اعتاد المراقبون على التعامل مع لغة الدبلوماسية على أنها (شفرة) تحتاج إلى فك رموزها, لكن التكرار في قاموس هذه اللغة لدى بعض الدول, وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية , خلال العقد الأخير جعل من شفرتها رموزا واضحة ليست في حاجة إلى النظر في كتب الرموز, وليست في حاجة إلى خبراء في فك الشفرة, فقد تكررت كلماتها في السنوات الأخيرة حتى أصبح من الممل تحليلها لمعرفة ما ترمي إليه, ومن كلماتها المكررة: الأمن الوطني, حقوق الإنسان, حفظ السلام والاستقرار, حماية الديمقراطية ... الخ. حين تتحدث الولايات المتحدة عن الأمن فهي تتحدث عن أمنها الخاص, وأمن مصالحها, بغض النظر عن تعارض هذا الأمن مع أمن الآخرين, حتى لو كانوا من الشركاء أو الأصدقاء, وأصبح حديثها عن الأمن في السنوات الأخيرة لا يعني سوى (الحرب) , الأمن في اللغة الدبلوماسية الأمريكية يعني بالضبط (الحرب) ولا شيء غير ذلك, وإن كانت هناك كلمات أخرى دخلت مؤخرا على الخط في هذه اللغة, فأصبحت كلمات مثل (حقوق الإنسان) أو (حفظ السلام والاستقرار) تعني (الحرب) أيضا, وما حدث في يوغسلافيا مؤخرا كان مرتبطا بالأمن الأمريكي الذي جر الشريك الأوروبي إلى حرب كادت تتحول إلى مستنقع فيتنامي جديد, لولا أن الدب الروسي (يلتسين) غارق في معاركه مع برلمانه, ومشغول بتغيير رؤساء وزرائه, وأصبحت مصالحه الشخصية تلتقي مع مصالح (الأمن الأمريكي) , وتقدمها على الأمن الوطني مقابل قروض صندوق النقد الدولي. تغيير المسار ما أن انتهت الولايات المتحدة من حفظ (أمنها) في أوروبا بانتهاء الحرب اليوغسلافية حتى بدأت تتحدث عن (أمنها) في مناطق أخرى من العالم, الحديث عن الأمن هذه المرة لم يكن في الشرق الأوسط, لأن كل شيء مستقر فيه حسب لغة الدبلوماسية الأمريكية وليس فيه ما يقلق, وليس في أفريقيا ما يقلق أيضا, بعد أن أصبح (كابيلا) صمام الأمان الأمريكي ضد التوسعات الأوروبية, خاصة الفرنسية في القارة التي كانت لا تزال وستظل سوداء. أما جنوب شرق آسيا فتم محوه من على الخريطة بعد أن تمكنت رؤوس الأموال الأمريكية من القضاء على رفاهية النمور الآسيوية بفضل خدمات صندوق النقد الدولي الجليلة, ولم يعد هناك سوى مكان واحد يثير قلق سكان البيت الأبيض, انها منطقة أمريكا اللاتينية التي بدأت تتحرك مؤخرا باتجاه الاتحاد الأوروبي, خاصة بعد مؤتمر (ريو دي جانيرو) , الذي لم يكن فيه للوجود الأمريكي مكان. لكن إذا كانت دول جنوب أمريكا اللاتينية قد اتخذت قرارها بالتحرك خارج الخطوط المرسومة في واشنطن, فانه لا بد من إعادتها إلى الحظيرة, وحتى يمكن إعادتها إلى الحظيرة لا بد من البحث عن منطقة ساخنة تعتبر خطرا على (الأمن) طبقا للمنطق الأمريكي, أي على الأمن الأمريكي, وليس على أمن تلك الدول, ولأن المخابرات المركزية فشلت في إحراز ما يمكنها أن تتباهى به في يوغسلافيا, وتتسبب في أكبر أزمة لا داعي لها مع الصين, التي تعتبر أكبر قوة غير مروضة في العرف الأمريكي, فإنها تحاول أن تغسل عار ضرب السفارة الصينية في بلجراد باستخدامها سهولة تحركها بين عملائها المخلصين في أمريكا اللاتينية, وما أكثرهم خاصة في القوات المسلحة, فأشعلت الوضع في كولومبيا ما بين حركة تحرير كولومبيا والرئيس اندريس باسترانا, على الرغم من الخطوات التي تحققت بين الجانبين على طريق التوصل إلى حل للحرب الأهلية الدائرة هناك, والتي تعتبر أقدم حرب أهلية في العالم. تماما كما تعودت الولايات المتحدة بعد تجربة حرب فيتنام أن تقدم الآخرين ليكونوا ضحايا حربها الجديدة, بدأت تثير إمكانية انتشار الوضع المتدهور في كولومبيا ليشمل كل الدول المجاورة, وبدأت تجس نبض تلك الدول المجاورة واحدة بعد الأخرى لعلها تقنع المسؤولين فيها بأن أمنهم مهدد لارتباطه بالأمن الأمريكي. بدأت بفنزويلا, لكن الكولونيل السابق هوجو تشابث مشغول بتصفية حساباته مع الأحزاب السياسية التي تحاول إعاقة حركته في الداخل, إضافة إلى أنه ليس من نوعية الانقلابيين الذين تعودت واشنطن على التعامل معهم في القارة اللاتينية طوال عقود عديدة, لذلك رفض الرئيس الفنزويلي, لأنه ببساطة مشغول هذه الأيام بفرض مشروعه السياسي الذي يهدف بالتحديد إلى القضاء على الطبقة السياسية التي أفسدتها الولايات المتحدة. ونظرا إلى أن الأنظمة الحاكمة في تلك الدول تنطبق عليها المواصفات (الديمقراطية) التي ترفع الولايات المتحدة شعارها, كان لابد أن تكون دعوة تلك الدول إلى الانضمام إلى فكرة الأمن الأمريكية تحت ستار الدفاع عن الديمقراطية في كولومبيا, وفي الوقت نفسه نشر أفكار تخويفية من انتشار هذا الخطر. الترغيب والترهيب لذلك توجه جس النبض الأمريكي إلى البرازيل والبيرو والأرجنتين باعتبارها دولا مجاورة لكولومبيا, وكان جس النبض يشمل التخويف أيضا من انتشار الحرب الأهلية الكولومبية باتجاه هذه الدول, إلا أن ردود الفعل من جانب المسؤولين في هذه الدول مع اختلاف لغاتها, لم تكن ما تتوقعه الولايات المتحدة, إلا أنها كانت في النهاية بدأت تصب باتجاه رفض الحديث عن تدخل أجنبي, أي رفض التدخل الأمريكي, وتحت الشعار نفسه (الدفاع عن الديمقراطية) . جاء الرفض الأول من جانب انريكي كاردوسو رئيس البرازيل التي تعتبر أكبر دولة في المنطقة, مدعوما برد رئيس البيرو ألبيرتو فوجيميوري, حيث أعلنا معا خلال بيان مشترك بمناسبة زيارة الرئيس البرازيلي للبيرو, أن التدخل في كولومبيا قد يفتح الباب واسعا أمام عودة عدم الاستقرار إلى أمريكا اللاتينية من جديد, أي عودة حكومات الكولونيلات والجنرالات الانقلابية, وإيقاظ المشاكل الحدودية القديمة. أما الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم فقد كان رده يحمل معاني كثيرة: أولها أنه ليس أمامه الوقت الكافي ليحقق لواشنطن مطالبها كدولة لها أفضالها عليه وعلى السلطة التي يتولاها, لكن رغبته القديمة في تقديم خدماته للصديق الأمريكي ليست خالصة لوجه هذا الصديق, بقدر ما هي رغبة في تحقيق انتصار شخصي حلم به كثيرا, ولكن الولايات المتحدة لم تحقق له هذا الحلم على الرغم من الخدمات التي قدمها لها, سواء بالمشاركة الفعلية أو الرمزية, كما حدث في مشاركة البحرية الأرجنتينية بشكل رمزي في حرب الخليج الثانية, أو اتهامه لدول معادية للولايات المتحدة بالإرهاب, فقطع علاقات بلاده بتلك الدول استجابة للصديق الأمريكي, الذي كان يعتبره حتى وقت قريب حليفا استراتيجيا لبلاده, لكنه ليس حليفا بالقدر الذي يدعو الولايات المتحدة إلى العمل على تحقيق أحلامه في البقاء في السلطة. كان رد الرئيس منعم أن تكون موافقة بلاده على التدخل في كولومبيا أو أي مكان في تلك القارة الكبيرة مقابل انضمامها إلى حلف الأطلسي (!), لتكون بذلك أول دولة أمريكية لاتينية عضوا في هذا (النادي) الخاص, فيحقق بذلك ضربة سياسية ربما تعيده من جديد إلى مقعد الرئاسة في المستقبل, بعد أن فقد الأمل في الاستمرار فيه بعد نجاح منافسيه في إفساد محاولاته تفسير الدستور على هواه. البحث عن ذريعة الولايات المتحدة متعجلة في إيجاد ذريعة لتدخلها في كولومبيا, لأنها في حاجة ملحة إلى ذلك, لأن الأوضاع الحالية, والتغييرات المنتظر حدوثها خلال الأشهر القليلة المقبلة تؤكد أنها في طريقها إلى خسارة مواقع متعددة في القارة, لذلك لن تهدأ حتى تشعل المنطقة لتؤكد حاجة أمريكا اللاتينية لقوات الولايات المتحدة, التي اقترب موعد انسحابها من قواعدها في وسط أمريكا اللاتينية بعد تسليم قناة بنما للسلطة الوطنية وخروج قوات (كوماندوز الجنوب) من قواعدها في بنما مع نهاية هذا العام, فتفقد بذلك فرصة تدخلها لقمع أي نظام يتمرد على هيمنتها. إن لم يأت طلب التدخل من جانب الجيش الكولومبي أو رئيس كولومبيا نفسه, فإن الولايات المتحدة لن تقبل فشلها في جر دول أمريكا اللاتينية إلى التدخل في كولومبيا تحت غطاء الحفاظ على (الأمن) , لأنه حسب تصريحات الرئيس كلينتون فان هذا الأمر يتعلق بالأمن الوطني لبلاده, أي أنه لن يسمح بتعريض هذا الأمن للخطر, وهو ما يمكن أن يفهمه زعماء أمريكا اللاتينية على أن هذا التدخل من جانب الولايات المتحدة يمكن أن يحدث في أية لحظة وتحت أية دعوى, وقبول تلك الدول كان يمكن أن يوفر للتدخل الأمريكي مجرد غطاء شرعي في مواجهة الرأي العام العالمي, لكن إذا دعت الحاجة يمكن التدخل دون أية حاجة إلى أي غطاء كما حدث من قبل في (جرانادا) . لذلك علينا أن نعد أنفسنا لمواجهة حرب جديدة في أمريكا اللاتينية, حرب وشيكة الوقوع لن يؤجلها سوى أحراش المنطقة التي قد تدفع كلينتون إلى التفكير طويلا قبل الدخول في مغامرة غير مأمونة العواقب, لأن أحراش كولومبيا لا تصلح فيها حرب الصواريخ الموجهة التي قادها في يوغسلافيا بلا ضحايا, بل هي حرب ضحاياها مؤكدين, ورفض دول الجوار في أمريكا اللاتينية الدخول في الحرب مباشرة يفرض على كلينتون أن يدفع بجنود أمريكيين, أي أن الدماء هذه المرة ستكون أمريكية. كاتب مصري مقيم في اسبانيا.