سوف يصبح من الجنون الا تحاول امريكا واسرائيل فرض مشروعهما لتسوية الاوضاع في المنطقة في هذه الظروف المواتية ــ لهما بالطبع ــ والتي تقابلها على الجانب الآخر صورة كئيبة للانقسامات العربية والعجز عن فعل اي شيء يوقف التدهور, ويجعل العرب اكثر صلابة في مواجهة ما يراد لهم وللمنطقة. لقد فشلت كل المساعي لعقد قمة لدول الطوق المحيطة باسرائيل لتنسيق المواقف أو حتى للتشاور وتبادل المعلومات. ومازلنا في انتظار القمة العربية الموعودة والتي قيل انها ستلتئم في الخريف المقبل بعد طول غياب اظن انه سيزداد طولا, ولم تعد القيادات العربية يلتئم شملها, الا في الجنازات الرسمية وبحضور حكام اسرائيل وأمريكا والعالم كله.. لتبادل التعازي, ثم يتسلل من يصافح او يعانق او يقدم (عربون المحبة) الى باراك وصحبه الاكرمين! المنظر كله يؤكد ما قلناه سابقا عن ضرورة الاستعداد لايام عربية صعبة, وان كان ما يدبر الان يبدو انه يفوق كل التوقعات! وباراك العائد من امريكا بكل الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي ينثر وعود السلام دون ان يقدم شيئا حقيقيا حتى الان, والأهم انه يتحدث عن هذا السلام وهو يستعد للحرب بطائرات امريكا القادمة على ضرب اي بقعة في المنطقة من شمال افريقيا الى ايران وباكستان, وبالغواصات النووية التي قدمتها المانيا.. عونا وصداقة, بينما الجهود الامريكية مستمرة في الضغط على روسيا لمنع اي صفقة سلاح لها قيمة حقيقية لسوريا, وتهمة الارهاب تلاحق اي دولة عربية تسعى لامتلاك صاروخ من هنا او هناك, والعقوبات تلاحق من يقدم هذا السلاح للعرب.. من كوريا الى الصين! واخطر ما يتم نشره ــ من خلال هذه التحركات ــ امران اساسيان: * الامر الاول: هو اشاعة مناخ كاذب بأننا نعيش في عصر سلام, ثم مطالبة العرب بدفع ثمن هذا السلام الذي لم يتحقق, ودفع الثمن مقدما.. تطبيعاً وتعاونا واسواقا مفتوحة وعيونا مغمضة عن حقيقة ان السلام مازال بعيدا, والطريق اليه صعب وطويل. * والامر الثاني: هو ان يقبل العرب بنصيب المهزوم من الان والى الابد, وان يرضخوا للواقع الذي تتم ترجمته الى عقود اذعان وان يؤمنوا ان التفوق الاسرائيلي قدر مكتوب, وان الهزيمة امام هذا الكيان اللقيط هي النتيجة الطبيعية لاي مواجهة, ومن هنا فلا مفر من التسليم وقبول ما تعرضه اسرائيل باعتباره تنازلا, وما تسعى له امريكا باعتباره كرما من اهل الكرم والجود! السلام.. والوهم الكاذب للرئيس الراحل انور السادات واقعة مشهورة.. ففي واحد من احاديثه التلفزيونية الشهيرة في سنواته الأخيرة, قال ــ غفر الله له ــ إنه كان قد وعد بأن الرخاء سيعم مصر وحدد موعدا لذلك, ولكن المفاجأة كانت ان الرخاء حل قبل الموعد المحدد بسنة كاملة.. اما الدليل الذي ساقه على ذلك, فهو ان اسعار الاراضي قد ارتفعت! ولم يمض الا شهور بعد ذلك, حتى رحل السادات وجاء عهد جديد كشف ــ بالارقام ــ عمق الازمة التي تعانيها مصر وحجم الديون وعجز الموازنة وتراجع مستويات المعيشة. اتذكر هذه القصة وانا اتابع اخبار اوهام السلام التي يراد لها ان تتسلل لعقل الجميع دون سند من واقع. نعم.. الاحاديث كثيرة والتصريحات تملأ الكون, ولكن اين نحن الآن بالضبط من هذه العملية التي يطلقون عليها (سلام الشجعان) . كل ما تعهدت به اسرائيل ــ على لسان باراك ــ حتى الان انها ستسعى لإقرار السلام, وانه يريد التفاوض الجاد من اجل ذلك. فإذا ما حاولنا ترجمة ذلك الى مواقف سياسية واضحة, كانت الترجمة كالتالي: على المسار الفلسطيني.. لا شيء الا تعهد بتنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) , وفي الوقت نفسه محاولة تأجيل المرحلة الثالثة منه الى المفاوضات النهائية التي يعلم الله وحده متى ستنتهي وأي شيء سيتحقق فيها! واتفاق (واي بلانتيشن) لم يكن الا تنفيذا لاتفاقات سابقة كانت بدورها تنفيذا لاتفاقات اسبق, ومع ذلك ففي كل مرة كانت تقوم العقبات, ثم يعتبر الاتفاق في حد ذاته تنازلا اسرائيليا ما كان يتم لولا الضغوط الامريكية, وعلى العرب ان يدفعوا ثمن ذلك بالمزيد من التنازلات في كل مرة! والمشكلة الان ان القيادة الفلسطينية لم تعد تملك ما تتنازل عنه, ثم ان ما يحدث ــ بعد كل ما قدمته او اقترفته هذه القيادة من تنازلات ــ يعطى الدليل على فشل رهانها ــ الذي لم يكن له ما يبرره ــ على باراك, ويجعلها تكتشف ما يعرفه الجميع.. وهو أنه لا فرق بين العمل والليكود, فيما يخص القضايا العربية, الا في التكتيكات, اما الاستراتيجية فواحدة, واما الهدف فلا خلاف عليه. القيادة الفلسطينية تدرك الان ــ او هذا ما نأمله ــ عمق المأزق الذي انقادت اليه حين تآمرت على نفسها وتخلت عن المقاومة مقابل وعود (لم تتحقق بالطبع) ثم وجدت نفسها بلا خيار الا خيار مواصلة التفاوض لمجرد التفاوض, او انتظاراً لمعجزة, او استجداء لموقف امريكي متوازن تعلم جيدا انه لن يتحقق. وفي اخر لقاء بين عرفات وباراك تم الإعلان عن لجنة مشتركة لبحث تنفيذ اتفاق الــ (واي بلانتيشن) وكم كان مؤسفا ان اسمع بعد ذلك مسؤولا فلسطينيا كبيرا يعلن ــ عبر الاذاعة البريطانية ــ ان اللجنة لا معنى لها ولا وظيفة حقيقية لها, ولكنها تكونت حتى لا يكون الفشل التام هو نتيجة الاجتماع!! وكأن الاعلان عن فشل الاجتماع عيب, وكأن التمسك بأقل القليل من الحقوق الفلسطينية خطيئة وكأن الاعلان عن توقف المباحثات حتى يفي الطرف الآخر بتعهداته سيقودنا الى موقف اسوأ مما نحن فيه! هدايا باراك لسوريا! ورغم التصريحات الوردية, ومحاولة اقامة سباق لــ (الهرولة) بين المسارات المختلفة.. فان الوضع على المسار السوري لا يختلف كثيرا او قليلا, فالتلاعب الاسرائيلي مستمر, وإبقاء الارض والحقوق العربية (رهينة) في يد اسرائيل.. هو المبدأ الحاكم في كل المسارات. كل ما (تنازلت) عنه اسرائيل على يد المسالم النزيه, الشريف, الواعد, الصاعد, السيد باراك.. هو انها ستقبل استئناف المباحثات مع سوريا من حيث انتهت ايام رابين, وهو مطلب سوري دائم, على اعتبار ان رابين كان قد قبل مبدأ الانسحاب من الجولان مقابل السلام مع سوريا. ولكن باراك لجأ الى نفس اللعبة التي ينتهجها مع الفلسطينيين ــ فهو يوافق على استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها.. ولكن مع احتفاظ كل طرف بتصوره لطبيعة هذه النقطة!! وهكذا.. بعد ان هلل البعض لــ (التنازل) الاسرائيلي بقبول التفاوض من النقطة التي انتهت المفاوضات عندها, بدأت (هدايا) باراك تتوالى, فباراك يؤكد ان التسوية مع سوريا لن تتم الا بعد الاتفاق على جميع المسائل المتعلقة بالامن والمياه والتعاون الاقتصادي والتطبيع الكامل.. بل والحدود نفسها, فسوريا ــ والعالم كله ــ يعرف حدود سوريا منذ قيامها, اما باراك فيريد من سوريا ان تقبل العودة الى حدود ما قبل الاستقلال السوري لتترك لاسرائيل التحكم في مصادر المياه في هضبة الجولان. ومع الاعلان عن القبول بالتفاوض من النقطة التي انتهت عندها, يعلن وزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي انه لم يحدث ان تعهدت اي حكومة اسرائيلية بالانسحاب الكامل من الجولان. ثم تأتي النقطة الاساسية.. حين اعلن حمامة السلام باراك ان مدى الانسحاب الاسرائيلي سيعتمد على مدى التزام سوريا بمحاربة الارهاب (!!) واقتسام مصادر المياه وتحقيق التعاون الاقتصادي. المطلوب باختصار ــ ان تدخل سوريا نفس النفق الفلسطيني, وان تتنازل عن شرط الحصول على التزام اسرائيلي ــ امريكي بالجلاء عن هضبة الجولان والعودة لحدود 4 يونيو 67. وتدخل المفاوضات وتتنازل عن اوراقها ليصبح كل شيء بعد ذلك رهينة الارادة الاسرائيلية. التطبيع.. بالجنازات! هذا هو الوضع على الجبهتين (السورية والفلسطينية) ومع ذلك يجرى التعميم بأن السلام قد حل, وان على العرب اجمعين ان يلتحقوا بالركب ويدفعوا الثمن ويصافحوا (في الجنازات او بدونها) ويسالموا دون سلام حقيقي, ويفتحوا ابواب التطبيع على مصاريعها دون انتظار. والاهم من ذلك ــ وهذا هو الوجه الاخر للقضية ــ ان يؤمن العرب بان هذا هو غاية المراد, ويهنئوا انفسهم بهذا الانتصار! فموازين القوى في غير صالحهم, ولن تكون الا كذلك.. من الان والى الابد, واذا لم يصدقوا فليعيدوا النظر الى انفسهم فلن يجدوا الا امة نصفها تحت الحصار, ونصفها تحت الحماية. امة متهمة بالارهاب وهي اولى ضحاياه وممنوعة من التقدم بفعل فاعل.. من داخلها او خارجها! وفي هذا المناخ يجرى دفع العرب الى القبول بما لا يمكن القبول به, والتنازل عما لا يجوز التنازل عنه. ويحاول البعض حتى الاستقالة من عروبتهم باعتبارها (موضة قديمة) عفا عليها الزمن وتعوق التحاقهم بالعصر! وكما قلنا في البداية انه من الجنون الا تستغل امريكا واسرائيل حالة التفكك والضعف العربيين لفرض مخططاتها في المنطقة, فانه من الجنون ايضا ان يكتفي العرب بالفرجة على ما يجري, والموافقة على ما يدبر للمنطقة في غيبتهم, والقبول بحلول تصادر المستقبل الحقيقي لهم. ان العرب مطالبون اكثر من اي وقت مضى, بان ينتقلوا من مقاعد المتفرجين التي ادمنوا الجلوس عليها, ليكونوا ضمن اللاعبين الاساسيين. ولن يكون ذلك الا اذا امتلك العرب رؤيتهم الخاصة لمستقبلهم ومستقبل المنطقة, ودافعوا عنها وقاتلوا في سبيلها. والامر ليس سهلا, ولكنه ليس مستحيلا. وبدونه سوف يضيع ما تبقى من مستقبل للعرب ويتحولون الى رهينة دائمة في ايدي القوى التي تخطط للاستيلاء على المنطقة. والامر ليس سهلا, ولكنه ليس مستحيلا. فما نطالب به من حقوق هي حقوقنا المشروعة, وما نطالب به من قوة.. نحن نملك كل مقوماتها من البشر الى الامكانيات المادية. وما نطالب به من خطوات هي الحد الادنى للبقاء والتقدم. لكن الارادة العربية غائبة, والى ان تعود فان كل ما نطالب به ان يتوقف المتنازلون عن تقديم التنازلات المجانية, وان يتوقف الذين يهللون للسلام ــ الذي وصل مبكرا ــ عن خداعهم لانفسهم وللناس, وان ينتهي الرهان الخاسر على ان هناك في اسرائيل من سيتبرع لانقاذ العرب من ورطتهم او يقدم لهم ما لا يستطيعون الوصول اليه بقوتهم الذاتية. الحصاد المر لمسلسل التنازلات يحتم ذلك, والمواقف العملية لحكام اسرائيل تكشف ان السلام الحقيقي مازال بعيدا, وحكاية الحمائم والصقور يجب ان ننساها.. فنتيجتها الوحيدة ان يتحول العرب جميعا الى حمائم يخضعون لارادة الصقور في اسرائيل ثم يكتفون بالنواح على ما ضاع! *** و.. لقد سلمنا امرنا لله, ورضينا ان ننتظر حتى يدرك القادة العرب فداحة الموقف فيعقدوا قمتهم الموعودة ويتخذوا القرارات التي تتفق مع مسؤولياتهم امام امة تواجه الخطر, ورضينا في انتظار القمة الموعودة ان نترك الامر للقضاء والقدر, وان تظل الجنازات الرسمية هي الموعد الوحيد الذي يلتئم فيه شمل الجميع.. على ان يكون اللقاء للتوديع لا للتطبيع, ولأداء الواجب لا لكسر المحرمات كما فعل الرئيس الجزائري في العزاء الأخير!!