان الملفت الى المسألة الكردية ماكان لها ان تؤزم العلاقات في المنطقة وفي الدول التي يتواجد الاكراد فيها لولا الفشل الذريع في سياسة الحكم العراقي تجاه هذه المسألة الوطنية الحساسة, فمسؤولية النظام العراقي تجاه تأزيم العلاقة بين طوائف الشعب العراقي عربا واكراد, سنة وشيعة, مسلمين ومسيحيين, على حد سواء في سبيل الحكم والسلطة, تحت شعارات خالية من المعنى مفرغة من النتائج الايجابية. واذكر في السبعينات ان مؤتمرا عن التعليم عقد في بغداد حضرته وكان الحديث عن الديمقراطية, وقد اشرت فيه الى ان بعض الاحزاب العربية تدعو نفسها بانها عربية, ولكن تحكم اعراقا اخرى غير عربية ولا تشاركها في السلطة, في اشارة الى الاكراد في العراق, بعدها حدثني على انفراد محمد محجوب بشكل خاص ــ الذي كان وزيرا للتعليم ثم اعدم سنة 79 فيمن اعدم ( بسبب مؤامرة للوحدة مع سوريا!) مشيرا الى صواب ما رأيت علنا, واذكر اني قضيت اليومين الباقيين من المؤتمر دون ان يحدثني احد ( ولعله طيش الشباب وقتها الذي جعلني اقول ماقلت). تأزيم المسألة الكردية في العراق هي جزء من تأزيم قومي وطائفي سعى اليه الحكم العراقي بدأب مشهود, فالانقسام القومي والطائفي الذي يشهده العراق اليوم لم يشهده هذا البلد في اي من سنوات تاريخه الحديث, وهو اشد مايكون عليه من انقسام داخلي وخارجي, وهو اشبه بحالة مرضية مستعصية, ومن الملفت ان هذا الانقسام لايقتصر على الداخل بسبب الضغط المخابراتي الكبير, ولكنه ايضا ينتقل الى الخارج والى صفوف المعارضة, ويستطيع اي باحث عراقي منصف ان يقول لك ان الاحزاب العراقية في معظمها اما كردية تقتصر على الاكراد, او اسلامية تقتصر في عضويتها على ابناء الشيعة, يقابلها احزاب وتكتلات سنية في تركيبتها, وانا اتحدث هنا عن الغالبية ذات المنحى القومي او الطائفي, وليس عن الاقلية من التجمعات التي يمكن استثناؤها, والتي لا تعتمد القومية او الطائفية في تركيبتها, وهي على كل حال تنظيمات صغيرة ومحدودة التأثير, ولكن الملفت انه حتى الحزب الشيوعي العراقي انقسم الى حزب عربي وآخر كردي. في المناخ السياسي المعارض الذي يطغى فيه التيار القومي الكردي أو الشيعي الاسلامي, نجد ان الفئات السنية متخوفة, فعلى الرغم من معارضتها للوضع القائم, اعتراضا على الدكتاتورية القائمة وممارساتها, فإنها في الغالب تتخوف دكتاتورية من نوع آخر عرقية أو فئوية قادمة. لهذه الأسباب ــ من ضمن امور أخرى ــ نجد التعثر الشديد في لم شتات المعارضة الخارجية, وذهاب الجهود الدولية عبثا, والخلافات الحادة اللفظية بين الفئات المختلفة, اكمالا لمسيرة التشتت وتأكيدا لها. في الداخل لا يألو النظام عن تأجيج مثل هذه المخاوف الفئوية, والاستعانة بقوى تقليدية لتثبيت نظامه, فبعد تثقيف كثيف في السبعينات ضد الشعائرية والقبلية عاد النظام من جديد وبقوة لتجنيد ابناء عشيرته الاقربين والعشائر المتحالفة في قوى الأمن الخاص والاجهزة الأمنية المختلفة, والانفاق عليهم بسخاء, كما قام بتسليح العشائر بأسلحة خفيفة ومتوسطة, واستغل الضغينة العشائرية التقليدية للتفريق بينها وتأكيد الانقسام في آن. وهي خطوات نابعة من دوافع سياسية اتبعها صدام حسين ولم تكن متبعة حتى في الحكم الملكي أو القاسمي السابق, الذي كان كثيرا ما يختار لنخبه الحاكمة مؤيدين لا ولاء لهم لجهات اخرى. على الصعيد الداخلي ايضا اجتمع في العقود الاخيرة وضعا اقتصاديا صعبا للغاية, من جهة سحق المثقفين والطبقة المستنيرة واستنلال بعض فئاتهم القادمين من جذور ريفية, مما قلل بشكل كبير أية امكانية لقيام بذور مجتمع مدني في العراق في الفترة التاريخية القريبة, وقد عمل حزب البعث العراقي في الفترة السابقة على استنزاف الطبقة المثقفة العراقية وتحديد نشاطها, وما بقي منها إما ان يكون ملتزما بتعاليم الحزب (العشيرة) أو ان يعيش في المنفى الداخلي أو الخارجي. الوضع الاقتصادي الذي يشهده العراق هو الأكثر مأساوية وحزنا, فقد تغير المجتمع العراقي تراتبيا وطافت فئات اجتماعية على سطحه لم تعرف التاريخ النضالي للطبقة الوسطى, ولم يعد المجتمع الذي كان يعرفه الخارج حتى السبعينات من هذا القرن هو المجتمع القائم اليوم. أما الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعاني منه العراقيون, والفئات المدنية والدنيا منهم, فسوف يفرز ولاشك مجموعة من الظواهر السياسية والاجتماعية غير المسبوقة, إن لم تكن قد أفرزت بالفعل, تحمل حقدا عارما على العالم الخارجي تغذيه ماكينة الإعلام العراقي الداخلية المستفيدة, وايضا متعاطفون ايديولوجيون في الخارج تحت شعارات مختلفة منها القومي والمضاد لــ (الامبريالية) , وليس من قبيل الصدفة ان تقترب الذكرى التاسعة لجريمة النظام العراقي ضد الكويت وهو (يستضيف) مجموعة من القوى الحزبية العربية فيما سماه (مؤتمر الشعب العربي) لتمجيد أعمال صدام حسين (القومية والنضالية)! عراق ما بعد صدام سوف يعتمد مساراته الداخلية والخارجية على طريقة التغيير الذي سوف يتم, وهو لا يخرج عن عدد من الاحتمالات, من بينها ثورة شعبية أو انقلاب في القصر, أو تحرك لقطاعات عسكرية, من بين احتمالات اخرى محدودة, إلا ان القول ان عراق ما بعد صدام سيكون الأمثل والأكثر سلاما ربما قول فيه الكثير من التفاؤل, بعد التخريب الذي تم في العراق, في النسيج الاجتماعي والبناء السياسي والايديولوجي في السنوات الأخيرة, والذي وصفنا بعضه. لذلك نجد ان النخبة المعارضة, ومعظمها في الخارج, مازال الكثير منها أسيرا للاطروحات القديمة ولم يحسم أمره في قضايا مهمة مثل شكل الحكم المراد بعد مرحلة صدام حسين, والأخطر كيف يمكن التوصل الى تلك الصيغة (الديمقراطية) دون حوار ديمقراطي وقبول بالآخر العراقي المختلف, كما ان بعض أطرافها لم يحسم أمره بعد تصور شكل العلاقة مع الجيران في الخليج الذي تسبب النظام السابق الى اشعال حربين ضروسين فيه. امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب