عندما يتحدثون عن موجات الحر التي تضرب مدن الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وجمهوريات روسيا وبقية بلاد الله التي يتجمد الإنسان فيها من البرد معظم أيام السنة , فإنهم يشيرون إلى ارتفاع الحرارة هناك حتى تصل في أسوأ حالاتها إلى 35 أو 38 درجة مئوية! وهي الدرجة التي يخرج الناس فيها إلى الشوارع يلقون بأنفسهم في نوافير الحدائق العامة وأحواضها, بينما يموت البعض منهم لعدم قدرتهم على الاحتمال! أما جداتنا وأمهاتنا فيعتبرن هذه الدرجات (القاتلة) من الحرارة.. براد!! وبرغم ان هؤلاء الجدات والامهات بهذه الدرجة من الصبر والتحمل وقلة الشكوى, الا أنهن قد عرفن الترحال في طلب المناخات الباردة منذ زمن وأحيانا كان الترحال صيفا لطلب الماء والتغيير والتخفيف من النفقات و... إلخ. لكن ذاكرة (التصييف) عند هؤلاء قد بدأت منذ زمن بعيد في سهول منطقة (الباطنة) في سلطنة عمان, وفي (خصب واليادي وبخا وغمضاء) وغيرها في منطقة رؤوس الجبال, وكذلك في واحات ليوا وفي العين ثم تطورت بحسب المستوى المادي لتصل إلى شيراز في ايران ولبنان وبومباي. هذه الذاكرة تتمدد اليوم عند أجيالنا المعاصرة لتصل في سفرها الهارب من مناخ الصحراء الحارق إلى حدود دول اسكندنافيا العذبة في شمال الدائرة القطبية, وإلى الساحل الذهبي الرائع المقذوف برقة وجمال بهي في أقصى شواطئ الشرق الاسترالي, وإلى أقصى سواحل الغرب الأمريكي و... إذن فالهروب من موجات الحر مبدأ قديم وطقس تراثي لم نبتدعه نحن اليوم, وإنما تعارف عليه الأجداد قديما بحسب معارفهم ووسائلهم وامكانياتهم و... فلوسهم طبعا!! والحمد لله اننا ما زلنا أحياء, ونحن نكتوي بدرجات حرارة تصل إلى الخمسين مسببة كل الأضرار و(الأعطال) النفسية والذهنية والجسدية والمادية, ورحم الله العلامة الكبير ابن خلدون) الذي قال إن مناخ البلاد ينعكس مباشرة على نشاط أهلها, وان ما عرف عن (الفرنجة) يقصد بلاد الغرب واوروبا نشاطهم وحماسهم بسبب جمال مناخ بلادهم, وعرف عن أهل افريقيا كسلهم وتدنيهم في مراتب الحضارة ايضا بسبب سوء مناخهم, وهكذا نحن ايضا, ومن يطالبنا بعمل وابداع في هذا الصيف القاتل, فاننا نحيله الى جمعيات حقوق الانسان, والعمال التي تحرم العمل في درجات حرارة تصل الى الاربعين فما بالكم بالخمسين؟ لكننا مع ذلك نعمل ونجهد انفسنا يوميا على الخروج الى جحيم مناخ الصحراء الذي فر اغلب الناس منه الى نعيم لندن واسكتلندا واستراليا ودول الغرب الاوروبي بحثا عن الافياء الظليلة والنسائم العليلة والجمال المنتشر في كل الارجاء بدءا بالغواني الحسان وانتهاء بالماء والخضرة وراحة القلب والبال. ولكننا ايضا كبقية خلق الله نريد ان نرتاح في مكان جميل يجدد لنا الذاكرة وينعش القلب ويتيح لنا مزيدا من الصفاء لقراءات اخرى ومشاهدات اكثر عمقا وتجارب جديدة تضيف لمعارفنا وانسانيتنا وأرواحنا وتثري مفرداتنا واهتماماتنا التي ستعيننا في مقبل الايام على تقديم (أبجديات) اكثر قوة ونفعا وثراء, فاذا لم يجد القارىء الكريم زاوية (ابجديات) التي اعتادها يوميا ابتداء من الغد, فليعلم بأن صاحبتها قد غادرت الى جهة جميلة من بلاد الله الواسعة على أمل قريب باللقاء!