منذ ان وصل ايهود باراك الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية في 17 مايو الماضي ومنطقة الشرق الاوسط وبعض العواصم العالمية لم تهدأ حيث نشطت حركة سياسية لم نعهدها من قبل .. ونستطيع القول بأن هذا التحرك السياسي المكثف يهدف الى الاعداد والاستعداد معا لاستئناف عملية السلام التي كان قد اوقفها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو.. تلك العملية كان يفترض ان تكون قد حققت معظم ان لم نقل كل اهدافها لولا الموقف الذي اتخذه منها نتانياهو. قد يكون من الصعب تناول جميع التحركات بكل تفاصيلها لكثرتها وتشعباتها, لكن يبقى من المهم التركيز على الاساسي منها.. فبداية كانت زيارة الرئيس السوري حافظ الاسد لروسيا التي وصفت بالتاريخية, وقيل فيها الكثير من قبل المراقبين ووسائل الاعلام العربية والاجنبية, من المعقول ومن اللا معقول.. ومع هذا وذاك فالزيارة كانت تهدف اساسا الى مسألتين اساسيتين: 1 ــ ان يكون لروسيا دورها المفترض في حال استئناف عملية السلام, اذ من غير الجائز والاصح ليس في مصلحة العرب حتى ولا في مصلحة عملية السلام ان تنفرد الولايات المتحدة بهذا الموضوع, لا سيما وانها لا يمكن ان تكون محايدة بل انها ستكون كما هي دوما مع اسرائيل.. ثم ان عودة روسيا الى الساحة الدولية من خلال عملية السلام قد يعيد لموسكو بعض ما فقدته في حرب البلقان حيث كانت النتائج بالمطلق تقريبا تصب في الخانة الامريكية اولا والاطلسية ثانيا.. وبطبيعة الحال وكما بدا واضحا خلال زيارة الرئيس الاسد لموسكو, كانت القيادة الروسية الاكثر اغتباطا بتلك الزيارة لانها جاءت في الوقت المناسب تماما بالنسبة لها. 2 ـ مما لاشك فيه انه كان لسوريا رؤيتها واهدافها الخاصة ايضا, ومن ذلك محاولة الحصول على سلاح حديث يمكنها من دخول مفاوضات السلام وهي اكثر قوة وثقة, وهذا ما حدث بالفعل ثم ان من صلب سياسة سوريا فيما يخص عملية السلام عدم تفرد جهة دولية واحدة بهذا الموضوع.. وقد رأينا كيف حاولت سوريا ان يكون لاوروبا الغربية دورها الخاص في عملية السلام, ان كان عند زيارة الرئيس الاسد لفرنسا عام 1998 او من خلال فرض فرنسا كعضو دائم في لجنة تفاهم ابريل التي انشئت على اثر عدوان ما سمي بعناقيد الغضب عام 1996 اي مجزرة قانا لكن كما لوحظ فيما بعد ان اوروبا الغربية ليس باستطاعتها الخروج عن الاطار الامريكي وقد تكون لا تريد ذلك لاسبابها الخاصة, ومن هنا جاء التوجه السوري الى روسيا لعل وعسى ان يكون هناك نوع من التوازن ولو بحدوده الدنيا حرصا على اقامة سلام حقيقي وفق قرارات الشرعية الدولية. تحركات مكثفة وبعد تشكيله حكومته مباشرة بدأ ايهود باراك تحركه المنتظر, حيث التقى الرئيس المصري حسني مبارك ومن ثم ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية, وكذلك العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني.. واجرى معهم محادثات ذكر انها كانت مفيدة تحددت خلالها الخطوات المستقبلية, ويقال بأن الرئيس مبارك حدد لباراك مهلة شهرين تقريبا على الاكثر لاتخاذ قرار استئناف عملية السلام وان باراك قد استجاب لذلك.. ويقال في صدد لقاءات باراك مع المسؤولين العرب ان لقاءه مع الملك عبدالله كان الاهم, اذ جرى خلاله تبادل آراء عملية لاستئناف مفاوضات السلام فيما يخص المسارات كافة, لا سيما وان الملك الاردني ذهب للقاء باراك وهو مزود كما تردد بموقف سوري دقيق كان قد حصل عليه من رئيس ديوانه عبدالكريم الكباريتي الذي التقى الرئيس الاسد قبل لقاء العقبة بين باراك والملك بيوم واحد.. هذا عدا عن الاهتمام الاردني المعروف بالمسار الفلسطيني وحساسيته الدقيقة بالنسبة للاردن, اذ يريد الاردن ان يكون شريكا فاعلا بشكل او بآخر في موضوع الحل بين القيادة الفلسطينية واسرائيل. وباراك الذي حاول الظهور خلال هذه الفترة وبخاصة اثناء لقائه المسؤولين العرب بمظهر المحب للسلام والداعي له والحريص على العمل مع الجميع من اجل انجاز هذا السلام الذي اكد هو شخصيا على انه يجب ان يكون حقيقيا, ختم تحركه السياسي المكثف بلقاء الرئيس الامريكي بيل كلينتون حيث اجريا محادثات مطولة تناولت جملة من المواضيع التي تهم الجانبين, غير ان تركيزه انصب على ضرورة استئناف عملية السلام بسرعة وتفعيلها من اجل ان تحقق اهدافها في الوقت المناسب الذي يحقق للرئيس الامريكي ولحزبه الديمقراطي نصرا معينا يفيده في الانتخابات المقبلة. ويقال في هذا الصدد ان الادارة الامريكية الحالية مصممة على تحقيق انجاز ما في الشرق الاوسط, في محاولة لاعادة تأكيد مصداقيتها التي افقدها اياها رئىس حكومة الليكود نتانياهو من خلال السياسة التوسعية والعدوانية التي اتبعها ضد العرب وازاء عملية السلام, والتي هي في الاساس موجهة ليس ضد العرب وحسب وانما ضد الادارة الامريكية ذاتها.. وهناك الكل يذكر ويتذكر التهديد الذي وجهه نتانياهو للبيت الابيض باحراق واشنطن العاصمة. والواقع ان سياسة نتانياهو الاستفزازية وعدم مواجهتها كما كان يفترض من قبل الادارة الامريكية قد افقد القيادة الامريكية مصداقيتها في الشرق الاوسط وكثير من دول العالم.. وللتاريخ لا اكثر فان الحرب التي افتعلت في البلقان سيثبت الزمن يوما ما بأنها كانت نوعا من التعويض عن الهيبة التي فقدتها امريكا في الشرق الاوسط من وراء سياسة نتانياهو وحكومته. والآن, وعلى الرغم من انه لم يخرج عن اجتماع باراك ـ كلينتون الشيء الكثير او ماهو مطلوب بالنسبة لعملية السلام, الا ان الشيء المؤكد هو ان الادارة الامريكية جادة فعلا بتحقيق اي شيء فيما يتعلق بالسلام.. وقد كانت وزيرة خارجية امريكا مادلين اولبرايت في غاية الوضوح عندما اكدت في آخر تصريح لها بأن السلام ينبغي ان يقوم خلال عام.. ودعت الاطراف المعنية الى استيعاب ذلك والعمل معا لتحقيق هذا الهدف. ولاجل هذه الغاية فمن المقدر ان تصل اولبرايت الى المنطقة اوائل الشهر المقبل حيث من المقرر ان تضع ثقلها بالكامل لانجاز الهدف الذي اكدت عليه.. وفي هذا الصدد ايضا فقد بات شبه مؤكد ان الادارة الامريكية سوف تتبع اسلوبا جديدا لانجاز عملية السلام, حيث من المقرر كما تردد تشكيل طواقم امريكية محددة مخصصة لكل مسار, وسيكون لهذه الطواقم دورها الفاعل في المساعدة على تخطي اية عقبة تظهر خلال المفاوضات .. ومن المنتظر أن يكون مارتن انديك رئيس الطاقم الخاص بالمسار السوري اللبناني على أن يكون دينس روس رئيس الطاقم الخاص بالمسار الفلسطيني. وقد تردد ايضا ان الادارة الامريكية هي الأكثر استعجالا لاستئناف عملية السلام, وهناك من يرى ان الادارة الامريكية قد كونت خلال الأسابيع الماضية بالتشاور مع الأطراف المعنية أفكارا محددة سوف تطرحها عند استئناف المفاوضات .. ومن هنا قد يكون صحيحا ان المفاوضات لن تكون سهلة لكن هناك من يرى انه طالما ان هناك رغبة أمريكية بتحقيق انجاز محدد ومهم خلال عام فمن غير المستبعد على الاطلاق ان يتم ذلك, بخاصة وان أمريكا هي الأكثر (مونة) وتأثيرا على اسرائيل. باراك ونتانياهو ومن يعود الى التصريحات الاسرائيلية, بخاصة تصريحات باراك, لاشك يلمس الفارق بينه وبين سلفه نتانياهو, وان كان هناك من يؤكد ان باراك الجنرال وانه أعطى بعض الاشارات الايجابية التي قوبلت بإشارات عربية أكثر ايجابية وانه حقا غير سلفه نتانياهو, لكن لابد من الاشارة هنا الى انه قد لايكون أقل صهيونية وتحمسا للصهيونية وأفكارها من نتانياهو نفسه .. أليس باراك هو القائل بأنه يريد سلاما يحقق من خلاله نصرا للصهيونية؟ ثم أليس هو القائل بأنه لن يعود الى خطوط الرابع من يونيو عام 1967 وانه لن يقوم بالغاء أو تفكيك ما هو قائم من المستوطنات؟ وان القدس ستبقى موحدة وعاصمة اسرائيل الأبدية؟ كذلك أليس هو القائل بأنه على استعداد لاستئناف التفاوض مع سوريا من النقطة التي توقفت عندها .. لكنه لن يقوم بانسحاب كامل من الجولان؟ ثم أليس هو الذي عاد وكرر النغمة القديمة المتمثلة بوجوب وجود محطات إنذار اسرائيلية في الجولان وهذا ما كانت قد رفضته سوريا في السابق؟ والذي رفضته سوريا في السابق يستحيل ان تقبل به اليوم أو غدا, وهذا ما عادت وأكدت عليه قبل أيام على لسان متحدث رسمي. وهكذا ... فان كان صحيحا ان باراك أطلق بعض الاشارات التي أوحت بأنه رجل سلام وانه مستعد لاقامة سلام حقيقي مع العرب كما أعلن في خطابه أمام الكنيست, غير ان الصحيح ايضا انه مناور من الطراز الأول لايبوح بما هو مقتنع به الا في الوقت المناسب. وعلى هذا وكما يرى كل متتبع لأوضاع المنطقة انه في حال استئناف عملية السلام, فإن الأمور لن تكون بهذه السهولة والبساطة التي يتصورها البعض .. فالأمور ستكون معقدة جدا, وستظهر من الجانب الاسرائيلي كما هي العادة دائما اشتراطات لا علاقة بها بنصوص عملية السلام ومرجعية مدريد, أي ستكون هناك طروحات تعجيزية .. والخوف هنا كل الخوف ان تتوجه الضغوطات الأمريكية التي أشارت اليها مادلين أولبرايت ولو بشكل غير مباشر ضد العرب, وليس ضد اسرائيل كما هو مفترض. وعلى اعتبار ان باراك بدأ يردد مقولة سلفه نتانياهو (نغمة الأمن الاسرائيلي) فهنا الخشية من اعادة طرح مبدأ (الأمن مقابل السلام) وهذا يعني ان الأرض أصبحت خارج معادلة السلام .. وما دفعنا الى طرح هذا التخوف تصريحات باراك المتكررة حول أمن اسرائيل بينما يتجاهل تماما أمن العرب. التمسك بالثوابت والحقوق لعل من المفيد ان نعيد التركيز بأن الحماسة العربية الواضحة لتحقيق سلام يقوم على العدل والشمولية وفق مرجعية مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام, ينبغي ان تكون مبنية على الحذر الشديد في كل مراحل المفاوضات, وهذا يعني التمسك المطلق بثوابت الحل وعدم الرضوخ لأي ضغط من أي جانب كان .. فاسرائيل ومن خلال تصريحات باراك يكتشف المرء بأنها ما زالت تحلم بتحقيق سلامها الخاص بها, ومن غير المستبعد أن يعمل باراك على هذا الخط وان بأساليب مختلفة عن سلفه نتانياهو .. وعلى هذا فالعرب مطالبون بالتدقيق أكثر بكل صغيرة وكبيرة وعدم الانزلاق الى مواقف تسجل عليهم قد تعتبر تراجعا عن الثوابت الوطنية والقومية, وبالتالي تخدم اسرائيل وأهدافها وتضر بالعرب ومصالحهم. الموقف السوري من موضوع السلام واستئناف المفاوضات واضح ومعلن, وكل ما يشاع هنا وهناك عن تراجع ما في موقف سوريا حول هذه النقطة أو تلك لايعدو كونه نوعا من التشويش .. فموقف سوريا من محطات الانذار المبكر التي طالبت بها اسرائيل سابقا معروف وهو الرفض المطلق لهذه المحطات, وقد قالت سوريا وبوضوح تام في مفاوضات (واي بلانتيشن) وبحضور الجانب الأمريكي أي في عهد اسحق رابين, ان الترتيبات الأمنية يجب أن تكون متوازنة ومتبادلة وقد جرى تثبيت ذلك في وثيقة الأهداف والمبادئ التي اتفق عليها مع الجانب الاسرائيلي عام ,1995 ثم ان سورية كانت وما زالت تؤكد رفض أي سلام لا يحقق لها الانسحاب الكامل من الجولان الى خط الرابع من يونيو عام ,1967 وكذلك الانسحاب من جنوب لبنان وفق القرار الدولي (425) نصا وروحا. قد يكون من المفيد في مرحلة ما ابداء بعض المرونة من قبل العرب, لكن على ألا يكون ذلك على حساب الثوابت والحقوق الوطنية والقومية, وبشرط ان تكون هذه المرونة حذرة ومدروسة بدقة, أي بعيدة عن أي تنازل من أي نوع. صحيح ان ابواب السلام قد تكون الآن أصبحت مشرعة أكثر من أي وقت مضى, وصحيح ان هناك فرصة تاريخية بحق وقد لا تتكرر, لكن الوضع برمته يتوقف على اسرائيل على اعتبار ان العرب قدموا كل ما هو مطلوب وممكن لانجاز عملية السلام .. والحقيقة انه لم يعد لديهم ما يقدمونه سوى التنازل عن حقوقهم, في حين اسرائيل لم تقدم أي شيء حتى اللحظة يخدم عملية السلام لتحقيق أهدافها الموضوعة .. من هنا نقول ان على اسرائيل ان تستجيب لمتطلبات السلام الحقيقي اذا كانت فعلا راغبة بإقامة سلام آمن ومستقر, وإذا لم تكن استجابتها كاملة لمتطلبات السلام فعليها عند ذلك ان تتحمل المسؤولية كاملة .. مسؤولية كل ما قد ينتج في حال فشل عملية السلام .. حتى ان الادارة الامريكية تتحمل قسطا كبيرا من هذه المسؤولية, فاسرائيل مطالبة بأن تدرك هذه المرة ان العرب يستحيل ان يتنازلوا عن حقوقهم, وعليها ان تعمل بنوايا مختلفة عما سبق وتتفاعل مع جهود السلام الخيرة لنصل جميعا الى سلام يوفر الأمن والاستقرار للجميع. وتبقى الاجابات على العديد من الأسئلة معلقة .. لاسيما بعدما تسرب عن مباحثات باراك وكلينتون من أنهما اتفقا على انجاز السلام الكامل في موعد أقصاه نوفمبر عام 2000. مدير تحرير جريدة البعث السورية