يعود ميلي إلى كتابة هذه المقالة حول(الحملة)الأمريكية والبريطانية على العراق إلى تلك القناعة التي لاحظتها عند الكتّاب الذين تناولوها بالدراسة والتعليق في صحافة الامارات العربية المتحدة , وكذلك إلى هذا الشعور العربي العام بأن هناك تجاوزا لمجموعة من الأخلاق والأعراف الإنسانية التي تعارفت عليها الأمم والعقائد عبر تشريعاتها ومنظوماتها الاجتماعية المختلفة, وكذلك إلى الرفض من مختلف الهيئات الرسمية والشعبية على المستويين العربي والعالمي. ولما كان من أهم سمات الأمم أن تتداخل وتتخالط, وقد زاد هذا بخاصة في العقود الأخيرة عقود المعلوماتية والتقدم التكنولوجي الصاعق, فقد لجأت إلى تنظيم علاقاتها عبر مجموعة من الأنظمة والمواثيق اتخذت شكل مؤسسات رسمية تجتمع تحت اسم ما يعرف بالأمم المتحدة في مؤسساتها المتشعبة وأهمها ما يسمى مجلس الأمن الدولي, وهذه المؤسسات مجتمعة تغطي أنشطة الأمم الحياتية المختلفة من سياسة وتعليم واقتصاد وحقوق الإنسان. وقد نشأت الحاجة لهذه المؤسسات لان مصالح الأمم بداهة لابد من أن تتصادم وتتعارض, الأمر الذي استوجب أن تتمثل أهم واجبات الأمم المتحدة ومؤسساتها في أن تقوم بحفظ الأمن والسلام العالميين من خلال تنظيم علاقات الأمم المتحدة ببعضها بحيث تحفظ لكل أمة حقها بعيدا عن الظلم والقهر والاستعباد والتبعية. وقد اتخذ هذا التنظيم شكلا عرف باسم الشرعية الدولية. ولما كان الكثير من مستوى الحياة البشرية يتوقف على شكل الحياة السياسية لأمة ما, باعتبار ان السياسة ترعى جوانب الحياة المختلفة وتوفر تحقيق هذه الجوانب بمستوى مقبول لحياة حرة كريمة, أو لنقل يفترض أن تكون السياسة كذلك لان بيدها الحل والربط, أقول فقد كان لطبيعة العلاقات السياسية بين الأمم الأهمية الكبرى في تحديد مستوى حياتها الاقتصادية وقدرتها على التطور والتقدم وتحقيق التنمية. ولعل العامل الاقتصادي هو العامل المرشح أكثر من غيره لان يكون الميدان الذي تتصادم فيه الأمم, فعليه يتوقف إلى حد كبير تقدم الأمم وتطورها, الأمر الذي جعل منه نجم النشاط العالمي واهتمامه بدون منازع, واتخذ على يد عالم الاقتصاد الكندي ماكلوين في عام 1963 وجوده الحالي فيما أصبح يعرف بالعولمة Globalization. وبسبب هذا العامل البارز أحيانا الخفي غالبا اختفت التفسيرات والتأويلات بين الأمم لقوانين الأمم المتحدة ومبادئها بمقدار قدرة هذه الأمة أو تلك على تحقيق أسباب القوة والمنعة والتقدم التكنولوجي بعيدا عن القاسم المشترك للأمم المتمثل في الجانب الإنساني, ويمكن صياغة شكل التقدم التكنولوجي لهذه الأمم بما قاله المفكر العربي الدكتور زكي نجيب محمود بأنه كان لهذه الأمم العلم ولم يكن لها الإنسان, وانتهى إلى ان هذا العلم أصبح يحتاج إلى أنسنة, أى ان التقدم الحقيقي يجب ألا يقتصر على الجانب المادي فقط, وإنما يجب أن يتجاوزه إلى الأخلاق والمبادئ الإنسانية أيضا أو ما يمكن الاشارة إليه بحقوق الإنسان. وهذا الجانب, أعني جانب حقوق الإنسان, مهم جدا في صياغة المواثيق الدولية المتعارف عليها, لانها تمثل القاسم المشترك الذي يجمع أمم الأرض وشعوبها من غير اعتبار للجنس أو اللون أو العرق, وهو ما جعل أمم الأرض قاطبة تستند إلى شرعية لها سند قانوني مكتوب في أعلى هيئة دولية يمكن أن تحاسب من يخرج عليها أو يمعن في انتهاكها, وهو ما اصطلح على تسميته بالشرعية الدولية. ويبرز على الساحة الدولية مصطلح الشرعية الدولية من آن لآخر حسب المشكلات التي تنشب بين الدول وتطفو على السطح لكن بعض الدول تتجاوز حقوقها المحددة حسب الاتفاقات المبرمة برعاية الأمم المتحدة, أو ما استقرت عليه الأوضاع وفقا للقوانين التي أقرتها جهات دولية في مجالات متعددة. وقد أنشئت الشرعية الدولية تحت ظل نظام المنتصرين في الحرب, وهو النظام الذي أعطى الخمسة الكبار حق النقض. ولما كانت القوة نابعة من العلم لا الأخلاق أساسا, لان العلم طاقة محايدة يمكن أن تستخدم في العدالة ويمكن أن تستخدم في الظلم والجور, فقد كان غرور القوة الذي أدى إلى تسخيرها بعيدا عن الأخلاق هو المسؤول عما تعاني منه الإنسانية على الدوام من قهر, والأمم المتحدة مسؤولة عن ذلك لانها أصبحت أداة من أدوات فرض السيطرة والهيمنة العسكرية والسياسية للقوى الكبرى صاحبة حق النقض لكل ما لا يتوافق مع مصالحها وتوجهاتها, بل إن هذه الدول الكبرى هي التي تنقض الأخلاق باسم حق النقض وكأنها أخذت تظن أن تميزها بالقوة قد ميزها أيضا في الإنسانية متناسية أن العلم وقل القوة لا يميزان الأمم عن بعضها إلا بمقدار ما يمكن العلم أو القوة من البقاء دائما إلى جانب الحق والأخلاق, أي توظيفهما إلى جانب حق الإنسان من حيث هو إنسان! وفي حالة المنطقة العربية بعد حرب تحرير الكويت وجد العرب أنفسهم وكأنهم وحدهم المقصودون بمقولات النظام الدولي الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي أدى إلى خلو الساحة للولايات المتحدة ذات الباع العسكري الطويل. ولأن للقوة تكاليفها, ولانها هي وحدها القادرة على حماية الثروات, فقد كان من الناحية المنطقية المقبولة نظريا أن تكون الولايات المتحدة هي المعنية بحماية هذه الثروات, وكأن التوازن الطبيعي بين القوة والثروة يتطلب وجود هذه المعادلة, فالثروة مع الضعف تتقابل مع القوة والفقر, ووجود كل منهما ضرورة للآخر. وفي غياب العدل والأخلاق في حالتي القوة والثروة تصبح حاجة كل منهما للآخر أكثر ضرورة. وأعني بالفقر هنا ضريبة ما تحتاجه القوة من ثروة لمد نفوذها وسلطتها, وهو ما تحتاجه الولايات من نفقات باهظة للابقاء على نفسها قوية, فالعنصر - وهو هنا القوة - الذي يريد أن يملك صفة البقاء والديمومة لابد من أن يبقى حاضر الفعل والتأثير, وعدم استخدام القوة يعني تراجعها وانحسارها. وفي الحالة الأمريكية التي نحن بصددها فإن المجتمع الأمريكي قام منذ البداية على أساس انتشار بضعة آلاف من الأوروبيين وسيطرتهم على عدة ملايين من البشر في قارة شاسعة كالقارة الأمريكية إن هذه الحالة هي التي صاغت في العقلية الأمريكية منطق القوة ونفي الآخر, لانه لم يتصل منذ ذلك الحين بفكرة التعايش وإنما بمبدأ الاجتياح أو الابادة والامتداد في أرض الغير الذي لا يعترف بإنسانيته أصلا, وهي الفكرة نفسها التي حملها الأوروبيون إلى أنحاء مختلفة من افريقيا, ثم حملها الصهاينة إلى فلسطين. كما يقول الكاتب حلمي شعراوي في مقالة له بعنوان (الاسترقاق الجماعي الأمريكي) . ويضاف إلى عامل اغراء القوة عامل آخر, هو ان الولايات المتحدة وقل الدول الكبرى كلها لا تغير من أولوياتها بسرعة, فنمو السياسة الاستراتيجية الأمريكية وتطورها كتطور الشعوب لا يتم أو يحدث إلا ببطء, وببطء شديد, وقد أصاب هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق حين وصف الدولة العظمى بناقلة النفط العملاقة, فكلاهما يحتاج إلى وقت طويل لتغيير مساره, وهو حين يفعل ذلك, ينطلق قدما إلى الأمام وبشكل لا يمكن وقفه. والفراغ الأخلاقي وما يمثله من استعلاء على الشعوب الأخرى لا يحتاج إلى مناقشة أو اثبات. لكن الولايات المتحدة بالفعل أعادت ترتيب أوضاعها بعد المتغيرات الدولية, ولا أظن الأمريكيين لم ينتبهوا إلى التغييرات التي حدثت, فسياستهم بنيت منذ زمن طويل على احداث التغييرات التي حدثت للاتحاد السوفييتي, ومواجهة هذا الاحتمال في حال حدوثه, ولعل النظام الدولي التي أكثرت الولايات المتحدة الحديث عنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هو ما جعل بعض الكتّاب يظنون فعلا ان هناك نظاما دوليا قد جرى تأسيسه على يد الولايات المتحدة. لقد كان هناك نظام القطبين, لكن هذا النظام كان غير متوازن من أساسه لان القوة الاقتصادية للمعسكر الشرقي كانت هشة ولا تسمح باستمرار سياسة الردع وديمومتها التي كان يهدف إليها الاتحاد السوفييتي, وان كان نظام القطبين قد أتاح حالة استقطاب حاد وتصارع على مناطق النفوذ, وقد أدى هذا إلى توسيع هامش الحركة والمناورة الاستراتيجية لصنع القرار الوطني والقومي, كما أتاح فرصة للفكاك من أسر الخنوع والتبعية للهيمنة الدولية. وعلى الرغم من ذلك, فإن هذا كشف عن الصعوبة الكبيرة في قيام نظام دولي أو في قدرة الأمم المتحدة على وجه التحديد أن تمارس مهامها بمعزل عن سياسات الدول الكبرى طالما ان ميزان القوى العسكرية والاقتصادية يعمل لصالح هذه الدول. وفي حالة الأمة العربية فإن مجمل حالتها ضعيف نظرا لضعف خلاياها الداخلية, وبالتالي فإن هذه الخلايا أنتجت جسدا مريضا لا يقوى على أن يفرض ارادته وفي أحسن الأحوال أن يلتفت أحد لهذه الإرادة. وخلايا الجسد إذا لم تكن متآلفة مع بعضها كيف يمكن لها أن تكون متآلفة مع الآخر؟ وفي حالة العراق المسكون بالوجع والألم, لا أعتقد أن هناك طريقا للخروج من مأساته الإنسانية إلا بالخروج من مأساته السياسية مع الدول العربية بالتوافق والانسجام مع الدول العربية أولا مما يمهد الطريق له للخروج من تناقضه مع السياسة الدولية أو قل مع السياسة الأمريكية, فليس يعقل أن ينسجم الموقف العراقي مع الموقف الأمريكي أو يتفاوت على الأقل معه, ما لم يتقارب الموقف العراقي مع الموقف العربي في جملته إذا لم نقل يمتزجا بل ويتوحدا. وإذا ما انتقلنا من التنظير إلى التطبيق العملي على سياسة الولايات المتحدة المغايرة لملامح السياسة العالمية الأخرى في الشرق الأوسط وعلى وجه التحديد ازاء العراق, وعندما نقول السياسة الأمريكية فإن السياسة البريطانية كامنة أو ان كلتيهما كامنة في الأخرى, نجد ان الولايات المتحدة لم تحد عن هذه السياسة أبدا. وكأن الولايات المتحدة إذا أرادت تثبيت سياسة في منطقة ما لجأت إلى اثارة مشكلة في منطقة أخرى, وبتعبير أدق إن المناطق الساخنة تعطي المسوغ لها إلى فرض وجودها أو هي ضرورة تستدعي حضورها الفعلي لتؤكد حضورها السياسي بعيد المدى في منطقة حساسة, ولذلك كان الخطأ الاستراتيجي وقل الفضيحة الاستراتيجية التي وقعت فيها القيادة العراقية في احتلال الكويت تعني اخراج العراق من الوجدان العربي, ولك أن تتصور هذا الكره العربي للسياسة العراقية التي أدت إلى هذه الحالة العربية التي لا تسر إلا الولايات المتحدة واسرائيل. ومن هنا فإننا لا نستطيع أن نفهم عدم استجابة الولايات المتحدة للمعارضة الدولية والعربية لوقف العدوان على العراق, إلا من باب الوصول بالعلاقة بين الشعب العراقي وليس القيادة العراقية فقط, إلى حالة عدم العودة والالتئام مع الدول العربية الأخرى. فالأحداث كشفت فعلا ان المسألة لا علاقة لها بالقانون الدولي ولا حتى بتنفيذ القرارات الظالمة نفسها فيما يخص عمليات التفتيش عن الأسلحة المحظورة في العراق, نحن أمام مسألة لها علاقة بترتيبات خاصة بالمصالح الأمريكية البريطانية في المنطقة. ومن هنا نفهم السر الذي يجعل الولايات المتحدة تتعامل مع القرارات الدولية بمعيارين مع العراق ومع (اسرائيل) , والوضع لا يستدعي غرابة, فمبادئ الأمم المتحدة أعطت الولايات المتحدة وضعا انتقائيا يمكنها من حرية المناورة واللف والدوران. وهذا بالتأكيد لا يغيب عن بال صانعي القرار في الدول العربية التي تعرف حدود اللعبة الدولية ولا تملك لها تبديلا أو تغييرا في ظل انقساماتها وتناقضاتها, ولكنها في حال وحدة موقفها تستطيع أن تغير في سياسة الولايات المتحدة على الواقع وما يستتبعه ذلك من موقف الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. فهل يطمح المواطن العربي أن يرى صانعي القرار العرب وقد نظروا إلى الجسد العربي نظرة شمولية بما يجعلهم أصحاب تأثير في السياسة العالمية ويخدم الأمة العربية ويحقق وجودها الفاعل كما كان شأنها في التاريخ؟ كليات التقنية العليا - كلية العين للطالبات