جلس الوزير يتأمل شؤون البلاد وينظر يميناً ويساراً وتساءل ما هو النجاح الذي حققته لهذا الوطن, وما هي الأخطاء التي ارتكبتها, وأين مواقع القوة والضعف التي أتحلى بها , وهل أبناء المجتمع راضون عن تصرفاتي, أم أنهم فقط موافقون على ما أقوم به؟.. أسئلة كثيرة تقفز بين جدران الرأس في كل الاتجاهات وتبحث عن إجابات صادقة انطلاقا من أن الشخص لا يستطيع خداع الذات. وزير الاقتصاد التركي حكمت أولوجباي جلس في غرفة عمله في شقته بأنقرة بعد منتصف ليلة الأربعاء الموافق للسابع من يوليو الماضي, وطرح على نفسه كل هذه الاسئلة انطلاقا من الشعور بتحمل المسؤولية, لكنه توصل في هذه الليلة الى قناعة بأنه يجب عليه أن يفتح الدرج ويسحب مسدسه الخاص ويضع فوهته في فمه ويطلق النار. وقد فعل ذلك بالفعل, فكانت النتيجة أنه وبعد الطلقة الأولى قطع لسانه (والحمد لله أنها لم تصب الدماغ), أما الطلقة الثانية وبسبب نجله براق, فقد تحولت باتجاه السقف, حيث اقتحم الابن براق الغرفة وأمسك بيد والده الذي خرّ على الأرض واتصل بالاسعاف ثم نقل الوزير الى مستشفى الجامعة وأجريت له عملية مستعجلة استمرت ثلاث ساعات. وعلى الرغم من غموض أسباب محاولة الانتحار, إلا أن الأوضاع الاقتصادية التركية لا تدع مجالا للشعور بالتفاؤل, كما ان الفضيحة الأخيرة التي شهدتها بورصة اسطنبول ومانجم عنها من فقدان ثقة المستثمرين بها, كانت بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر الوزير, ناهيك عن أن الاقتصاد الوطني التركي الذي حقق في العام الماضي نموا ملموسا وصل الى حد 3.8%, اضطر الى التراجع في الربع الأول من عام 1999, كما أنه وعندما تمّ جرد وحساب الضرائب في ربيع هذا العام, اتضح للمسؤولين في هذا القطاع ان مجموع هذه الضرائب لايكفي حتى لتسديد فوائد الديون المترتبة على تركيا. ولهذا فإن أنقرة تعول كثيرا في الوقت الراهن على حصولها على قروض جديدة من صندوق النقد الدولي. غير ان هذه المؤسسة المالية أوفدت ممثلين عنها في شهر يونيو الماضي الى أنقرة للتفاوض هناك مع أولوجباي وزير الاقتصاد التركي حول مسألة قروض جديدة لتركيا. لكن هؤلاء الأشخاص الماليين أبلغوا الجانب التركي بأن النمو الاقتصادي في تركيا ليس كما قالوا بأنه يصل الى 2.3% في هذا العام, بل إنه لا يتجاوز الــ 0.5%, أنه يتحتم على الأتراك تصحيح هذا الرقم. وبعد هذه الملاحظة غادر وفد صندوق النقد الدولي أنقرة وعاد من حيث أتى دون أية وعود بحصول تركيا على مساعدات جديدة. والأسوأ من ذلك أنه وقبل انتهاء مفاوضات هذا الوفد مع وزير الاقتصاد التركي, تسربت وثيقة لأوساط البورصة التركية حول فشل تلك المفاوضات تضمنت عزم أنقرة على خفض سعر الليرة التركية وعدم مقدرتها على تسديد الديون الخارجية. الأمر الذي أدى الى انهيار بورصة اسطنبول, ومما زاد الطين بلا أنه وبعد محاولة انتحار الوزير انخفض سعر صرف العملة التركية انخفاضا كبيرا أيضا.