قصفت الطائرات التركية الاسبوع الماضي منطقة ايرانية حدودية حسب قول طهران, مما اسفر عن مصرع وجرح عدد من الجنود الايرانيين . لكن تركيا قررت ان ترد على الاتهام الايراني, فقالت ان المنطقة المقصوفة هي اراض عراقية وليست ايرانية, وان طهران احتلتها خلال حرب الخليج. واضافت ان وجود جنود ايرانيين في هذه المنطقة لايعنيها, فهي تتعامل وفق الخرائط الدولية للحدود بين البلدان الثلاثة. ولا ريب ان الاعلان التركي على هذا النحو خطير ان صح, وهو قد يكون مجرد محاولة للتملص من المأزق الحالي الذي دخلته انقرة لكنه قد لايكون كذلك ايضا. يبقى اذن ان الطرف الآخر المعنى والذي يمكن ان يجلي حديثه الغموض الحالي, هو العراق. لكن بغداد لم تعلق بعد على التصريحات التركية, ما يعطي الانطباع في احد امرين, اما ان هذه التصريحات غير صحيحة, واما ان الحكومة العراقية لاتريد ان تدخل طرفا في صراع الجارين الكبيرين, فلديها ما يكفيها من المتاعب والمشكلات. ايا يكن الامر فإن هذا الصراع الذي يدور على خلفية حرب انقرة ضد عناصر حزب العمال الكردستاني, وكما اوضحنا في وقت سابق مرشح للتصاعد بين تركيا وايران وقد يتحول الى حرب حقيقية. وفي هذه الحالة الاخيرة يبدو الامر اكبر بكثير من كونه مشكلة حول بعض الاكراد, وهو ربما يخفي نزاعا بين البلدين على تحديد مستقبل المنطقة الكردية برمتها. ليس خافيا ان التطورات الاخيرة الجارية في هذه المنطقة بدأت تتسارع, فهناك رغبة امريكية في تحويل شمال العراق من جديد الى قاعدة لنشاطات المعارضة ضد بغداد. وهناك انباء عن استعداد امريكي هذه المرة لارسال قوات لارساء هذا الواقع وتكريسه. اما اكراد العراق فقد باتوا يعتبرون ان وضع الحكم الذاتي الذي منحتهم اياه بغداد منذ اوائل السبعينات قد تجاوزه الزمن, على حد تعبير زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مؤخرا, وان المطروح حاليا ربما كانت فيدرالية او كونفيدرالية بين هذه المنطقة وباقي العراق. هذا يعني اذن ان ثمة تطورات قادمة بالنسبة للعراق وكذلك للاكراد. اين انقرة وطهران من هذه التطورات؟ هذا هو السؤال المطروح اليوم, فالاولى لها اليد الطولى فعليا في المثلث الحدودي التركي العراقي الايراني, من خلال تواجد قواتها العسكرية في هذه المنطقة. بينما ايران تراقب بحذر منذ بعض الوقت ما يجري, وهي تتخوف من اية انعكاسات سلبية نتيجة هذه التطورات على مناطقها الكردية, وهي مناطق شاسعة يسكن فيها حسب التقديرات من 6 الى 8 ملايين كردي. وليس مستبعدا ان يتكرر لديها نفس السيناريو الحالي المتبع ضد العراق في المنطقة الشمالية. حتى وقت قريب كان الرأي السائد بان ثمة تعارضا جذريا بين المصالح التركية والامريكية فيما يخص الملف الكردي. وحسب هذا الرأي فإن انقرة لايمكن ان تقبل بوجود دولة اوكيان كردي مستقل في شمالي العراق برعاية امريكية, خوفا من ان يشجع ذلك اكراد تركيا على المطالبة بالمثل. لكن هذا الرأي لم يعد بنفس القوة والارجحية اليوم. فأولا هناك تحالف عسكري قوي بين تركيا وميليشيات البارزاني, وقد اثبت هذا الاخير انه مدافع شرس عن المصالح التركية يعتمد عليه في مواجهة حزب العمال الكردستاني. واعتقد ان هذه الاستماتة من جانب البارزاني مصدرها الرغبة في اقناع الاتراك وطمأنتهم بأن وجود كيان مستقل للاكراد في العراق تحت زعامته, لن يلحق اي ضرر بتركيا او بمصالحها. على العكس فهو ربما كان صمام امان لها في وجه تطلعات الاكراد الاتراك. من الجهة الاخرى تمكنت السلطات التركية مؤخرا من توجيه ضربات قوية لحزب العمال, وهي تطارد ما تبقى من فلوله اليوم بضراوة في المنطقة, يساعدها في ذلك حزب البارزاني. بمعنى آخر فإن الاعتراض التركي التقليدي على قيام واشنطن باقامة ترتيبات سياسية وعسكرية في شمالي العراق, لم يعد قويا كما في الماضي. وربما تغاضت عن وجود كيان يقوده الاكراد في هذه المنطقة بضمانات امريكية. ان السياسة التركية تتجه كما يبدو نحو المزيد من التدخل في الشأن الكردي, بغية ضبط الوضع في المنطقة, وهناك مباركة من جانب واشنطن لمساعي انقرة, في مقابل موافقة هذه الاخيرة على السياسات الامريكية تجاه العراق وفي وقت ما, ربما كان احد الحلول الممكنة للانفلات الامني في المنطقة, هو العودة الى الاتفاقيات العراقية التركية بهذا الخصوص, وصولا الى اعادة الوضع الى ما كان عليه قبل العام 1990. بيد ان ذلك يبدو مستبعدا اليوم كليا في ضوء الرغبة الامريكية العارمة, بتغيير النظام العراقي, وشعور تركيا بتحسن وضعها الامني وقدرتها على السيطرة على حدودها الشرقية, دون الحاجة الى طلب مساعدة الآخرين. منا يبدو اذن فإن المنطقة حبلى بتطورات, قد يصعب حصر ابعادها حاليا, غير ان الصراع حولها سيكون مريرا ايضا, كما كان طوال التاريخ. والمؤكد ان السلطات الايرانية وكذلك العراقية, على رغم تفاوت اوضاع كل منهما, لن تقفا مكتوفتي الايدي ازاء هذه التطورات. وليست المناوشات الاخيرة بين الجيشين التركي والايراني على الحدود سوى مؤشر مبكر على ذلك. كاتب بحريني