بدون وثائق في يد الذين يمتطون عربة التاريخ ويعيدون تسمية شهوره وأيامه تصبح الحقيقة معاقة.. واللغة معاقة.. وتصبح كتب الأطفال في المدارس معاقة .. فلا الأشجار تقدر على الوقوف على قدميها.. ولا العصافير تقدر على استعمال أجنحتها.. فالتاريخ ولو كان قراءة لما كان فإنه كذلك دليلا وكشافا لما سيكون.. عملا بالقاعدة الشهيرة (يخرج الحي من الميت) .. حتى لا نوصف بأننا أقدم أمة وأضعف ذاكرة.. حسب التعبير الشهير للكاتب الراحل صلاح حافظ. وعندما طرحت قضية (وثائق ثورة يوليو) تمنيت أن تضبط بهذه الوثائق ساعات الأحداث على إيقاع الدقة.. ورائحة عطرها.. حتى تنتصر الموضوعية على الأهواء الشخصية.. والمذكرات المسيلة للدموع.. ومصانع التخدير.. والكتابات الكاتمة للشهادة. وأحسب أنني بما طرحت وكتبت وكشفت قد نكشت جرحا غائرا لم يزل مفتوحا.. ومن ثم كانت ردود الأفعال متجاوزة ـ على الأقل في ظني ـ كل التوقعات والتقديرات.. وكان ان أصبحت هذه القضية حديثا مشاعا.. من مقالات وتصريحات باحثين أكاديميين محترفين ومحترمين.. مثل الدكتور علي الدين هلال عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية (مقاله في جريدة الأخبار في يوم 21 يوليو 1999 بعنوان: أين وثائق ثورة يوليو).. ومثل الدكتور رؤوف عباس أستاذ التاريخ الحديث (في حواره مع مجلة الأهرام العربي الذي طالب فيه محمد حسنين هيكل بتسليم ما لديه من وثائق) إلى برنامج إذاعي خاص وضعته في سهرة إذاعة (الشرق الأوسط) في ليلة الاحتفال بذكرى الثورة المذيعة المثقفة.. الواعية فادية الغزالي.. وخرجت جريدة (العربي) الناطقة بلسان الحزب الناصري تتساءل في مانشيت رئيسي أحمر صارخ: (من الذي سرق الوثائق الخاصة بثورة يوليو؟) .. وكانت هناك كتابات صحفية أخرى ركبت الموجة وأعادت ما سبق أن نشرت.. حتى تظل موجودة على الساحة. وفي اتصال تليفوني تفضل به الصديق المؤرخ الشهير الدكتور يونان لبيب رزق أبدى سعادته من وجود وثائق خاصة بالرئيس محمد نجيب في حوزتي.. واتفقنا على أن توضع في متحف الثورة الذي يشرف علىه.. خاصة وأن المتحف يفتقد الكثير عن هذا الرجل الذي ظلم حيا وكاد أن يظلم ميتا.. وأبدى الدكتور يونان رزق لفتة كريمة بوضع اسمي على ما في حوزتي من وثائق في المتحف بعد أن اعتذرت عن الحصول على مقابل مادي. وفي اتصال تليفوني جاء من حسام كمال الدين حسين ابن كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة الذي كان علىه تسجيل محاضر المجلس قال: إ ن الوثائق التي كانت تحت يد والده وضعها بعد أن استقال في عام 1964 في خزانة المجلس وعندما اتصل به سامي شرف طالبا المفتاح أصر على أن الذي يطلب المفتاح منه جمال عبد الناصر بنفسه.. وهو ما كان.. وأرسل كمال الدين حسين المفتاح مع سكرتيره عبد المجيد شديد وسلمه إلى سامي شرف الذي رفض أن يوقع إيصالا بالاستلام.. وسر هذا الاتصال التليفوني هو أنني كنت قد كتبت أن محاضر مجلس قيادة الثورة كانت في حوزة كمال الدين حسين.. والصحيح أن الذي كان في حوزته مفتاح الخزانة التي كانت فيها المحاضر. ودارت تعلىقات _ جاءت بالبريد والفاكس وتجاوزت الخمسين تعلىقا خلال أسبوعين _ حول: أن كتابة التاريخ المصري كله بالحبر السري وليس تاريخ ثورة يوليو فقط (الدكتور يحيى نور الدين طراف أستاذ جراحة العظام بجامعة القاهرة) وأن خطورة إخفاء الوثائق عند كتابة التاريخ يعني أن نعيش على الروايات الغربية التي تكشفها الوثائق المستوردة (المهندس الاستشاري عبد الله أبو اليزيد _ شرم الشيخ) وأن من الضروري أن نعرف ما جرى للجنة كتابة تاريخ ثورة يوليو حتى نعرف هل هناك من يرفض تسجيل تاريخ الثورة أو هناك من ليس له مصلحة في ذلك (الدكتورة سوسن عبد الحميد القراعي بجامعة كامبريدج ) وكانت هناك تعلىقات لا حصر لها حول موقف محمد حسنين هيكل من وثائق الثورة.. وهي تعلىقات التقت فيها إرادة الرأي العام مع إرادة المؤرخين. قال لي الدكتور يونان لبيب رزق: أنه في أوائل عام 1971 _ وكان لا يزال مسؤولا عن مؤسسة الأهرام _ كون هيكل لجنة مصغرة من الدكتو ر عبد الملك عودة وحاتم صادق وهدى عبد الناصر وحسن يوسف (رئيس الديوان الملكي ) والدكتور يونان لبيب رزق وتوفيق إسكندر (وكان من اشهر أساتذة الوثائق).. وكان الهدف أن تكون هذه اللجنة نواة لمركز تاريخ ثورة يوليو وجمال عبد الناصر.. وعقدت اللجنة 4 اجتماعات.. اعترف هيكل خلالها بان المشكلة هي أن وثائق الثورة قليلة لان عبد الناصر كان في كثير من قراراته على التليفون.. وهو ما جعل هيكل يقوم بتسجيل كل ما يعرفه كتابه. لكن.. قبل أن يثمر عمل هذه اللجنة سارع الرئيس أنور السادات بتمرير قانون يرفع فترة حظر الوثائق من 30 إلى 50 سنة.. وكان ذلك في بداية حكمه.. ثم كانت المفاجأة الأخرى وهي تشكيل لجنة تاريخ ثورة يوليو الرسمية.. وكان الملفت للنظر أن لا أحد من أعضائها كان متخصصا في تاريخ مصر الحديث سوى الدكتور أحمد عزت عبد الكريم.. لقد كان فيها الدكتور بطرس غالي (وهو أستاذ علوم سياسية) والدكتور سيد الكاشف (وهو أستاذ للتاريخ الإسلامي) والدكتور زكريا قاسم(وهو متخصص في تاريخ الخليج).. كانت تضم أسماء كبيرة لكنهم غير متخصصين.. لذلك غلب علىها الطابع الرسمي.. على أنه رغم ذلك شكلت هذه اللجنة بما توصلت إلىه انزعاجا للسادات.. فكان أن ماتت بالسكتة السيا سية.. وكان أن تضاعفت قيمة ما يملكه هيكل من وثائق رسمية وأوراق خاصة. ويسجل هيكل ما بين 10 إلى 100 ورقة يوميا.. كتبها في حينها عما عاش وما سمع دون انتظار أو اعتماد على ذاكرة (عارفا أن الكتابة على الورق هي وحدها التي تحفظ التفاصيل حية ونابضة حتى وإن ابتعدت الحوادث وتزايد وفر السنين.. ثم إن ذلك في نفس الوقت عاصم من منزلق خطير يقع فيه الكتاب أحيانا.. فإذا روايتهم للحوادث لا تصفها كما كانت وإنما كما يجب أن تكون من موقع نظرهم.. وهذا فضلا عن مخاطرة عن الحقيقة يوقع أصحابه في محظور الحكمة بأثر رجعي) _ مقدمة كتاب (أكتوبر السلاح والسياسة) _ مؤسسة الأهرام _ ص18. وبمرور الأيام أصبحت هذه الأوراق ثروة من الذاكرة الشخصية تعوض ضعف الذاكرة الرسمية.. وقد سبق أن قال لي..(أن هذه الأوراق تجربة في تاريخ مصر.. وبعضها تسجيل شديد الخطورة لأحداث كان فيها التسجيل الرسمي غائبا.. مثل مناقشتي مع وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر بعد حرب أكتوبر مباشرة وهي في 61 صفحة) .. واستطرد : (لقد كنت أتمنى أن أعطي هذه الأوراق إلى جامعة مصرية لتستفيد منها.. لكن ذلك يجب أن يسبقه قانون يحمي مثل هذه الأوراق ويحترم ما فيها ويلزم بعدم الكشف عنها إلا في الوقت المحدد الذي يوصي به أصحابها) . إن هذا ما حدث لأوراق اللورد كليرن التي كتبها عن مصر في الفترة ما بين عامي 1935و 1945 وهي فترة حاسمة في تاريخ مصر.. لقد أهداها إلى كلية) سانت أنتوني) بجامعة أكسفورد.. وكان أن وجدت هذه الأوراق حماية قانونية.. وعندما أ رادوا الاستفادة منها جاءوا بخبراء ليستخرجوا من بين مليوني كلمة كتبها اللورد كليرن حوالي 150 ألف كلمة.. استفاد منها من أراد دون المساس بأي حقوق شخصية أو قانونية لصاحبها) . ويرفض هيكل أن يقدم أوراقه إلى إحدى الجامعات الأجنبية.. وقال(سأتركها إلى أبنائي مع تحديد المواعيد المناسبة لكشف كل ما فيها.. خاصة وأنني أمتلك إلى جانب أوراقي اليومية وثائق وشهادات أخرى وضعها أصحابها أمانة في عنقي وحددوا مواعيد لنشرها.. وهي مواعيد يصعب أن أكون موجودا فيها.. وعلى سبيل المثال.. حسن با شا يوسف المسؤول عن الديوان الملكي.. تحدث معي كثيرا .. في بيتي.. وسجلت شهاداته على مدى 32 ساعة كانت مجمل أهم ما جرى في عصر فاروق.. لكنه طلب مني ألا أبوح بها إلا بعد وفاته ووفاة زوجته بعشرين سنة.. وساعتها لن أكون موجودا.. وأيضا.. الدكتور محمود فوزي.. وهو شخصية لا أحد يعرف ما فيه الكفاية عنها.. في محاولة للاستفادة من تجربته سجلت معه 40 ساعة.. أنا مؤتمن علىها.. ولا بد أن تصل إلى الناس بأمانة.. وهذا ما حدث كذلك مع سفيرنا في لندن قبل قيام ثورة يوليو مباشرة عبد الفتاح عمرو.. إن وثائق هؤلاء وغيرهم هي موجودة عندي لكنها ليست ملكي.. وإنما هي جزء من تاريخ مصر.. وقد أ رسلتها إلى الخارج تخوفا في وقت كان فيه الرئيس السادات يتربص بي.. إن كل وثائقي وأوراقي في الخارج وعندما احتاج منها شيئا أصوره واستعمله) . لقد بدأ تربص السادات بأوراق هيكل واضحا في وقت مبكر بعد خروجه من (الأهرام) .. في عام ..1975في تلك السنة حصل هيكل _ في أثنا ء رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية _ على مجموعة وثائق شديدة الحساسية هي مجموعة تقارير وبرقيات ومراسلات بين السادات وكيسنجر تدور عن حرب أكتوبر 1973 وما جرى بعدها.. وكانت هذه الوثائق غائبة عن هيكل رغم قربه الشديد من عملية الإعداد للحرب.. وأغلب الظن أن هذه الوثائق كانت (معدة لكي تساعد بعض الكبار من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون على كتابة مذكراتهم بعد سقوطه المدوي سنة 1974 بسبب فضيحة ووترجيت وبالفعل فإن كيسنجر استعمل عددا منها في كتابة مذكراته) . وعرف السادات بما حصل علىه هيكل.. والغالب أن هذا ضايقه.. فكان ان شن علىه حملة عنيفة تحاول أن تنفي عن كتاباته المصداقية.. وكان الهدف (على ما هو ظاهر أن يصبح ما يقول وما يكتب في يوم من الأيام موضع شك) . ويبدو أن حملة التشكيك ومحاولة المصداقية لم تفلح.. ويبدو أيضا أن ثقة هيكل بأن ما يملك من وثائق ـ يضعها في الخارج ـ يمكن أن تحميه من بطش السادات قد جانبها الصواب.. فقد قبض علىه (زوار الفجر) في حملة سبتمبر 1981 الشهيرة ووضع في السجن لمدة 90 يوما ولم يغادره إلا بعد أن كان نظام السادات قد تغير. على أن النقطة الجديرة بالتوقف والانتباه هي كيف يمكن أن تستخدم الوثائق في مهمة حراسة وحماية من يملكها في مواجهة قسوة وقوة وبطش النظام السياسي؟.. إن مهمة الوثائق على ما نعرف هي كتابة التاريخ بطريقة صحيحة بحيث إذا ما تكلمت كان على باقي مصادر كتابة التاريخ أن تسكت أو على الأقل تنصت.. لكن أن تصبح الوثائق مدفعية ثقيلة تحمي من يمتلكها فهذا أمر جيد ـ على الأقل علىنا في هذا العصر ـ يستحق الفحص والدراسة.. لكن مهما كانت هذه المدفعية ثقيلة فهي لا تكفي للحماية.. والدليل على ذلك أنها لم تكف لحماية هيكل من حملات التشهير.. ومن المثول عدة شهور أمام تحقيقات المدعي العام الاشتراكي.. وأخيرا القبض علىه ووضعه في السجن تحت رعاية الشاويش عبد الجبار والشاويش عبد التواب. والأهم أن هيكل يمتلك ما يقترب من 700 ألف وثيقة بريطانية وأمريكية وإسرائيلية حصل على معظمها طبقا لقوانين حرية المعلومات في هذه الدول.. وقد ترك نسخة منها لمؤسسة الأهرام واحتفظ لنفسه بنسخة أخرى.. لكن.. أخطر منها الوثائق المصرية التي حصل علها بحكم أنه كان شاهدا ومشاركا فيما جرى في مصر منذ حرب فلسطين 1948 إلى حرب أكتوبر ..1973 وبعض هذه الوثائق كان عبارة عن شخبطة يكتبها الملوك والرؤساء على أوراق أمامهم في المباحثات الرسمية التي كان يحضرها هيكل مع جمال عبد الناصر والسادات. لا مفر من الاعتراف بأن هيكل يملك نصيبا وافرا من وثائق ثورة يوليو ومشوارها.. ولابد من طريقة ما كي يقتنع بأن تصل إلى الباحثين والمؤرخين بطريقة سليمة دون المساس بالشروط والاعتبارات التي يفرضها هو نفسه. ولو جاز لي أن اقترح فإنني أرى أن الصيغة الوحيدة الملائمة حتى الآن هي عمل مشترك بين مؤسسة الأهرام وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية لإحياء مركز تاريخ ثورة يوليو وعبد الناصر.. وبعث الحياة فيه من جديد.. فكل الظروف تسمح بذلك الآن.