أجدني مخلصا مع التاريخ حين أعود وتعود معي الى الوراء لتستعيد آذاننا صوت ذلك الباب الخارجي تصفقه مسز نورا هيلمر مغادرة بيت الزوجية الذي ما كان , على ما ارتأت, يحتويها الادمية مسلية, والزوج حريص على هذه الدمية لئلا تكسر لهشاشتها وضعفها, لقد كان ذلك في عام 1979 حين ابدع هنريك ابسن مسرحيته (بيت دمية) وكان لذاك الباب وهو يصفق على المسرح دوي على صعيد الحياة الاجتماعية الغربية في وقت كان الجو يتكشف عن ارصاهات متوالية لحركة تحرير المرأة, وما زال صدى ذلك الدوي في تصاعد والحركة تتنامى, ومع تناميها تتكون فلسفة وسياسة وأدب ونقد. وإذا كان كذلك شأن المرأة على الجانب الآخر من الأرض, فما شأنها هنا ونحن نضع خطواتنا متوجسين على عتبات بوابة القرن الحادي والعشرين؟ ان التساؤل عن شأن المرأة العربية يعني, في جوهره محاولة التعرف عليه وما أنجز من فعل تجاهه, ومن العقلانية تقبل الاجتهاد الذي يذهب الى ان التساؤل عما إذا كانت لدينا فكرة عن موضوع يجب ان يتقدم على أي تساؤل حول طبيعة هذه الفكرة. وقد يكون في مقدمة هذه الاقتناعات تلك التي تتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة و(تمكين المرأة) والتصورات المتشائمة حول ما ينتهي اليه الشأن النسوي إذا ما انعكست (تيارات الانثوية) التي يشهدها الغرب حاليا على المجتمع العربي المسلم. وليكن الحديث اولا عن مساواتها بالرجل, المساواة التي تكافح المرأة من أجلها, والتي لم تعد مسألة ترف ورفاهية, وفي الظن انها اقتناع درجت عليه الادبيات التي كثيرا ما تنشر كل 8 مارس باعتباره اليوم العالمي للمرأة, وهو أمر الفته صياغات الاتفاقات الدولية ولغة المؤتمرات المعنية بقضايا النسوة. ان اهم تحد يواجهه الاقتناع بالمساواة, كما ترى الاجتهادات المعاصرة, يقول بأنها ليست واحدة, وانها كالحرية والعدالة تختلف باختلاف الرؤية وتغير المنظور, وبالأخص بين كونها (سيرورة) لضمان معاملة متساوية, وكونها (نتيجة) لتطبيق قواعد معينة. لقد قال (ادمون بيرك) في يوم بأن (كل الناس لهم حقوق متساوية ولكن ليست لهم اشياء متساوية) ولعل ذلك يشكل منطلقا للتساؤل عن الشيء الذي يستاوى فيه الناس, أهو نتاج المجتمع الذي يساهم فيه أفراده مما يوجب ان يوزع بينهم بدرجة من التساوي؟ أهو تساو في الفرص؟ أهو تساو أمام القانون؟ أم يكون ذلك في جملة أطر مثل الحماية القانونية, والتربية والتكوين, والرعاية الصحية, ومشاركة المرأة في صنع القرار, وادماج المرأة في النشاط الاقتصادي والإعلام؟ ويرتبط بموضوع المساواة الاقتناع بأن الرجل هو المسؤول عن تحقيق الانصاف بين الجنسين انطلاقا من ميل ميزان القوة لصالحه في شتى المجالات. أما الاقتناع بـ (تمكين المرأة) فينطلق من محدودية وصول المرأة الى مراكز النفوذ والسلطة, وضيق الاختيارات المتاحة امامها, وقلة مدخولها ان لم يكن انعدامه, وفي الادبيات الدولية يعتبر (تمكين المرأة) عنصرا يتكامل مع عناصر ثلاثة اخرى تشكل قوام النموذج العام للتقدم الانساني اما هذه العناصر الاخرى فهي الانتاجية والاستدامة في ضمان الفرص للاجيال القادمة, والمساواة في تلك الفرص والتحدي الذي تواجهه عمليات (التمكين) يتمثل في مدى قدرتها على تجاوز اقتصار (التمكين) على النسوة, النخبة الى الملايين من اللواتي تعتصرهن الامية, وتقتل طموحهن سورة التخلف والجهل والنظرة الدونية. وبعد ذلك فهناك الاقتناع بالتصورات المتشائمة لمآل حركة تحرير المرأة العربية وجهود الرواد الاوائل من المفكرين العرب الذين ادلوا بآراء جريئة من اجل الارتفاع بالمرأة اجتماعيا وثقافيا وسياسيا, لقد اختلفت مدارسهم بين التجديد الديني والليبرالية والقومية, ولكنهم على اتفاق بضرورة رفع الحيف عنها واتخاذ خطوات جديدة تنتهي الى موقف او مواقف جديدة, ان هذا الاقتناع الذي يتحدث عنه يأتي انعكاسا لما بدأ من انتشار لاطروحة (ذكورية اللغة) وضرورة ان تكون للمرأة لغتها الخاصة, ولما يقارب تلك الاطروحة من الجهر بضرورة تكوين عالم محوره المرأة, له خصائصه وتميزه في كل شؤون الحياة والفكر انها (النسوية) او (الانثوية) على تباين اتجاهاتها الفلسفية والسياسية. ان التحدي القائم هو كيفية تعامل المجتمعات العربية المسلمة مع ما تحمله هذه النسوية او (الانثوية) من مبادىء وافكار واساليب ان القلق والتخوف غير كافيين في مواجهة هذا الاقتناع الذي يقوم علي تصورات معتمة لما ستكون عليه حركة تحرير المرأة العربية, ويبدو اننا مطالبون بالرصد والدعوة الى التفكير والنقاش الهادىء تحت خيمة يتفاعل فيها الدين والسياسة ومتغيرات التثاقف فلا احد منا يرغب في ان نرى الابنة او الاخت او الزوجة تصفق الباب مغادرة بيت الزوجية مخلفة وراءها زوجها واطفالها في حيرة وضياع ولا نريد للزوج ان يعامل شريكة حياته كدمية مسلية, ضعيفة, هشة, وانما ان يعيش المجتمع كله في انسجام ووئام يكفل له الامن والاستقرار والوصول الى الاهداف المنشودة. خبير اعلامي عربي