لم يقيض للمغفور له محمد الخامس ان ينجز الوعد الذي قطعه بتمتيع البلاد بدستور يضع اسس نظام عصري قبل نهاية عام ,1962 ذلك ان الموت داهمه قبل هذا التاريخ, فكان ان بر خلفه, المغفور له الحسن الثاني بهذا الوعد, وقدم إلى الشعب المغربي مشروع اول دستور عصري للبلاد, تبناه الشعب المغربي في 12 ديسمبر 1962. وتشاء الاقدار ان تتكرر ثانية, تمحور اخر خطاب للملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة عيد الشباب يوم 9 يوليو 1999 حول قضايا التشغيل والتعليم التي اضحت في السنوات الاخيرة, شغله الشاغل, وكان آخر خطاب له يحمل نكهة الامل, بفتح ورش كبيرة يرتبط فيها التشغيل بالتعليم, ووعد ان يقدم تصورا مكتملا في الخطاب الذي دأب ان يلقيه بمناسبة ثورة الملك والشعب في 20 اغسطس الذي يخلد ذكرى نفي الملك محمد الخامس من قبل الفرنسيين سنة ,1953 وكانت اشارته إلى الشباب المغربي, في الحديث الذي خص به الاسبوعية الفرنسية (نوفيل أوبسرفاتور) من حيث كونه خزانا يتضمن مفاجآت من شأنها رفع كل التحديات, وكأن الاقدار ارادت ان يبر الملك محمد بن الحسن بوعد والده الملك الحسن الثاني, مثلما بر الملك الحسن الثاني بوعد والده محمد الخامس. واستمرارية الدولة هو ما يميز الملكية, فالملك محمد بن الحسن سوف يسير على سنن الملك الراحل من حيث توجهات الدولة المغربية, داخليا وخارجيا, فعلى الصعيد الداخلي سيحرص الملك على صيانة الوحدة الترابية, والسير قدما بالمسلسل الديمقراطي, وتحديث الدولة, وقضايا التنمية, وخارجيا, بترسيخ البناء المغربي, الذي هو من القضايا التي انكب عليها وهو ولي للعهد, بتحضيره رسالة حول الاتحاد بين المغرب وليبيا, أو رسالة الدكتوراه التي عالج فيها العلاقة بين الاتحاد المغاربي والمجموعة الاوروبية, وعربيا, بمتابعة دور المغرب في مناصرة الشعب الفلسطيني والحقوق العربية ودعم مسلسل السلام, وعالميا بمواصلة العلاقات الممتازة مع الاقطاب التاريخيين الذين ارتبط بهم المغرب: فرنسا والولايات المتحدة واسبانيا. ويحظى الملك محمد بن الحسن بتجربة كبيرة على الصعيد الدبلوماسي, من خلال متابعته وهو ولي للعهد للملفات الكبرى الدبلوماسية, وكذا من خلال معرفته الشخصية لكثير من قادة العالم. ان التحديات الجديدة التي تطل على المغرب تستلزم تعاطيا جديدا واسلوبا جديدا, فطبيعة التحديات المرتبطة اساسا بالتحديث, والتنمية والاقلاع الاقتصادي, هي غير تلك التي ارتبطت ببناء الدولة, وترسيخ كيانها في فجر الاستقلال, وطبيعة الملكية في المغرب انها متجددة, تستمد ديمومتها من نسغ الشعب ومعانقة قضاياه المصيرية, اختار الملك محمد الخامس جانب الحركة الوطنية في الوقت الذي كان خيار الاقامة العامة الفرنسية (سلطات الحماية) مغريا, مما أوغر صدور بعض من القواد التقليديين, وكلف ذلك الملك غاليا, لكنه كان بجانب مسلسل التاريخ فما فتيء التاريخ ان اثابه, وكانت جملة من الخيارات التي اجراها الملك الراحل الحسن الثاني صعبة في ابانها, عرضته إلى كثير من الانتقادات داخليا وخارجيا, سواء على مستوى السياسة الداخلية بتبني نظام التعددية الحزبية في الوقت الذي تبنت الدول المنعتقة من الاستعمار نظام الحزب الوحيد, أو بعدم سلك سبيل الصناعة المصنعة التي كانت موضة العصر آنذاك, واختار عوضها سياسة السدود, وعلى المستوى الدبلوماسي نأى الملك الراحل عن الخيارات الايديولوجية في تحديد التوجهات الدبلوماسية وسلك سبيلا معتدلا, وكان احسن تجلي لهذا النهج تعاطي المغرب لملف الشرق الاوسط, حيث كان دوما إلى جانب الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني, في الوقت الذي كان فيه سباقا إلى ارساء سبل السلام, وكان هذا الخيار صعبا, ولم يكن من السهل على الكثيرين ان يقبلوا لقاء العاهل الراحل الملك الحسن الثاني بشمعون بيريز في صيف 1986. والتحم الملك والشعب في مطلب ظل المغرب بمختلف مكوناته يناضل من اجله منذ فجر الاستقلال الا وهو الوحدة الترابية, وحينما اخذت رياح الديمقراطية تهب مع بداية التسعينات عبر العالم, والمطالب تلح على المستوى الوطني كان الملك الراحل حريصا على الا يبتسر هذا المسلسل, حتى لا يتحول إلى رياح عاصفة, وكانت نظرته ان الديمقراطية ان كانت ضرورة في تدبير الامور فهي تستلزم تربية وثقافة ديمقراطية, وهو ما لم يرق للبعض في لقاء لابول في يونيو ,1990 وكان التاريخ بجانب نظرة الملك الراحل, سر بعد نظر الملك الراحل انه كان مرتبطا بشعبه, يعرف قضاياه, دونما تعويل على قنوات الدولة وحدها, فضلا عن ثقافة واسعة تمنحه فضاء واسعا للتأمل والتملي, كان يفاجىء المراقبين بمعرفته الدقيقة لظروف عيش المغاربة. واليوم يقف المغرب في لحظة حرجة, يعتصره الالم لغياب قائد فذ لم تعرف غالبية المغاربة قائدا غيره, تماهى مع المغرب, وتماهى المغرب معه, ويحركه امل في مواصلة التجديد في القضايا الملحة من تشغيل وتعليم وترسيخ المسلسل الديمقراطي, يحركه امل في الملك محمد بن الحسن, الذي مازج بين معرفة عميقة لقضايا الشعب, درس مع ابنائه, واطلع يافعا على شؤونه, ودرس شابا في الرباط على ارائك كلية الحقوق, من دون ان يحظى بمعاملة خاصة, وتلقى تكوينا متينا للغة العربية وآدابها, وفي ذات الوقت كان متفتحا على الحضارة الغربية, متمكنا من لغات عدة, ذا تجربة دولية تقنية واسعة, انكب الملك محمد بن الحسن على قضايا الشعب ومظاهر الاقصاء وجعلها شغله الشاغل. هذا التكوين الثقافي والعملي هو النسغ الذي يمنح للملك الشاب المعين من اجل مواجهة قضايا اليوم الملحة, كانت جريدة (الاحداث المغربية) تعبر عما يختلج في صدور المغاربة في افتتاحية لها, في يوم الوداع مع الملك الراحل حينما كتبت: العزاء ان الحسن الثاني رحمه الله بصفتيه الهامتين: صفة الملك الدستوري وصفة امير المؤمنين لم يترك وراءه فراغا سياسيا وفتنة دينية بل ترك مغربا مستقرا, وخلفا مؤهلا للحكم هو الملك محمد بن الحسن, المشبع بالقيم الانسانية النبيلة, والمثقف المستنير بالفكر الديمقراطي ذو الاحساس القوي بتطلعات الشعب المغربي وتوقه الشديد الى ترسيخ دعائم دولة عصرية بادارة نظيفة وقضاء نزيه مستقل, وفضاء مدني حر مبني على اسس التضامن في اطار ملكية دستورية متجددة تضمن المساواة والعدل حيث لا قوة ولا جاه ولا نفوذ لاحد فوق القانون, ان مغربا بتلك المواصفات لا خوف عليه. ان مغربا هكذا ممكن الانجاز بل واجب الانجاز بتضافر قوى الجميع وراء ملك البلاد, الملك الذي يرى فيه الشعب تجسيدا لطموحه. رئيس مركز طارق بن زياد للدراسات والابحاث