حين كانت الإنقلابات العسكرية حدثاً تقليدياً في كثير من دول العالم الثالث, سيطرت مدرستان في التفكير. قالت أولاهما بأن عسكرة المجتمع تدفعه قدماً على طور التنمية الاقتصادية والاجتماعية , حتى وإن أفضت سيطرة النخبة العسكرية إلى انتهاكات للممارسات الديمقراطية, بغرض أن العسكر هم الأكثر أخذاً بالحداثة والتنظيم وأساليب الإتصال العصرية, والأقرب إلى استخدام التقنيات المستجدة, بحكم اشتغالهم في قطاع لا يعيش بلا تطورات مستمرة. وقالت الأخرى, بأن العسكريين, الذين يتكالبون على سدة الحكم, لا يسعهم الإضطلاع بعمليات التنمية ومقتضياتها. وهم في أفضل الأحوال يقومون بتطوير جزئي, يخدم أغراضهم فقط, ويساعد على إعادة تدوير السلطة بين قياداتهم. وغالباً ما يعتمدون على القوى الخارجية صاحبة المصلحة في تعميدهم, على حساب سواد أبناء الأمة. في ذلك الوقت, حيث الحرب الباردة في أوجها, لم يلتفت كثيرون إلى ملامح سيطرة المؤسسات العسكرية في الدول المتقدمة, الديمقراطية منها والاشتراكية, وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية. ومع هذا, فإن الذين قدر لهم ــ على قلتهم ــ التأمل في هذه الملامح, تمكنوا من إعطاء فكرة قوية عن دور العسكر في السياسة المدنية للدول الأوروبية وكذا في رحاب السياسة الأمريكية زعيمة المعسكر الرأسمالي. فلم يكن حجب العسكر عن مجال السياسة هو المظهر الاعتيادي للحكم في هذه الدول في كل الأوقات, وإلى عهد قريب وحتى الآن في بعض الدول, بقيت العملية السياسية, على الصعيدين الداخلي والخارجي, غير حصينة إزاء نفوذ العسكر وضغوطهم وتدخلهم الظاهر أحياناً والخفي في معظم الأحيان. نحن نعرف الآن أن كبار الجنرالات الأمريكيين, يتحولون بعد التقاعد للعمل في الشركات الكبرى للصناعة العسكرية, ولكن (هانتنجتون) يؤكد أن الكثيرين من الضباط الكبار الذين وصلوا مع الجيوش الأمريكية في عامي 1944, 1945 إلى أوروبا, كانوا وكلاء أو ممثلين بارزين للشركات الأمريكية العملاقة. كان بين مهمات هؤلاء الضباط, إستشراف أعمال المستقبل. وهو اتجاه استمر إبان الحرب الباردة على شكل علاقات ظاهرة وباطنة واحترام متبادل بين الضباط المتنفذين, أثناء الخدمة وبعدها, وبين رجال الأعمال داخل الولايات المتحدة, الأمر الذي من شأنه سد الفجوة بين الشركات والقطاع العسكري. والواقع أن تأثير العناق بين قطاعات المال والأعمال والعسكر على صناعة القرار الأمريكي, أقلق قيادات أمريكية بارزة كالرئيس (ايزنهاور) , الذي ذكر صراحة في (خطبة الوداع) بأنه (غير مطمئن بصدد نفوذ مجمع الصناعة العسكرية على السياسة الأمريكية...) . وهي ملاحظة تأكدت صدقيتها بمرور الوقت, إلى حد أضحى فيه المتنافسون في الانتخابات الرئاسية, يدركون ما يمثله هذا المجمع (التحالف) كأحد المفاتيح الرئيسية للنجاح. ويقال الآن, أن فرصة أحد هؤلاء في الفوز تقل على نحو ملحوظ إن لم ينل رضاه. لعل هذه الحقائق تدهش أصحاب النظرة المثالية للنظام الأمريكي. أولئك الذين يتصورون أنه النموذج اليوتوبي للفصل بين المؤسسات. غير أن الأكثر تأملا للتفاعلات الموضوعية الواقعية, لا يقعون في هذا الخطأ. إن حجم النفوذ يقاس لدى هؤلاء الآخرين بالنظر للقرارات الحقيقية التي يستحوذ عليها قطاع معين داخل النظام ككل. وبذلك, يصبح تقدير نفوذ المؤسسة العسكرية الأمريكية مسألة خاضعة للقياس, بغض النظر عما يقال من خضوع العسكر للساسة بوجه عام وبشكل دعائي. وعند محاولة إجراء مثل هذا القياس, نتأكد مع آخرين, أن هذه المؤسسة هي الأقوى والأكثر سيطرة على الموارد مقارنة بغيرها. إنها تقريباً وبلا مبالغة, المؤسسة الأكبر في العالم, لا في الولايات المتحدة فقط... ولعلها أكبر من كل الوزارات الأمريكية مجتمعة. وإذا كانت الخارجية الامريكية تسيطر على 30 ألف موظف, فإن وزارة الدفاع ينتمي إليها أكثر من 4 ملايين شخص, وتحت يدها موازنة تصل إلى ماينيف عن 300 مليار دولار. وهذا يستدعي جدلاً, نفوذاً موازياً لحجم المصالح التي تمثلها هذه الأرقام, فضلاً عن مصالح القوى المرتبطة بها في الداخل والخارج. كان الوعي بهذه الحقيقة المعقدة أحد دوافع الإتهامات التي أطلقها محللون سوفييت زمن الحرب الباردة. فقد اعتقد هؤلاء أن المكون الصناعي العسكري الأمريكي, يقف خلف أية توجهات تقاوم النوايا السلمية وجهود الإنفراج الدولي. والاعتبار هنا أن مظاهر الانفراج, وإزاحة مصادر التوتر تضر بمصالح ذلك المكون, كتقليص نفقات الدفاع, وخفض التسلح الذي يذهب بأرباح تقدر بعشرات المليارات من الدولارات, وإعادة العسكر وشركائهم من رجال الأعمال الى حدودهم على هامش النظام السياسي وإزاحتهم من بؤرته. وفي حقيقة الأمر, لم يكن التقدير المذكور بعيداً عن الواقع. وبين يدينا الآن معطيات تؤكد أن سباق التسلح الذي حث عليه التحالف الصناعي العسكري الأمريكي, يُعد أبرز المسؤولين عن إنهاك الاتحاد السوفييتي وصولاً الى أفوله وتفككه. وفي المرحلة التالية, التي بدأت مع مطلع التسعينات, وقعت المؤسسة العسكرية ومحازبوها في الولايات المتحدة في دائرة تناظر يتعلق بمستقبل الدور الذي ينتظرها بعد نهاية الحرب الباردة. تناظر يذكرنا بما دار حول الدور نفسه في دول العالم الثالث ذات حين, مع بعض الفوارق. فقد تبلور اتجاه يدعو للاستمرار في دعم المؤسسة العسكرية ويساند دورها الأخطبوطي داخل الولايات المتحدة وخارجها بلا قيود. ويحتج بالآثار السلبية المحتملة على قوة الردع الأمريكي والسيادة الأمريكية العلمية, إذا ما تقلصت حركة هذه المؤسسة... ينطلق هذا الاتجاه من ذهنية ترى أن الاستقرار الدولي هو مجرد وهم, فهناك قوى أخرى سوف تسعد بالتراجع العسكري الأمريكي, كما أن أخطارا جانبية سوف تترتب بالقطع على ضمور مكانة المكون العسكري في الحياة الاقتصادية والسياسية الأمريكية... منها تدهور برنامج البحوث والتطوير وصعوبة المنافسة في أسواق السلاح العالمية. وفي المقابل, نشأ تيار ينادي بضغط النفقات العسكرية ولا سيما المخصص منها لبرنامج التسلح. ويطالب بوضع حد لتغول المؤسسة العسكرية, وإلا فقدت الدعوة الأمريكية لنزع سلاح أطراف دولية أخرى صدقيتها. ويثير هذا التيار فكرة مفادها أن المكون الصناعي العسكري, يهدر أموالاً أمريكية هائلة من أجل مصلحة نخبة من العسكر ورجال الصناعة والمال. لقد مضى عقد كامل تقريباً على بداية هذا التناظر, ومع أنه لاتوجد دلائل على حسم الأمر لصالح أي من وجهتي النظر المذكورتين, إلا أن هناك مؤشرات بعينها ترجح ولوج الولايات المتحدة القرن المقبل, وهي أميل الى الأخذ بتيار التشدد, التيار الأول. نقول بذلك وفي الذهن مايلي: أولاً: أن الإعتقاد السائد بين مختلف النخب الأمريكية وليس العسكريين فقط, هو وجود رسالة أمريكية جليلة تجاه العالم برمته (ولا مجال هنا لمناقشة مدى صحة الأسانيد التي تقوم عليها هذه الرؤية). وبحكم التجارب تؤكد الثقافة السياسية الأمريكية على القوة, والتي لولاها لما تمكنت أمريكا من الظفر على أعدائها وأعداء العالم الحر. ثانياً: ما أن مضى عهد العداوة مع المعسكر الإشتراكي, حتى راح الأمريكيون يبحثون عن عدو يوجهون إليه طاقتهم لإبراز القوة. وقد ظهر مرشحون كثر لهذا التوجه في الخطاب الأمريكي. والأصل في ذلك, رغبة المكون العسكري الصناعي في الحفاظ على حظوته ومكانته في قلب النظام الأمريكي. ثالثاً: لم يثبت بأي حال أن التيار الإنعزالي الأمريكي, الذي يعطف على فكرة الإعتكاف, يحقق أي تقدم في الحوزة الأمريكية الشعبية أو الرسمية. فهناك حضور أمريكي بارز في كل القضايا الدولية الساخنة التي يبدو أن العالم سيحملها معه الى القرن المقبل. وبالتداعي سيتعين على الولايات المتحدة أن تلوذ بمؤسستها العسكرية الضاربة كظهير أول لهذا الحضور. رابعاً: مازالت الولايات المتحدة ترعى المكانة المميزة للمؤسسة العسكرية في موازنات الدفاع وتطوير البحوث العسكرية والتكنولوجيا المتصلة بها. وقد أثبتت الضربات العدوانية التي وجهتها واشنطن لكل من أفغانستان والسودان ثم العراق مؤخراً, السرعة الفائقة التي تتطور بها التكنولوجيا العسكرية الأمريكية. وتحرص واشنطن على التميز في هذا المجال وكذا في المجالات وثيقة الصلة به, مثل تكنولوجيا المعلومات وصناعة الاتصالات والسوبر كمبيوتر. ويبلغ نصيب الفرد الأمريكي من الإنفاق على هذه الأبواب ثمانية أضعاف المتوسط العالمي. مثل هذه المؤشرات تنطوي على استمرارية في محورية المؤسسة العسكرية, ومن ثم, محورية دور القائمين عليها والمرتبطين بها داخل النظام الأمريكي. ومن باب أولى أن نتوقع استمرارية النزعة العالمية لهذا الدور, بحكم الإنتشار الواسع لنفوذ هذه المنظومة في الجهات الأربع, ويتأتى ذلك الآن وفي المستقبل المنظور والممتد, عبر ارتباطها بأعمال التجارة (ومن المعروف أن الولايات المتحدة أكبر مصدري السلاح في العالم), والتغلغل في قضايا الحرب والسلام والإستخبار, وكذا من القناعة الأمريكية بأن الأذرع الطويلة والقوية للمجمع العسكري الصناعي الأمريكي, هي المدخل الأضمن لاستمرار التربع على قمة النظام الدولي. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة