ليس صحيحا ان العودة للذات والتراث والبحث عن الجذور, تعرقل القفز الى المستقبل, واللحاق بالعصر, ومواكبة مخترعات العلوم ومستحدثات التكنولوجيا . ومن صميم العته والخلط والمغالطة, أو ادعاء ان المستقبل يولد من فراغ, أو على جثة الماضي, بل يولد من رحم التاريخ وعلى مهد ذاكرة الأمة, واستشراف المستقبل والاعداد له مرهون دوما بالوعي التاريخي, فلا مستقبل لمن لا تاريخ له, هذه حقيقة يتكالب أعداء أمتنا على طمسها, لتفكيك عناصر الهوية وتذويب الارادة, وطمس الوعي, تمهيدا لاحتكار مستقبلنا ومصادرته, وصياغته وفقا لمخططات لا تخدم سوى اللاعبين الدوليين. وفي قلب المعركة على المستقبل, تنتصب شواهد تاريخنا, ومعالم تراثنا, وأركان هويتنا الحضارية العربية الاسلامية, والتفريط في ثوابتها, اهدار لمستقبلنا, ورهان خاسر على وهم (عولمي) خادع يجعلنا كالزرافة التي خرجت تبحث عن اذنين فعادت بلا عينين, أو تلك التي تدفن رأسها في الرمال حتى لا ترى من يتربص بها. هذا حديث معاد, وصرخات أطلقها حادبون على مصير أمتنا وهي تخطو نحو الألفية الثالثة, لدرجة ان ضمير الشارع العربي يستصرخنا الآن متسائلا: متى يعود صلاح الدين؟ والسؤال رغم صياغته التعجيزية وركونه الى التغني بأمجاد الأمة العربية.. ينغرس في جبهة المستقبل المنظور, ويلخص حالة من الشوق الجماعي تجتاح وطننا العربي من أقصى محيطه الى خليجه, بحثا عن الخروج من أسر الأمر الواقع, ووضع حد لحالة التمزق والشتات, وضبابية الوعي, واختلاط الأمور, وتداعي المخاطر, ولسان حالنا يردد قول الشاعر: ذهبت هموم حرت في أسمائها وأتت هموم مالهن أسامي صحيح, اننا أمة تنتمي الى ما يصطلح الغرب على تسميته بالعالم الثالث, وتقع تحت رحمة قوانين تقييد التدفق المعرفي, ونعاني من نزيف حاد لعقولنا العربية, التي يجتذبها الغرب الى عواصمه, ليحرمنا من اسهاماتها, لكن صحيح ايضا ان بمقدورنا تصحيح واعادة بناء مؤسساتنا العلمية والاعلامية والثقافية لتصبح حضانات تفرخ جيلا جديدا يمسك بجمر الدفاع عن هويته ويفتح الباب للمستقبل وهو متمسك بجذوره, وشعاره بسيط بساطة كلمات أبو القنبلة النووية الهندية... ان أنام جائعا خير لي من رهن ارادتي والنوم متخما.