دوت على مدى العقود الثمانية الماضية انفجارات واندلعت حرائق قوضت أحزابا وشقت أخرى فيما تشظت ثالثة إذ يندر أن ينأى حزب سياسي بنفسه عن الانشقاقات. تستوي في ذلك أحزاب اليسار واليمين والوسط دون استثناء . إذا ما اكتفينا بمصر وسيلة إيضاح باعتبارها أول من عرف الحياة الحزبية من بين الأقطار العربية فسنلاحظ أن حزب (الوفد) قد تعرض لأربعة انشقاقات كبرى في مدى عقدين في حياته (1922 ــ 1942) حيث خرج من قيادة الحزب من شكل (حزب الأحرار الدستوريين) سنة 1922 ثم خرج (الستة ونصف) سنة ..1932 قبل أن يغادر (الوفد) اثنان من جناحه اليساري اللذان لم يلبثا أن شكلا حزبا موازيا هو (السعديين) نسبة إلى سعد باشا زغلول مؤسس (الوفد) وبعدهما بخمس سنوات خرج السكرتير القوي للوفد مكرم عبيد ليؤسس الكتلة الوفدية. أما الاخوان المسلمون (فتعرضوا لانشقاقات عدة أولها (شباب محمد) فضلا عن الانسلاخات المتوالية والانسحابات والاستقالات لرموز مهمة من الجماعة. كما تفوق الشيوعيون عمن عداهم في مجال الانشقاقات حتى فاقوا الوسط واليمين في هذا المضمار بحيث يتطلب الأمر مقالا مستقلا وربما مقالات عدة. أسباب ظاهرية يعيد البعض ظاهرة انشقاق الأحزاب إلى التمايز الطبقي الذي يستجد داخل الحزب المعني حيث يليه تمايز سياسي قد يصل إلى حد الانشقاق. يعيد بعض آخر ظاهرة الانشقاق هذه إلى تدخل خارجي. لكن بعضا ثالثا لا يستبعد صراع الأجيال داخل الحزب سببا للانشقاق. فيما لا يقلل بعض رابع من تأثير الأطماع الشخصية في الزعامة على وقوع الانشقاق. وبرغم أن هذه الأسباب الأربعة قد تتسبب ــ منفردة أو مجتمعة ــ في انشقاق هذا الحزب أو ذاك إلا أن (فيروس) التدخل الخارجي أعجز من أن يخترق جسما منيعا أما النزاعات الأنانية فلا تطغى إلا في حزب ضعيف مفكك, فيما يحدث أن تتعارض خبرة الشيوخ مع قلة خبرة الشباب فيندلع الصراع مع ذلك فان الأمر أكثر تعقيدا وأعمق جذورا وباستقراء بيانات الانشقاقات في الأحزاب الشيوعية نلاحظ ذريعة الانشقاق مضمنة في جملة واحدة (إنقاذ الحزب من براثن قيادته الانتهازية) ! فيما طالما أعادت أحزاب اليمين والوسط انشقاقاتها إلى خروج القيادة عن الينابيع الفكرية والسياسية! في جذور الصراع تفاجئ الانشقاقات الحزبية الناس بوقوعها, لأن غالبية الناس تعتقد بأن كل حزب كامل التجانس السياسي والفكري والتنظيمي لذا يجيء انشقاقه خارج دائرة التوقع. بينما يعز مثل ذلك التجانس على أي حزب سياسي في العالم, أساسا بسبب التباين الملحوظ في تنشئة أعضائه المبكرة (في طفولتهم وفتوتهم), وفي تفاوت الطبقات والفئات الاجتماعية التي وفد منها هؤلاء الأعضاء وفي اختلاف المنابع الفكرية لأعضاء, كل حزب على حدة. الأمر الذي يعكس نفسه في صراع داخل الحزب المعني بشكل يكاد يوازي الصراع الطبقي في المجتمع الذي ينتمي إلىه ذلك الحزب. وقد تتطور الخلافات الأيديولوجية والسياسية التي تنشب هنا إلى خلافات تنظيمية تفضي إلى انشقاق إذا لم تحسن قيادتها. غني عن القول بأن الحزب هو المؤسسة السياسية لطبقة أو فئة اجتماعية بعينها إلا أن أعضاء ذلك الحزب لا ينحدرون من ذات الطبقة التي يعبر عنها الحزب حتى انهم لا ينحدرون من طبقة أو فئة اجتماعية واحدة بل من طبقات وفئات اجتماعية شتى بعد أن لقنوا أفكارا شتى وأحيانا متعارضة عن بعضهم بعضا. صحيح أنهم ـ بمجرد انتمائهم للحزب السياسي ـ يكونون أعلنوا انسلاخهم عن طبقاتهم الأصلية. وحملوا راية الطبقة التي يعبر الحزب عنها إلا أن هذا الإعلان غير كاف وحده للتخلص من أفكار الطبقات الأولى تماما بل تبقى ثمة شوائب من هذه الأفكار عالقة بأذهان أولئك الأعضاء. ناهيك عن التربية المديدة في البيت والمدرسة وعبر أجهزة الإعلام المختلفة والعمل والشارع. إلى ذلك ثمة طبقة اجتماعية بحر في اتساعها إنها البرجوازية الصغيرة التي تشمل كل من يكدح ويملك في آن معا مثل الكادحين الذهنيين من حرفيين ومهنيين وموظفين وتجار صغار وفلاحين صغار ومتوسطين. وقد انضم أعضاء من هؤلاء البرجوازيين الصغار الى أحزاب سياسية شتى فنقلوا إلىها قلقهم التاريخي الناتج عن وضعهم الوسيط إذ ينظرون إلى الطبقة العاملة ويخشون السقوط إلىها فيما يتطلعون للصعود إلى البرجوازية المتوسطة والكبيرة في شغف. وفي هذا يكمن سر تذبذب المواقف السياسية لأبناء البرجوازية الصغيرة. مرضى الصراع ثمة عناصر بعينها تسهم في تأجيج الصراعات الداخلية لعل في مقدمتها عملاء العدو الذين ينجحون في اختراق الحزب. فضلا عن أعضاء حزبيين يحسون بالظلم لمجرد أن قيادة الحزب حابت غيرهم على حسابهم.كما لا يخلو الأمر من وجود مناكفين مولعين بافتعال الصراعات الداخلية. إلى ذلك ثمة محدودو الثقافة النظرية والخبرة السياسية وغير الملمين بأمور الاستراتيجية والتكتيك. وغني عن القول أن تعرض الوطن لمحنة عامة أو إلحاق هزيمة ما بالحزب المعني من شأن أي منهما صب الزيت على نار الصراع داخل الحزب فضلا عن حثهما العناصر سالفة الذكر لمضاعفة نشاطها التخريبي, ناهيك عن النتائج الكارثيه لغياب العمل اليومي في الحزب إذ أن الفراغ مفسدة. ولا يقف الحزب مكتوف اليدين أمام هذه العوامل وتلك العناصر بل يعمد إلى مواصلة نضاله وتعميم خبراته وتعزيز التربية الفكرية والسياسية لأعضائه وتنشيط الحياة الداخلية للحزب المستندة إلى ديمقراطية رحبة بما يرشد الصراع الداخلي على نحو جيد التنظيم والقيادة والاستعداد وضرب المثل بالتحقق في مبدئية الصراع وتجنيب المهاترات وتركيزه على الموضوع دون الأشخاص. وبعد استكمال المناقشات يتم حسم الأمر بالتصويت ليلتزم الجميع بنتيجته دون اضطهاد الأكثرية للأقلية أو استصغار المستويات الأعلى شأن المستويات الأدنى أو إذلال العضو المقر بخطئه أو حرمان آخر سبقت إدانته من فرصة الاستئناف أمام المستويات الحزبية. صراعات ترضية ليس كل صراع داخل الحزب صحياً أو ضرورياً بل ثمة صراعات ترضية ومقحمة على الحزب. وتتوزع الأخيرة إلى ثلاثة أنماط رئيسية: التلفيقي المفتعل وغير المبدئي. حيث يفضي الأول والثالث إلى نتائج كارثية بينما يهدد الثاني وقت الحزب ويغرق أعضاءه في التارات, ويتستر البعض على أخطاء بعض آخر ويلجأ آخرون إلى النميمة والشائعات بتأثير غياب الديمقراطية داخل الحزب المعني. أما الاتجاه الصحيح فيقضي بطرح قضايا الخلاف للنقاش بموضوعية بعيدا عن التجريح الشخصي أو تسقط الأخطاء مع التزام الوضوح والإيجاز في سبيل معالجة أسباب الخلاف أولا بأول وعدم إغفالها أو تركها للزمن, إذ أن تراكمها غالبا ما يفضي إلى انفجارها. كاتب وسياسي فلسطيني مقيم في القاهرة