أحياناً يكون الاعلام هو السبب في تضليل البشرية لمبالغته في وصف مزيف لخصال حميدة لا توجد أبداً عند المرء. فعلى سبيل المثال كان الاعلام الروسي يمتلك اكبر مقبرة في التاريخ الانساني لدفن الحقائق وتزييف الواقع وتغييب الوقائع المأساوية, اضافة الى انه يمتلك اوسع مقبرة للمؤامرات والدسائس والمزايدات, وأفخم مجمع للنفاق والتضليل, وأدق خلية معلومات عن الجرائم والمآسي التي ارتكبها ستالين. وكان المناخ السائد في تلك الفترة يصلح لأن تنمو فيه الطحالب البشرية وتتعملق هامات الطغاة وتخلد نواميسها ويستحيل العار فيه الى شرف. فمثلا جاء ستالين حاملا كل شرائعه واحكامه المطلقة, وككل الطغاة وقسوتهم, ليبيح لنفسه تحت التشرد العقائدي وقنص الحقيقة والوصاية على الفكر الشيوعي في أن يرسل الى العالم الآخر بضعة ملايين بشكل مبكر, ليستقلوا قطار الألم ضيوفا على الأبدية, ولا ريب ان ستالين هو من المسؤولين الكبار عن اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية, فلولا ميثاق عدم الاعتداء الذي أبرمه وهتلر في 23 اغسطس من عام 1939 اي قبل اندلاع نيران تلك الحرب بسبعة ايام فقط, لكان فكر هتلر طويلا قبل ان يشن هجومه, ذلك الهجوم الذي فجر بركان الحرب العالمية الثانية, هذا ان لم يكن قد ألغاه نهائياً. لكن, فكرة تحييد ستالين من المعركة, او لنقل تقاسم الغنائم بين هتلر وستالين, شجع هتلر في المضي قدما في مشروعه التدميري العالمي. وفي نفس الوقت هذا الاجراء الوقائي من قبل ستالين, دفع هتلر الى الحقد على روسيا والعرق السلافي. وكلف روسيا هذا الحقد, ما يقارب بـ 25 مليون شخص. ففي اليوم الخامس والعشرين من شهر فبراير لعام 1956 ألقى خروشوف خطابه الشهير في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي, وقد حمل على ستالين حملة شعواء, لم تذهل فقط دول المنظومة الاشتراكية, بل وأذهلت ايضا كافة دول العالم, اذ اتهم ستالين باساءة استعمال السلطة وابادة الملايين من الأبرياء والجبن في ادارة الحرب الروسية النازية. ولا يمكننا ان نغفر لستالين, ايجاده للبوليس السري, الذي استطاع بواسطته تصفية مليون عامل, وابادته لسبعة ملايين فلاح روسي, كما جاء في كتاب تروتسكي (الارهاب والشيوعية), لمجرد رفض هذه الملايين الانصياع لقوانينه العمياء. ويمكننا ان نقول ان شخصية ستالين هي التي ساهمت في بناء الخوف في نموذج تاريخي مكرر, والجاهلية ليست فترة تاريخية تمر فيها الأمة, انما هي حالة, توجد كلما وجدت مقوماتها, أكان ذلك في وضع او نظام. طبعاً, كان الاعلام هو العصا الماريشالية في يد الخوف, يبطش بها أعداءه ويقضي على خصومه, وبطرق مشروعة, يبررها القانون ويمهد لها الاعلام ويشحذ المدية على مسن الايديولوجيا.