ربما لم يحدث من قبل ان كان العالم أكثر تكاملا وترابطا من ناحية, وأكثر انقساما وتفاوتا من ناحية أخرى, ففي الوقت الذي يزداد فيه التكامل بين اقتصادات العالم ومجتمعاته بفعل الثورة العلمية والتكنولوجية وخصوصا الاتصالية, فإن حجم الفجوة بين فقراء العالم وأغنيائه يتزايد بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية. هذه هي النتيجة الرئيسية التي توصل اليها التقرير السنوي عن حالة التنمية البشرية في العالم الذي يصدره البرنامج الانمائي للأمم المتحدة كل عام, والذي صدر عدده العاشر من أسابيع والذي أكد فيه أنه بالنسبة للقطاع الأكبر من سكان العالم, فإن عملية العولمة لا معنى لها الا ازدياد الهوة بين الدول الفقيرة التي يعيشون فيها, والدول الصناعية المتقدمة التي يمثل سكانها الأقلية الثرية. يشير التقرير ايضا الى ازدياد سيطرة الولايات المتحدة على الأسواق الاقتصادية والثقافية المرتبطة بالعولمة, ويخلص الى التحذير من نمو مظاهر عدم المساواة في توزيع الثروة والدخل, وان ذلك سوف يؤدي الى (استقطاب خطير) بين الدول الغنية والفقيرة, وان مظاهر عدم المساواة على مستوى العالم في الدخل ومستويات المعيشة قد وصلت الى حدود كبيرة. مؤشرات مقلقة ويطرح التقرير مجموعة من المؤشرات الكمية عن حالة عدم المساواة تثير القلق, فيشير الى انه في عام 1997 انتج (1/5) عدد سكان العالم الذي يعيشون في الدول الصناعية المتقدمة 86% من اجمالي الناتج العالمي, بينما لم ينتج الـ (1/5) الاكثر فقرا من سكان العالم سوى 1% فقط, وأسهم الـ (1/5) الاكثر غنى بنسبة 82% من صادرات العالم, بينما لم يسهم الاكثر فقرا الا بنسبة 1%, وبلغت نسبة مستخدمي شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) من الـ (1/5) الاكثر غنى 93%, بينما لم يشارك في ذلك الـ (1/5) الاكثر فقرا الا بنسبة 0.2%, ويضيف التقرير ان 1.3 مليار انسان اي حوالي (1/6) سكان العالم يعيشون على دخل أقل من دولار أمريكي واحد يوميا, وان عشرة دول فقط ساهمت بنسبة 84% من اجمالي الاستثمار في مجال البحث والتطور التكنولوجي في عام ,1993 مما يشير الى استمرار تزايد الفجوة العلمية والتكنولوجية بين الدول الغنية وتلك الفقيرة. كما يشير التقرير الى أمثلة تبين حجم التفاوت الحادث في العالم, مثل ان اجمالي المبيعات السنوية لشركة أمريكية واحدة وهي (جنرال موتورز) أكبر من اجمالي الناتج المحلي لدولة مثل النرويج أو تايلاند, وان الدول الصناعية المتقدمة تمتلك 97% من براءات الاختراع وهو مؤشر لاحتكار تلك الدول لمظاهر الابتكار التكنولوجي والتجديد الصناعي, ويشير التقرير ايضا الى ان عدد 358 شخصا فقط تمثل ثرواتهم ما يزيد على الدخل القومي لدول يسكنها 45% من عدد سكان العالم. وفي هذاالسياق يبرز التقرير الدور المتميز للولايات المتحدة, خصوصا في مجال الحاسبات الآلية وشبكات المعلومات, فيشير مثلا الى ان 80% من مواقع شبكة الانترنت موجودة باللغة الانجليزية, وان اجمالي عدد الحاسبات الآلية المستخدمة في الولايات المتحدة يفوق عدد تلك الحاسبات في كل دول العالم, وان نسبة الامريكيين الذين يستخدمون الانترنت في أداء أعمالهم يفوق بشكل واضح بقية أرجاء العالم, فقد بلغت نسبة الأمريكيين الذين يستخدمون الانترنت 26% من عدد السكان, مقارنة بنسبة 3% في روسيا, و0.4% في دول جنوب آسيا, و0.2% في الدول العربية, وبالطبع فإن ذلك لا يعكس فقط ازدياد وعي المجتمع الامريكي بأن الدخول في عالم الاتصالات والمعلومات يمثل أداة رئيسية للحفاظ على موقع أمريكا المتميز في النظام العالمي, وانما يرتبط أيضاً بالقدرة على شراء الحاسبات الآلية, فيذكر التقرير ان ثمن الحاسب الآلي بالنسبة للمواطن الأمريكي يمثل ما يقارب مرتب شهر واحد, بينما يمثل ذلك في دولة مثل بنجلاديش مرتب ثمانية أعوام. خطورة التداعيات ولكي يثبت مؤلفو التقرير ان ما يحدث في العالم اليوم هو أمر غير مسبوق, وان الهوة بين الأغنياء والفقراء تتسع وتزداد, فإنهم يتتبعون تطور تلك الفجوة تاريخيا, ففي عام 1820 كان الفارق بين الدول الغنية وتلك الفقيرة في مستوى المعيشة هو واحد الى ,3 ومع مطلع القرن العشرين اتسع الفارق في عام 1913 ليصبح واحدا الى ,11 وبلغ مع منتصف القرن عام 1950 واحد الى ,35 ثم تزايد في عام 1973 ليصبح واحد الى ,44 ثم بلغ ذروة أخرى عام 1993 ليكون واحد الى 72. ولاشك, كما يذكر التقرير ان هذا الانقسام المروع لايمكن أن يساعد على تحقيق الاستقرار والسلام في العالم, ولايمكن أن تستمر تلك الفجوة في الاتساع دون أن تمثل تهديدا لأمن الدول الغنية واستقرارها خاصة في عالم يزداد ترابطا وتكاملا, ومن بين هذه التهديدات الأوبئة والأمراض التي يمكن أن تنتقل من مكان الى آخر مع ازدياد حركة البشر وتنقلهم, ومنها شبكات الجريمة المنظمة والارهاب الذي أصبح من المتفق عليه انه يمثل ظاهرة عالمية تتجاوز حدود أي دولة من الدول, ومنها الهجرة غير المشروعة من الدول الفقيرة الى الدول الغنية, اضف الى ذلك ان هذه الأوضاع يمكن أن تقود الى مزيد من التوترات الاجتماعية والتقلصات السياسية التي تفصح عن نفسها في شكل حروب أهلية أو صراعات مسلحة بين الدول. والخلاصة, انه لايمكن للعولمة أن تتوطد أركانها وترسخ جذورها إذا ظلت حبيسة أقلية من البشر, لذلك دعا التقرير الى ضرورة إعادة النظر في (قواعد العولمة) حتى يمكن ان يستفيد منها أكبر قطاع من سكان العالم, فأوصى بضرورة زيادة المساعدات لأكثر الدول فقرا, والى تكوين مجموعة عمل دولية لبحث قواعد العولمة, والى فرض ضريبة بسيطة (واحد سنت أمريكي) على الرسائل الالكترونية المطولة تستخدم حصيلتها لادخال خدمات الانترنت في الدول الفقيرة, ومثل هذه التوصيات تكررت في وثائق دولية أخرى. والتحذير من تداعيات العولمة بشكلها الراهن تم التعبير عنه في أكثر من محفل دولي, بل ان آخر اجتماع لمنتدى دافوس الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعتبر أهم تجمع دولي مؤيد لسياسات تحرير الاقتصادات والأسواق, كان موضوعه (نحو عولمة مسؤولة) وعبر تقرير التنمية البشرية عن هذا المعنى بالقول ان الهدف هو ان تعمل الأسواق الدولية من أجل البشر, وليس فقط من أجل الربح. فهل من مستمع؟ وهل من مستجيب؟ عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ــ جامعة القاهرة