شاركت مؤخراً في مناظرة حية على احدى القنوات الفضائية العربية وفي الحقيقة ان الامر لم يكن مناظرة بالمعنى الحقيقي للكلمة بقدر ما كان تمريناً في الاحباط لي ولمناظري , ولم تكمن الصعوبة في اختلافنا وانما في حقيقة اننا قضينا الجزء الاكبر من نقاشنا الذي امتد ساعة كاملة نتحدث كل في واد. كان مناظري في المناظرة محرراً لاحدى الصحف العربية, وكان موضوع نقاشنا السياسة الامريكية اتجاه العراق وليبيا ولقد كان فصيحاً وقوياً في جعل قضيته قضية يشاركه فيها بلا شك الكثيرون في العالم العربي فذهب في مناظرته, على سبيل المثال, الى القول بأن الولايات المتحدة ابقت على سياسة الازدواجية في تعاملها مع العالم العربي وفي تطبيقها لقرارات مجلس الامن والقانون الدوليين وزعم في حديثه ان الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم المصممة على فرض ارادتها السياسية, لاعلى العالم العربي الضعيف فحسب وانما على اوروبا وآسيا وافريقيا كذلك. وقال ايضاً انه في كثير من الامثلة غضت الولايات المتحدة بصرها عن انتهاكات طالت حقوق الانسان والقانون الدولي, عندما كانت هذه الجرائم تقترف بأيدي حلفائها او عندما كانت تحدث في مناطق من العالم غير حيوية للمصالح الامريكية. وذهب ايضاً الى القول بأن الولايات المتحدة تصب جام غضبها على الدول العربية وخاصة تلك التي لا تخضع للاملاءات الامريكية وخلص مناظري في المناظرة الى القول بأن تصميم الولايات المتحدة على الاستمرار بفرض العقوبات الاقتصادية على العراق الى ما لا نهاية والدفع باتجاه الاطاحة بالنظام العراقي, والالتزام بمواصلة فرض العقوبات على ليبيا رغم قرار الحكومة الليبية تسليم المتهمين بقضية لوكيربي للمحاكمة, كفيل بتقويض سلطة وشرعية الامم المتحدة وتحويلها الى اداة بلا حول ولا قوة تستخدمها الولايات المتحدة لتنفيذ اهدافها. فهم الواقع أولاً كان هذا باعتقادي جوهر حجته التي آمل ان اكون قد نقلتها بشكل سليم, وفي ردي على مداخلته, لم استطع ان اقدم المبررات الجوفاء للسياسة الامريكية التي تستخدم مراراً وتكراراً لتبرير الممارسات الامريكية وفي بعض الجوانب او الامثلة التي ساقها لن احاول دحض او تفنيد ملاحظاته عن السياسة الامريكية لانها مشروعة لكونها مجرد ملاحظات. لقد كان بامكاني, لو رغبت, ان اورد بعضا من الانتقادات نفسها التي ذكرها بخصوص السياسة الامريكية فعلى سبيل المثال, هناك ازدواجية ولا جدال في ذلك, لكنني اعتقد ان التركيز الى ما لا نهاية على الانتقاد لن يحقق الكثير فالمسألة (في اقتباس غير مباشر عن احد الفلاسفة الألمان) ليست في مراقبة وانتقاد الواقع, وانما هي في فهم الواقع ومن ثم العمل على تغييره. وبالتالي يمكن القول ان ما سعيت الى فعله في ردي على مداخلته هو تفسير (السبب) وراء السياسة الامريكية الحالية تجاه العراق. ففي حالة العراق على وجه الخصوص من الضروري بمكان فهم الى اي مدى اصبحت هذه المسألة تخص السياسة المحلية الامريكية وفي مرحلة معينة, وصفت الزعيم العراقي بـ (ويلي هورتون) السياسة الخارجية الامريكية وهورتون هذا كان قد ادين بجريمة قتل واطلق سراحه من السجن في الثمانينات من قبل حاكم ماساشوسيتس في حينه مايكل دوكاكيس, وبعد فترة قصيرة من اطلاق سراحه عاد هورتون الى القتل ثانية. لقد استخدم المرشح الجمهوري جورج بوش خلال الحملة الدعائية للانتخابات الرئاسية عام 1988 قضية ويلي هورتون في مناظراته التلفزيونية ضد خصمه الديمقراطي دوكاكيس وكانت الرسالة التي اراد نقلها بوش تتمثل في ان دوكاكيس زعيم ضعيف ومتساهل في محاربة الجريمة فقد اطلق سراح هورتون مرة ولن يتورع في فعلها ثانية, فهل تثقون به في تولي منصب الرئاسة؟ وبالفعل كان تأثير هذه الدعاية الانتخابية مدمراً بالنسبة لحملة دوكاكيس. بعد وقت قصير من انتخابه في العام 1992, ألمح الرئىس بيل كلينتون إلى أنه قد يعيد التفكير بالسياسة الامريكية تجاه نظام صدام حسين. كان رد الفعل على هذه البادرة سريعا وقويا جدا. فالسماح للرئيس العراقي بالخروج من الحصار كان يعد مجازفة سياسية تماما مثل اطلاق سراح ويلي هورتون. وقد تعلّم كلينتون الدرس ولم يكرر خطأه. لقد تشكل تحالف قوى من القوى السياسية المحلية ضد الحكومة العراقية, ويقود هذا التحالف الآن أغلبية جمهورية في الكونجرس استخدمت من حين لآخر السياسة العراقية كإسفين تضرب به حزب الرئيس. وقد طالبت هذه الأغلبية بتبني سياسات أشد قسوة ضد العراق. وبغياب معارضة حقيقية كهذه الأغلبية, فقد ذهبت بعيداً إلى حد تمرير قانون تحرير العراق الذي يتطلب من الولايات المتحدة دعم الجهود الرامية للاطاحة بالنظام العراقي. وسواء راق لك ذلك أم لا, فإن هذا هو محور النقاش السياسي في الولايات المتحدة اليوم. ان النظام العراقي, بماضيه وحاضره الدموي والوحشي, لم يقدّم دفاعاً مضادا مصنعا. فهو لا يملك من يدافع عنه كما أن سلوكه لم يترك مجالاً لأحد كي يدافع عنه. أما ما يقلق الامريكان ويثير جدلهم فهو مصير الملايين من الابرياء في الشعب العراقي الذين هم رهائن في الواقع لنظامهم وسياساته.. ومع الأخذ بعين الاعتبار القيود المفروضة على ما تشعر به الادارة الامريكية أنه ممكن, فقد طالبت الاغلبية في الكونجرس بزيادة برنامج النفط مقابل الغذاء مع الحرص على ضمان عدم ظهور النظام العراقي كمستفيد من البرنامج. ومع استمرار ارتفاع اعداد الضحايا البشرية من العقوبات, تصاعدت الجهود التشريعية من قبل مجموعة صغيرة, ولكنها شجاعة من اعضاء الكونجرس, حيث ويعمل هؤلاء الاعضاء على تقديم مشروع قرار لانهاء العقوبات. لكنها تعتبر خطوة محفوفة بالمخاطر سياسيا نظرا لانهم جميعا يدركون تماما كيف يمكن أن يسعى خصومهم السياسيون لاستغلال ذرائع (هورتون) ضدهم. هنا يتحمور النقاش في الولايات المتحدة في هذه المرحلة. يستطيع المرء, اذا ما اراد, ان يجادل بأن الأمر ينقصه الانصاف والعدل, لكن هذا لن يغيّر من الأمر شيئا. معايير السياسة الامريكية ان السياسية في الولايات المتحدة محكومة بالمناورات السياسية, والتي هي بدورها محكومة بعدة عوامل ينبغي على السياسيين اخذها بعين الاعتبار لدى وضعهم للسياسة الامريكية واهم هذه العوامل هو كيف تعي الاغلبية قضية معينة. وللاسف فان السياسة لا تعتمد على كون القضية شرعية او عادلة. فالاهتمام الاكبر يعطي الى كيفية فهم القضية, وهل سيدعم الناخبون اتخاذ اجراء معين أم انهم سيعاقبون السياسي الذي اتخذ ذلك الاجراء. ان غزو صدام واحتلاله للكويت ورفضه الانسحاب منها وسلوكه المستهجن (حرق حقول النفط) عندما اضطر للانسحاب, وكل ذلك مجتمعا كوّن صدام سمعته في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين, استمر النظام العراقي في جهوده لتغيير السياسة من خلال الوعي العام. وفي كل مرة, كان يتصرف النظام العراقي بطريقة تعزز من موقف وحجة أعدائه من خلال تقوية الاحساس العام بطبيعته غير القابلة للاصلاح. وحتى أولئك الاشخاص من واضعي السياسة الامريكية الذين يشعرون بعدم الارتياح لوجودهم في وضع يسمح لهم بتنفيذ قانون تحرير العراق يستعجلون رؤية مخرج من المأزق الذي أوجدته الظروف الحقيقية التي تحدد الجدل القائم حاليا في أمريكا. وهذا المأزق يتمثل في الضغوط السياسية المحلية القوية التي تحرك الجدل السياسي الامريكي والسلوك العدائي المتواصل للنظام العرقي الذي يخدم فقط في دفع هذا الجدل الى الأمام. هذا هو الوضع, على علاته, الذي سعيت الى توضيحه خلال المناظرة التلفزيونية, ولم استطع ان أجادل, كما سعى مناظري في ابراز مزايا هذا القرار أو ذاك من قرارات مجلس الأمن الدولي بناء على موقف معين أو غيابه من النظام الأساسي للقانون الدولي. ان حلبتي السياسية تنحصر في الولايات المتحدة, فهي المحيط الذي أعمل فيه والسياسة التي تصاغ هنا هي التي أسعى الى تغييرها. واذا كان صحيحا, كما يزعم مناظري في المناظرة, ان الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في التي تفرض ارادتها على العالم, فإن من المهم بالنسبة لي ان أفهم عالمي السياسي وقواه المحركة من أجل المساعدة بعملية تغييره. ان انتقاد الواقع لا يغير فيه شيئا, بينما العمل هو الذي يؤدي الى تغييره حقا. نشارك أنا ومناظري في عوالم مختلفة تماما ونواجه تحديات مختلفة كل الاختلاف, ولهذا السبب كنا نتحدث في المناظرة وكل منا في واد بعيد عن الآخر. رئيس المعهد العربي الامريكي