ان دساتير العالم قد خلت من نصوص صريحة بشأن استقلال المحاماة بينما رسخت الشرائع والدساتير والمواثيق الدولية مبدأ استقلالية القضاء. ولعل السبب في ذلك ان السلطة القضائية كإحدى سلطات الدولة الثلاث تعد أكثر السلطات رسوخا وفعالية , بينما المحاماة لا تكون عموما جهازا لسلطة الدولة, وان استقلال مهنة المحاماة يفرض وجوده لأنها بعيدة عن سلطات الدولة. واستقلالها الذاتي مكفول بالتشريع بقضية حق الدفاع, وبالتقاليد والأعراف الاجتماعية والمهنية وبنفس طبيعة العمل الذي يؤديه المحامون, فمهمة القاضي هي احقاق الحق ومهمة المحامي دفع الظلم. والمحامي الذي لايستطيع ان يحمي حرية موكليه وحقوقهم ويستميت حيالها خير له أن يترك مهنة المحاماة, وهي مهنة حديثة العهد ولم تكن معروفة في العصر الجاهلي أو في صدر الاسلام. ويحسن بنا ان نقدم بداية لمحة عن القضاء قبل الاسلام. القضاء قبل الاسلام القضاء ملازم للمجتمع, إذ هو نتيجة حتمية للاجتماع. فايما أفراد التقوا في بقعة من الارض وألفت بينهم مصالح مشتركة استلزم اجتماعهم هذا وقوع الخلاف لتباين الآراء والأهواء, واستلزم هذا الخلاف البحث عن طريق لحله. هذا ما قرره علماء الاجتماع, وهذا ما استقرأه مؤرخو الحضارات. فمن الثابت في نصوص القرآن الكريم, وفي الحديث النبوي, وفي كتب السيرة وفيما جاء من بعض المؤرخين والباحثين, ان العرب قبل الإسلام, كانوا يسعون الى الرزق بمختلف الوجوه التي كانت معروفة في أيامها, على تفاوت في رقيها وانحطاطها لما أملته طبيعة الجزيرة الجغرافية من جهة, ولما عليه طبيعة مجتمعهم, من جهة أخرى. وعلى هذا, فإننا نرى أن المجتمع الجاهلي قبل الاسلام, قد دعته الحاجة لأن يوجد نوعا من أنواع القضاء, ارتضاه لحل خلافاته, ووضع له بعض القواعد والأعراف, لأنه لايستقيم في حكم العقل, أن يكون هذا المجتمع على تفككه, وغلبة العصبية وطغيان روح القبيلة عليه, مجتمعا يعمل في التجارة وفي استثمار الأموال وفي غير ذلك من ضروب البحث عن الرزق, دون ان يقع فيه خلل ودون ان تكون امام المختلفين وسيلة للتقاضي والانتصاف. مجتمع كهذا لم يكن ممكنا أن يكون جميع المتعاملين فيه على وفاق, أو أن لايكون للمطامع البشرية ولا للأهواء النفسية نصيب فيه, وأن لا يعدو القوي على الضعيف, والعزيز على الذليل كذلك لم يكن طبيعيا أن يبقى الضعيف أو الذليل من غير ناصر يحميه, أو قاض ينتصف له من القوي, وان الذي دعانا الى هذه المقدمة إنكار بعض المؤرخين لوجود القضاء قبل الاسلام. وإذا كانت النصوص المتوفرة لدينا لا تدل على وجود نظام قضائي كالذي نعرفه في هذه الأيام أو كالذي عرفه الرومان أو غيرهم من الأمم القديمة, فهذا لا يعني أن العرب قد جهلوا التقاضي, فعلى الرغم من قلة النصوص الباحثة عن القضاء قبل الإسلام, وعن اضطراب بعضها وغموض بعضها الآخر فإننا نستطيع أن نقرر مطمئنين أن العرب عرفوا في جاهليتهم القضاء بمعنييه المدني والجنائي. فإنه روي ابن عبد ربه في العقد الفريد, أن الحارث بن قيس, قد انتهى اليه الشرف في قريش في الجاهلية فوصله بالإسلام, وكانت اليه في الجاهلية (الحكومة) والحكومة هنا تعني القضاء, وقال المرزوقي (ان أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم) وكان آخر من قضى منهم ووصل الى الإسلام الأقرع بن حابس. وروى البناري في باب القسامة أن رجلا من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى فانطلق معه في ابله, فمر الأجير الهاشمي برجل آخر من بني هاشم وقد انقطعت عروة جوالقه, فقال أغثني بعقال أشد من عروة جوالقي كيلا تنفر الإبل فأعطاه عقالا فشد به, فلما نزل القرشي وأجيره الهاشمي تحصلت الإبل إلا بعيرا واحدا, فقال القرشي, ما بال هذا البعير لم يعقل, فقال الأجير ليس له عقل فقال: فأين عقاله؟ وقذفه بعصا كان فيها أجله, وقبل ان يقضي الجير الهاشمي مر به رجل من أهل اليمن فقال له الأجير: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم قال: إذا شهدت الموسم فاسأل عن أبي طالب, فأخبره ان فلانا قتلني في عقال. ومات الأجير فلما أتى الذي استأجره, أبوطالب وقال له: ما فعل صاحبنا قال: مرض, فأحسنت القيام عليه ووليت دفنه. قال: قد كان أهل ذلك منك. قد وصل الرجل اليمني الذي أوصى اليه المقتول وافى الموسم, ثم جاء أبا طالب وقال له: امرني فلان أن أبلغك رسالة, أن فلانا قتله في عقال. فأتى أبو طالب المستأجر القرشي فقال له: اختر إحدى ثلاث إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فأنت قتلت صاحبها, وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله, فان أبيت قتلناك به. يعلق أحمد أمين على هذه القصة فيقول: هذه القضية الجنائية التي حدثت قبيل الإسلام تدلنا على أنواع كثيرة من النظام القضائي عندهم, ويظهر أن مكة قبيل الإسلام, بلغت شيئا من الرقي في نظامها الحكومي, ومنه القضاء, كما يدلنا على ذلك ما روى من توزيع العمال على عشرة رجال من عشر أبطن, كالحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء, وكان من هذه الأعمال شيء يتعلق بالقضاء عهد به الى أبي بكر في الجاهلية, فقد ذكروا انه عهد اليه بالإنفاق, وهي الديات والمغارم. ويقول أحمد أمين (إن العرب كانوا لايتحاكمون بقانون مدون, ولاقواعد معروفة, إنما يرجعون الى عرفهم وتقاليدهم التي كونتها تجاربهم أحياناً ومعتقداتهم أحيانا أخرى, وما وصل اليهم من طريق اليهودية أحيانا, ولم يكن لهذا القانون الجاهلي المؤسس على العرف والتقاليد مؤيد, ولا كان المتخاصمون مؤمنين بالتحاكم اليه, والخضوع لحكمه, فان تحاكموا اليه فيها, وإلا فلا, وإن صدر الحكم أطاعه من شاء ومن لم يطعه فلا شيء أكثر من ان يحل عليه غضب القبيلة. ويتابعه منير العجلاني بالرأي القائل ان الحكام العرب لم يكونوا قضاة, ولكن كانوا محكمين, يستمدون ولايتهم من الخصوم الذين اختاروهم للحكم, لا من الدولة, وقد أشتهر في الجاهلية عدد كبير من هؤلاء الحكام, فمن الرجال الأقرع بن حابس, وجابر بن زرارة, واكثم بن صيفي, وعبدالمطلب بن هاشم, جد الرسول (ص), ومن النساء حذام بنت الريان, وسحر بنت لقمان, وهند الايادية. ولعل أحمد أمين أقرب الى الصواب من العجلاني, وهو اسبق, حينما قرر أن المتمرد على حكم القاضي حل عليه غضب القبيلة, وفي رأينا ان هذا المؤيد الذي أشار اليه أحمد أمين, وأغفله العجلاني, أقوى من أي مؤيد آخر نعرفه في هذه الأيام ذلك بان النظام القبلي قائم على التضامن قبل كل شىء, ومن حل عليه غضب القبيلة أصبح منبوذا طريدا شريدا, لا تستقيم له حياة ولا يأمن على ماله وأهله وولده, ومن يعرف عيش القبائل, واحترامها لشيوخها وطاعة أفرادها, حتى في أيامنا هذه, عرف معنى (غضب القبيلة) , وفي ظني أن ما أوردنا في هذا الحديث يحمل بعض آثار القضاء ومشاهده في الفترة التي سبقت الإسلام. ومن المفيد أن نتناول البحث في قسمين: 1 ــ القسم الأول: القضاء في صدر الإسلام. 2 ــ القسم الثاني: القضاء في العصر الحاضر. استقلال القضاء في الإسلام حمل الإسلام فيما حمل الى العرب والعالم, التنظيم القضائي, والقواعد الأساسية التي ينبغي أن تفصل الخصومات وفقا لها, ذلك بأن الإسلام قد أنشأ مجتمعا جديدا في بادىء الأمر, ثم جعل رسالته الى الناس. والقضاء ركن اصلي في بناء المجتمع الجديد, وأنشئت (الدولة الجديدة) لان الاسلام لم يكن دينا سماوياً يدعو الى عبادة الواحد الاحد وحسب, وانما كان نظاما دنيوياً ايضاً, تناول شؤون الدولة كلها, فوضع لها الاسس التي ما زالت ثابتة حتى اليوم, والتي اعتبرت لدى اكثر منظمات التشريع الدولية, مصدراً من المصادر الكبرى التي يرجع اليها ويعول عليها, ولم يكن طبيعياً ان يخلو المجتمع الجديد (حتى ايام الرسول صلى الله عليه وسلم) من الخلافات المدنية ومن الجرائم الجنائية, فكان شخص الرسول صلى الله عليه وسلم المرجع الاول الذي يلجأ اليه المتخاصمون, او ليفهموا حكم الله, واما ليسمعوا القول الفصل من فم النبي العربي. والذي يبدو من الرجوع الى الكتب التي بحثت عن اسباب النزول, والى كتب السيرة, ان الاوائل من المسلمين لم يكونوا جميعاً على مستوى واحد من فهم الدين الجديد,, ومن معرفة مقام مبلغ هذا الدين, يدل على ذلك ما رواه الطبري من (ان رجلين من اليهود, تخاصما, فتنافرا الى كاهن بالمدينة ليحكم بينهما وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم وكان اليهودي يدعو الانصاري الى نبي الله, وقد علم انه لن يجوز عليه, وجعل الانصاري يأبى ويدعوه الى الكاهن, فأنزل الله تعالى: (ألم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت, وقد أمروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالاً بعيدا), الى ان يقول (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). هذه الآية الثانية, تسمية للرسول الاعظم, صلى الله عليه وسلم قاضياً للمسلمين, وانه وحده مرجع حل جميع علاقاتهم, وبحكم هذه الآية لم يعد للمختلفين الخيار في شخص القاضي بل اصبح لزاما عليهم ان يلجأوا الى نبيهم ليحكم بينهم وهكذا وضع الالزام الاول في نظام القضاء في الاسلام. كذلك يبدو ان بعض المسلمين الاولين قد اخطأوا الادراك في معنى الرسالة, وفي معنى الرسول يدل على ذلك الحديث الذي جاء فيه (اختصم رجلان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما فقال المقضي عليه: ردنا الى عمر بن الخطاب, فقال رسول الله : نعم انطلقا اليه, فلما أتيا, قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا, فقال ردنا الى عمر بن الخطاب فردنا اليك فقال عمر كذلك؟ قال: نعم فقال عمر: مكانكما حتى اخرج اليكما فأقضي بينكما فخرج اليهما مشتملاً على سيفه فضرب الذي قال: ردنا الى عمر, فقتله. بهذه الحادثة ايضاً, وضع الالزام الثاني في نظام القضاء في الاسلام, وهو وجوب تنفيذ حكم القاضي, فما بالك اذا كان القاضي رسول الله ولعل اهم قاعدة وضعها الاسلام في النظام القضائي, هي وجوب رجوع المتقاضين الى دينهما قبل رجوعهما الى قاضيهما فلقد جاء في الصحيحين (ان الرسول سمع خصومه بباب حجرته, فخرج اليهم, فقال: انا بشر, وانما يأتيني الخصم, فلعل بعضكم ان يكون ابلغ من بعض, فأحسب انه صدق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار, فليأخذها أو فليتركها). بهذا التحذير الرهيب, انذر الرسول المتخاصمين, ولا شك في ان كلا منهم يعرف حدود حقه, فمن التزمها نجا ومن تعداها فقد دخل منطقة النار, ومن عرف شأن البلاغة في المرافعات الحديثة امام القضاء ومدى اثرها على القضاة والمحلفين عرف ان الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم قد اهتدى الى خطرها قبل اربعة عشر قرنا, وعرف مدى تأثيرها على الرسول الانسان فقد تقرأ في هذه الايام فصلاً في كتاب من كتب اصول المحاكمات الجزائية عنوانه:(النيابة العامة البليغة خطر على العدالة) ألست ترى ان هذا المبدأ الذي ينبه اليه علماء الاصول, ليس الا تطبيقاً لما جاء في ذلك الحديث النبوي؟ واذا كان القضاء في كل زمان, قائما على ثلاثة اركان هي: القاضي والمتخاصمان, فان الاصل في التحديد للحق في الاسلام, هما المتخاصمان قبل القاضي. لم يكن وقت الرسول صلى الله عليه وسلم متسعاً للفصل في الخصومات بين الناس, ففي الرسالة وتبليغها وفي سياسة الناس وتدبير شؤون المجتمع الجديد, ما يستغرق وقت الرسول صلى الله عليه وسلم كله اضف الى ذلك ان اقطارا بعيدة قد دخلت في الاسلام, كاليمن ولم يكن لها من قاض ينظر في خلافاتها لذلك عهد الرسول بالقضاء الى عمر, ولم يعرف تولي عمر القضاء, ايام الرسول الا من خلال قصة وردت في سنن الترمذي, ذلك بأن عثمان قال لعبدالله بن عمر: اذهب فاقضي بين الناس قال: او تعافني يا امير المؤمنين؟ قال: وما تكره من ذلك وقد يبدو غريباً ان تحصي الصغيرة والكبيرة من اقوال الرسول واعماله في كتب الحديث, ثم لا نجد لهذا الامر الخطير ذكرا الا يوم اراد عثمان ان يولي عبدالله بن عمر القضاء. وفي كتاب الاستيعاب ان الرسول صلى الله عليه وسلم بعث عليا الى اليمن, وهو شاب يقضي بينهم وقال اذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الاول فإنه احرى ان يتبين لك القضاء ومن الراجح عندي ان عليا قد ولي القضاء في المدينة او في مكة او في كليهما يدل على ذلك قول الرسول للصحابة: أقضاكم علي. ومن الثابت ايضاً ان الرسول بعث معاذ بن جبل الى اليمن قاضيا للجند, وبذلك احدث الرسول اول باب من ابواب الاختصاص بين القضاة في منطقة واحدة, فعلي يقضي بين الناس في الحقوق والحدود ومعاذ بن جبل يرافق الجند فيقضي بما يمكن ان يقع بينهم من خلافات. (2-4) القضاء في صدر الاسلام وبعده كان تنظيم العرب للقضاء تنظيما علوياً وضعوه على غير مثال سابق, بما اوحت به شريعتهم الاسلامية الحنفية, وبما قضت به حاجاتهم وضروراتهم وبما ابدعته سلائقهم, وفطرتهم وفي يقيني ان مؤسسة القضاء في الاسلام هي المؤسسة الوحيدة التي لم تتأثربأي عامل خارجي حينما وقع التمازج بين العرب والفرس والروم والهند والترك والصقالبة وغيرهم. فلقد أثر العرب في هذه الأمم, وتأثروا بها في كل مرافق الحياة العامة والخاصة الا القضاء فإنه بقي اسلاميا عربيا محضا لم يشبه أية شائبة مما عند الأمم الاخرى. ومرد ذلك الى ان مصادره كانت خالصة فلم يكن من سبيل الى تسرب أي عنصر أجنبي اليه. واذا كان بعض الباحثين المحققين قد أشار الى ان العرب قد وجدوا في بلاد الشام قضاء رومانيا قد سبق مجيئهم بقرون وانهم قد أخذوا عنه فإن هذا البعض لم يؤيد رأيه بأي دليل وإنما بقي في حدود الرأي المجرد خلافا للمنهج السليم في التحقيق. ومن الباحثين المحققين ايضا من ذهب الى ان العرب قد اقتبسوا عن الفرس نظام (قضاء القضاة) الذي عرف باسم (موبذ موبذان) مستندين في ذلك الى اشارة غير واضحة في كتاب وحيد مجهول المؤلف هو كتاب (التاج في اخلاق الملوك) الذي خدع به شيخ العروبة أحمد زكي باشا فحققه ونشبه الى الجاحظ ثم جاء العلماء من بعده فأثبتوا ان الكتاب مخول لمعلم العقل والادب. ولو صح ان العرب أخذوا من الفرس (قاضي القضاة) لما غير ذلك في رأينا شيئا لأنهم أخذوا شكلا من الاشكال ولم يأخذوا شريعة ولا أصول ولا رسما ولا قاعدة ولا شيئا يشبه هذا كله. وضعت مصادر القضاء أيام الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأعظم فكانت تلك المصادر ثلاثة: الكتاب والسنة والاجتهاد. وكان القضاة والمتقاضون يرون في التقاضي تفريقا بين الحلال والحرام هو أحكام الشريعة متمثلة في الكتاب والسنة قبل كل شيء. ولقد نشأ عن هذا عزوف كثير من الاشخاص عن تولي القضاء لأن الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة التي تحدثه عن الاحفاد كثيرة وهؤلاء لم ينظروا الى القضاء على انه منصب من مناصب الدولة يجتهد فيه المرء جهد طاقته, وإنما نظروا اليه على انه تهلكة قد تؤدي بصاحبها الى النار. وكتب التاريخ تحدثنا عن رجل كأبي حنيفة امتنع عن القضاء وتحمل في سبيل امتناعه الاذى. كما تحدثنا كتب التاريخ عن انصياع الخلفاء والامراء وكبار رجال الدولة للقاضي ومثولهم بين يديه سواسية مع خصومهم من افراد الرعية كما فعل علي وهو خليفة أمام قاضيه شريح, وكما صنع هشام بن عبدالملك الأموي مع صاحب حرسه أمام القاضي في دار الخلافة, أما عمر بن عبدالعزيز فقد توجه مع خصمه الى مجلس القاضي فساوى بينهما في كل شيء وقضى للرجل عليه كذلك تحاكم المأمون بين يدي القاضي يحيى بن أكثم وتحاكم ابراهيم بن المهدي مع بختيشوع الطبيب عند القاضي احمد بن أبي رواد, وكان مرد هذا كله الى الخوف من الله لأن القاضي إنما يحكم بما أنزله الله (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون). الشروط التي اشترطها الاسلام في القاضي, وهي الاحاطة بالكتاب وبالسنة والقدرة على الاجتهاد, وترفع القاضي الى أعلى مستوى من الناحية الثقافية والعقلية. فالقرآن الكريم, كتاب الله المعجز, لا يقوى على الاحاطة به الا من عرف اسباب التنزيل, ومحكمة ومتشابهه وناسخه ومنسوخه, والا من عرف أسرار العربية, والعلم بها, وحقيقتها ومجازيها والا من ملك الحافظة القوية التي تستحضر الآية الملائمة للحكم الشرعي. كذلك السنة الشريفة فإنها المصدر الثاني من مصادر القضاء, من أحاط بها أحاط بكلام أبلغ العرب. أما الاجتهاد, مرتبة لا يجوز ان يدعيها أحد, ولا ان يتصدى لها, الا من جمع الشرطين الأولين: الاحاطة بالكتاب والسنة. أضف الى ذلك ان الاجتهاد موهبة لا يلقاها الا الخاصة من الناس لأنها تستند قبل كل شيء الى الاستنباط والقياس وتقريب النظر من النظير. ولهذا فقد تجد عالما بالكتاب والسنة ولكنه ليس أهلا بالاجتهاد لأن الاجتهاد عقل قبل ان يكون علما وقبل ان يكون حفظا, ولأن الاجتهاد تبصر في الامور. ولهذا قالوا عن امامين عظيمين هما شريح ومسروق المقولة المشهورة: كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح وكان شريح أبصر منه بالقضاء, فالعلم شيء والبصر شيء آخر. ولقد دعت ضرورات المجتمع الاسلامي الى توزيع الاختصاص بين القضاة الى أحداث قضاء خاص فأحدث الرسول قضاء الجند يوم بعث معاذا قاضيا للجند الى اليمن. وبعث معه عليا قاضيا. ذلك ان الشريعة قد تضمنت احكاما للحرب والسلم, فلابد من قاض يفصل في الخلافات التي تقع في الحرب بين المسلمين وبين غيرهم من المحاربين. وأحدث معاوية قضاء النظر في الجراح, وهو ما نسميه هذه الأيام: الجنح أي الجرائم الخفيفة. وأحدث عثمان قضاء الاحداث بمعنى الجرائم الكبرى ذات العقوبات الارهابية الشديدة, وهي الجنايات, فولى أبا موسى الشعري على قضاء البصرة وعلى احداثها, ثم انشأ قضاء الاحباس, أي الأوقاف, أيام هشام ولقد تولاها القاضي توبة بن نمر من تلقاء نفسه. وأحدث الاندلسيون قضاء الرد, وهو القاضي الذي ينظر في القضايا التي يتخلى عنها قاضيها لسبب من الاسباب. فلما كان القرن الثامن رأينا نوعا جديدا اسمه (قضاء البر) ويعني القضاء المتنقل, حيث يذهب القاضي الى المتقاضين وهم في منازلهم من البادية. ونشأ في القرن نفسه (قضاء الركب) وهو القضاء الذي يرافق الأسواق التجارية المتنقلة أعني القوافل, وكان الى جانب هذا كله قضاء المظالم وهو القضاء الاداري بمعناه الشامل, وكان الخليفة رئيسا له يفصل في القضايا التي تقام على الدولة أو منها على عمالها. ووجدت الحسبة والشرطة وهما نوعان من القضاء كان أولهما أمرا بالمعروف اذا ظهر تركه, ونهيا عن النكر اذا ظهر فعله. وكان ثانيهما الشرطة مطاردة لأهل البغي في المدن وخارجها. هذا يعني ان نستخلص بالدراسة التحليلية للتنظيم القضائي في الشريعة والتاريخ الاسلامي كثيرا من المبادئ لم تعرف الا في العصور المتأخرة لدى الكثير من الامم فمنها: 1 ــ استقلال السلطة القضائية: لم تعرف اوروبا هذه القاعدة الا في القرن الثامن عشر وبصورة نظرية ايضا حيث بشر بها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في كتابه (روح القوانين) اما الشريعة الاسلامية فقد عرفتها وطبقتها قبل اربعة عشر قرنا. 2 ـ استقلال القاضي: لم تقتصر الحرية والاستقلال في رأي الفقهاء المسلمين, على عدم التأثر بالمؤثرات الدنيوية والخارجية والشخصية بل وصلت الى عدم جواز وجود المؤثرات المذهبية الدينية التي لا تضيع معها الحقوق, ولكن قد تنحل معها شخصية القاضي, وقد اوجز الماوردي هذا المبدأ في كتابه (ادب القاضي) فقال: فان تقلد القاضي القضاء وجب عليه ان يحكم باجتهاد نفسه, واذا اعترى الى مذهب من مذاهب ائمة الوقت كمن اخذ بمذهب الشافعي او بمذهب ابي حنيفة لم يجز له ان يقلد صاحب مذهبه وعمل على رأيه واجتهاد نفسه, وان خالف مذهب من اعتزى اليه. 3 ـ القضاء بالنص اوالاجتهاد: نقل الاسلام الانسانية من قضاء العرف, الذي يمكن ان يتغير الى قضاء النص الملتزم للقاضي وللمتقاضين جميعا, وذلك منذ فجر الاسلام, ويوم ارسل الرسول صلى الله عليه وسلم الى اليمن قاضيا, كما اسلفنا فالعرف يمكن ان يتغير بتغير الزمان والمكان, وربما تغير بتغير الاشخاص اما النص بثابت لا يمكن ان يتغير, واذا لم يوجد نص مطابق الحالة التي عرضت على القاضي فعلي القاضي ان يجتهد والا يألو. 4 ـ القضاء ملزم: كان القضاء قبل الاسلام اختياريا, فلما جاء الاسلام اصبحت ولاية القاضي ملزمة للناس كافة بمعنى انهم مجبرون على قبولها, والتقيد بما يصدر عنها, اما المتمردون على احكام القضاء فهم المتمردون على النظام الشرعي, اي يحاربون كم يحاربون على امتناعهم من الفروض بهذا قال الامام الماوردي, وهذا في الواقع من ارقى فرض نظام الدولة, وقد علل الماوردي ذلك بقوله: (ان في القضاء حقا لله تعالى) ومن المعلوم ان حقوق الله تعالى لا يمكن التفريط فيها, ولا الاعفاء منها خلافا لحقوق الادميين التي تسقط بالاسقاط, ومعنى هذا بلغة اليوم ان القضاء من النظام العام الذي لا يحق لاحد اغفاله او التمرد عليه. 5 ـ القاضي وسياسة الدولة العامة: عرف بعض الخلفاء للقضاء مكانته وحرمته لا في فصل الخلافات بين الناس, او بين الدولة والناس ليس غير, وانما في رسم لسياسة الدولة العامة. فهذا المهند يعظه القاضي العنبري, عبيد الله بن الحسن, والقرشي النسب ويذكره بالثغور والحكام والفيئ والتسوية والصدقات والمعاملة بالمثل ومكافأة المحسن وتأديب المسيء واحدث المجالس للنظر في شؤون العباد. استقلال القضاء في العصر الراهن 3 ـ 4 استقلال القضاء في المواثيق الدولية: تؤكد ديباجة ميثاق الامم المتحدة تصميم شعوب العالم على ان تبين الاحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة. وان تؤكد من جديد ايمانها بالحقوق الاساسية للانسان, فهي جزء لا يتجزأ من مفهوم العدل الذي يتخلل الميثاق, فالحق في الحياة والحرية, والحق في محاكمة عادلة, والحق في نظام قضائي نزيه ومستقل, هي جميعها شروط اساسية لتحقيق العدل واحترام حقوق الانسان. وينص النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية على ان هيئة المحكمة تتكون من قضاة مستقلين وكذلك نجد ان النص على مبدأ استقلال القضاء قد ورد في عدد من النظم الاساسية الاخرى, فالمادة, من الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان تنص على انه (لكل فرد لدى الفصل في حقوقه والتزاماته المدنية حق في محاكمة عادلة من قبل محكمة مستقلة) , ومحايدة تقرر حقوق الفرد وواجباته وتفصل في اية تهمة توجه اليه كما نص على هذا المبدأ الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 2/3 وقد توالت دساتير العالم في النص على مبدأ استقلال القضاء واحاطته بمظاهر الاحترام والتقدير. فنصت المادة 64 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 (على ان رئيس الجمهورية يضمن استقلال هيئة القضاء ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الاعلى) . ونصت المادة 92 من دستور المانيا الاتحادية لسنة 1949 على ان (يعهد بالسلطة القضائية الى قضاة وتتولاها المحكمة الدستورية الاتحادية, والمحكمة العليا الاتحادية, والمحاكم الاتحادية التي ينص عليها هذا الدستور ومحاكم الولايات) , والمادة 104 من الدستور الايطالي لسنة 1947 والمادة السابعة من الدستور التركي لعام 1961 نص على ان تتولى محاكم مستقلة ممارسة السلطة القضائية باسم الامة التركية والمادة 76 من الدستور الياباني لعام 1963 على السلطة القضائية تمارسها المحكمة العليا. والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير ضمائرهم وهم لا يلتزمون في قضائهم الا احكام الدستور والقانون وتنص المادة 155 من الدستور الحالي للاتحاد السوفييتي والتي تقابل المادة 112 في دستور 1936 من ان (القضاة والمحلفون الشعبيون مستقلون لاسلطان عليهم لغير القانون) . والمادة 78 من الدستور الصيني, والمادة 52 من الدستور البولندي والمادية 136 من الدستور اليوغسلافي, والمادة 102 من الدستور التشيكوسلوفاكي. استقلال القضاء في الدساتير العربية: ـ تنص جميع الدساتير العربية على مبدأ استقلال القضاء, وذهبت غالبيتها الى اعتبار القضاء سلطة. وافرد بعضها قانونا خاصا ينظم هذه السلطة, والبعض الآخر اغفل ذلك, واما هذا المجتمع المتغير فما هي فعالية هذه النصوص, وسنقوم بذكر النصوص: الدستورية التي تنصف على مبدأ الاستقلال وبحث مدى استقلال القضاء حيال السلطتين التشريعية التنفيذية. ففي الدستور المصري لسنة 1971 تنص المادة 165 على ان السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها. وتصدر احكامها وفقا للقانون , ونصت المادة 166 على ان القضاة مستقلون ولا يجوز لاي سلطة التدخل في شؤونهم وتنص المادة 28 من دستور الجماهيرية العربية الليبية (على ان القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون) . وتنص المادة 120 من الدستور السوداني الانتقالي لسنة 1985 على ان تكون ولاية القضاء في جمهورية السودان لسلطة منفصلة ومستقلة تسمى السلطة القضائية. وتنص المادة 122/2 على ان (القضاة مستقلون في مهامهم القضائية لا سلطان عليهم الا بحكم القانون) . وينص الفصل السادس والسبعون من الدستور المغربي لعام 1972 على ان (القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية) . وتنص المادة 53 من الدستور التونسي لعام 1959 على ان (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون) . اما في الجزائر فقد تأثر دستورها لعام 1976 بالمذهب الاشتراكي الى حد بعيد, فتضمن الفصل الرابع منه (المواد من 164 الى 182) المبادىء الاساسية المنظمة للقضاء في بلد اشتراكي. ووفقا لهذه النصوص لايعتبر القضاء سلطة مستقلة لان هذه الانظمة تأخذ بنظام وحدة السلطة وليس بمبدأ الفصل بين السطات وانما نص هذا الدستور على الضمانات التي تكفل استقلال القضاء من ذلك نص المادة 168 التي تنص على ان (سلطة اصدار الاحكام من اختصاص القضاء, ويمكن ان يعينهم في ذلك مساعدون شعبيون طبقا لاحكام القانون) . وتنصف المادة 131 من الدستور السوري على ان (السلطة القضائية مستقلة, ويضمن رئيس الجمهورية, هذا الاستقلال يعاونه في ذلك مجلس القضاء الاعلى) . وتنص المادة 131 من الدستور اللبناني على ان (السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصها, ضمن نظام ينص عليه القانون, وان القضاة مستقلون في اجراء وظيفتهم, ان شروط الضمانة القضائية وحدودها يعينها القانون) كما تنص المادة الاولى من قانون اصول المحاكمات المدنية على ان (المحاكم مستقلة كل الاستقلال تجاه جميع السلطات في تحقيق الدعاوى والحكم بها) . اما الدستور العراقي فقد نصت المادة 60 منه على ان (القضاء مستقل لاسلطان عليه لغير القانون) واورد الدستور الاردني نصا على ان (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير القانون (97). اما دساتير الخليج فقد اكدت استقلال السلطة القضائية, ولايجوز بحال التدخل في سير العدالة, ويكفل القانون استقلال القضاء ويبين ضمانات القضاة, والاحكام الخاصة بهم. (المواد 162 من دستور الكويت و 14 من الدستور المؤقت للامارات العربية و (101) 2 من دستور دولة البحرين, اما في المملكة المعربية السعودية فقد نص الامر الملكي السعودي رقم 59 لعام 1972 على ان (تنفذ الاحكام الصادرة من الشرع بدون تغيير او تأخير او تبديل) . واخيرا نص دستور جمهورية اليمن الديمقراطية في مادته 121 على ان (القضاة مستقلون في صلاحياتهم) . ونصت المادة (11) من مشروع ميثاق حقوق الانسان والشعب في الوطن العربي الصادر 1987 (على ان الناس متساوون امام القضاء وتكفل الدولة استقلال القضاء وحياده كما تكفل استقلال مهنة المحاماة) . كما أكدت المؤتمرات الدولية على مبدأ ترسيخ استقلال القضاء والمحاماة في كثير من توصياتها نذكر منها على سبيل المثال مؤتمر العدالة الجنائية في العالم الغربي الذي عقد في مدينة سيراكوزا بجمهورية ايطاليا عام 1985 وتوصيات المؤتمر الأول للجمعية الدولية لقانون العقوبات (الشعبة المصرية) الذي عقد في القاهرة في مارس 1987. وأخيرا ننتقل لبحث استقلال القضاء من السلطتين التشريعية والتنفيذية. استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. 1 - استقلال السلطة القضائية التشريعية: تقوم السلطة التشريعية بسن القوانين, وتطبق السلطة القضائية هذه القوانين واستقلال الثانية عن الأولى يقتضي عدم تدخلها في عملها. ونظرا لخطورة السلطة القضائية, يؤدي إلى الفوضى والظلم. والواقع ان السلطة التشريعية لها أساليب عدة تستطيع بواسطتها أن تنفذ بها إلى قدس القضاء, ومن أخطر هذه الأساليب وأكثرها شيوعا في البلاد العربية, تدخل السلطة التشريعية لها أساليب عدة تستطيع بواسطتها أن تنفذ بها إلى قدس القضاء, ومن أخطر هذه الأساليب وأكثرها شيوعا في البلاد العربية, تدخل السلطة التشريعية في تنظيم القضاء أو اعادة تنظيمه, وذلك عن طريق اصدار قرارات بقوانين أو قوانين تنظيم السلطة القضائية, ومثل هذه القوانين تتيح للسلطة التنفيذية أن تقوم بتنظيم السلطة القضائية واقصاء العناصر التي لا ترضى عنها السلطة وهذا الاسلوب هو المتبع في كل من مصر, الكويت, السودان الاردن, ولبنان. حيث تنظم هذه الدول السلطة القضائية بقوانين أو قرارات بقوانين صادرة من السلطة التشريعية. ولأجل ذلك نجد في هذه الدول ان التنظيم القضائي غير مستقر لانه مستهدف من قبل السلطة التشريعية. وهذا الاسلوب يعد اعتداء على استقلال القضاء, فالدستور عندما يقرر مبدأ استقلال القضاء كسلطة من سلطات الدولة فهو يمنع أي سلطة أخرى من التدخل في تنظيم القضاء أو اعادة تنظيمه مهما كانت الأداة التي يتم بها هذا التدخل حتى لو كانت هذه الأداة هي القانون. ومن السطات التشريعية, انه لا يجوز تنظيم المسائل المتصلة باستقلال القضاء بأداة تشريعية أدنى مرتبة من القانون الصادر من السلطة التشريعية. فالدستور باعتباره القانون الأعلى في الدولة لا يجيز لأية أداة أن تخالف لانها تكون أداة أدنى. ولذلك فإن استقلال القضاء في مواجهة السلطات الأخرى هو الذي يعطي الثقل الأكبر لقوة القضاء كسلطة في الدولة. ولذلك نجد دستور الجمهورية العربية اليمنية, هو الدستور الوحيد الذي نظم السلطة القضائية بمقتضى نص دستوري وذلك في المواد من 144-155 عكس النظام المغربي الذي لم يشر في الدستور عن الاداة التي يمكن بواسطتها تنظيم السلطة القضائية. والسكوت في هذه الاحوال يؤدي إلى فتح الباب أمام السلطة التنفيذية لتدخل في قدس القضاء. والواقع انه لا معنى لاستقلال القضاء إذا لم تكن سلطة القضاء تمتد لتشمل كافة المنازعات ترتيبا على ذلك, لا يجوز للسلطة التشريعية أن تتدخل في طريقة أداء القضاء لوظيفته, فلا تملك أن تلغي أي حكم أصدرته المحاكم مهما كان ظاهر الخطأ, سواء أكان الحكم مدنيا أو جنائيا, قطعيا أم غير قطعي, أو ان توقف تنفيذ أي حكم قضائي ولا تعديله ولا نقصه مهما كان هناك من عدم احترام للقانون أو اخلال خطير بتطبيقه, كما لا يجوز لها أن تناقش أي قاض في حكم أصدره, ولا أن تبحث في موضوع أي دعوى معروضة أمام القضاء, لان مثل ذلك يعد اخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات, واعتداء ظاهر على استقلال القضاء. كما ان التشريع الذي يصادر حق التقاضي أو يقيد هذا الحق يعتبر غير دستوري, وبشكل اعتداء على السلطة القضائية. ولأجل ذلك يجب على المحاكم الامتناع عن تطبيق مثل هذه التشريعات لانها تخالف مبدأ الشريعة الذي يعتبر عنصرا أساسيا من عناصر الدولة القانونية. كما انه يهدد مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يعد من أهم دعامات الدساتير الحديثة. وهذا ما نصت عليه المادة 68 من الدستور المصري على ان (التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة) ونصت المادة 60/ب من الدستور العراقي على ان (حق التقاضي مكفول لجميع المواطنين) ونصت المادة 8/4 من الدستور السوري على ان (حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون) , ونصت المادة 166 من الدستور الكويتي على ان (حق التقاضي مكفول للناس, ويبين القانون الاجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق) , ونصت المادة 101 من الدستور الاردني على ان المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها ومجمل القول ان حق التقاضي يعد حقاً من الحقوق العامة الطبيعية لكل انسان التي استقرت في ضمير العالم المتمدن والتي لا تحتاج إلى نص يقررها. ولأجل ذلك فإن التشريع الذي يصادره يعد غير دستوري. وعلى ذلك لا تملك السلطة التشريعية الحق في اصدار تشريعات تمنع بها القضاء من النظر في قضايا بذاتها, أو ان تسلبه الحق في التصدي لنزاعات بعينها, لان هذا المنع وذاك السلب يعتبران, اعتداء صارخا على حقوق السلطة القضائية بوصفها احدى السلطات الثلاث الرئيسية في الدولة من جهة. ومن جهة أخرى فإن ذلك يمثل انتهاكا لحق التقاضي المكفول لجميع المواطنين عن طريق الدستور. استقلال السلطة القضائية عن التنفذية تحرص الدساتير العالمية والعربية على تأكيد استقلال القضاء وهيبته تجاه السلطة التنفيذية بل ان بعضها يحيل على تشريعات لاحقة لوضع القواعد التفصيلية لتحقيق الحماية الدستورية لهذا الاستقلال فمفهوم هذا الاستقلال انه لايجوز للسلطة التنفيذية ان تتدخل في أي عمل من أعمال القضاء, أيا كانت صورة هذا التدخل, كما لا يجوز لأي شخص من أشخاص هذه السلطة مهما علا مركزه ولو كان وزير العدل أو رئيس الدولة أن يتدخل لدى القضاء بشأن قضية معروضة عليه أيا كان نوع هذا التدخل. ومن ثم فلا سبيل لوضع نصوص لهذه الدساتير ومبدأ استقلال القضاء موضع التنفيذ الا بإسناد كافة الاختصاصات المتعلقة بشؤون القضاء إلى رجال القضاء أنفسهم سواء من خلال مجلس أعلى يتكون منهم وحدهم أو جمعياتهم, أو رؤساء المحاكم حسب الأحوال: ــ وتتجه معظم التشريعات العربية الى تأليف مجلس القضاء الأعلى فيها من قضاة أو من أغلبية القضاة: ففي المملكة المغربية يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ووزير العدل عضو فيه ونائب للرئيس وباقي الأعضاء وعددهم تسعة كلهم من القضاة (الفصل الثمانون من دستور عام 1972) . وفي تونس أوكل أمر القضاة الى مجلس القضاة (م 5 من الدستور المؤرخ في 1/1/1959) . ويتألف من تسعة أعضاء برئاسة كاتب الدولة للعدل (وزير العدل, والباقين من القضاة). وفي ليبيا نصت المادة 17 من قانون توحيد القضاء رقم 87 لسنة 1971 والمعدل بالمادة 4 من القانون 86 لسنة 1971 بانشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية على ان (يتولى رئيس قيادة الثورة رئاسة المجلس الأعلى للهيئات القضائية على الوجه الآتي, وزير العدل نائب الرئيس, وكل من رئيس المحكمة العليا, النائب العام, أقدم رؤساء محاكم الاستئناف ورئيس ادارة التفتيش القضائي, رئيس ادارة قضايا الحكومة أعضاء) . ويشكل المجلس القضائي الأردني من سبعة أعضاء من القضاة, برئاسة رئيس محكمة التمييز م 15 من قانون استقلال القضاء رقم 19 لسنة 1955 والمعدل بالقانون رقم 36 لسنة 1968. وفي لبنان يتألف مجلس القضاء الأعلى من ثمانية أشخاص برئاسة الرئيس الأول بمحكمة التمييز وعضوية خمسة من القضاة, وثلاثة من خارج ملاك القضاة يختارون من بين القضاة السابقين المقبولين في منصب الشرف أو الأساتذة الأصليين في معهد الحقوق (المادة الأولى من تنظيم مجلس القضاء الأعلى الصادر بالمرسوم رقم 7855 لسنة 1961). وباستقراء النصوص السابقة في التشريعات العربية نجد ان شؤون القضاء يتولاها القضاة بأنفسهم في مصر والأردن, أما في التشريعات العربية الأخرى, نجد المجلس القضائي بها مؤلفا من عناصر قضائية وأخرى غير قضائية, وهذا التشكيل له خطورته على استقلال القضاء ويفتح الباب أمام السلطة التنفيذية للتدخل في شؤون القضاء, الأمر الذي يعد اعتداء صارخا على استقلالهم ومن هنا يبدو لنا ان استقلال القضاء يستلزم أن تترك ادارة شؤون رجال القضاء والبت في سائر القضايا المتعلقة بهم الى هيئة قضائية صرفة, لأن القضاة أدرى الناس بواقعهم وظروفهم. وإذا كان من الضروري وجود مجلس قضائي يتولى شؤون القضاة ويفصل في القضايا المتعلقة بشؤونه, حتى يكون بمنأى عن السلطة التنفيذية, فإن هذا يعني في رأي البعض انه لايجوز أن تترتب مسؤولية الحكومة على أعمال القضاة, لأن الحكومة تسأل عن أعمال موظفيها لما لها عليهم من سلطة التوجيه والرقابة, وهو ما لا تملكه بالنسبة للقضاة الذين لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون, فالعلاقة بين الحكومة من جهة والقضاء من جهة أخرى ليست علاقة تبعية, وعلى ذلك فلا شأن للحكومة في الخطأ الذي يرتكبه القاضي, بيد انه اذا كان القضاء مستقلا فعلا عن الحكومة ولا تخضع لتوجيهها فإنه يجب التفرقة بين مسؤولية الدولة ومسؤولية الحكومة, فلا مسؤولية للثانية عن أعمال السلطة القضائية وعندما تقوم الحكومة بدفع التعويض المقضي به عن خطأ أحد القضاة فإنما تدفعه باعتبارها المديرة لأموال الدولة, والحارس عليها, أما الدولة فتسأل عن أعمال القضاة, باعتبارها مسؤولة عن نشاط الادارة. كما يعد اهدار لمبدأ الفصل بين السلطات, واعتداء على مبدأ استقلال القضاء, توقيف تنفيذ أو عرقلة الأحكام القضائية من قبل السلطة التنفيذية, فمثل هذا الموقف الايجابي أو السلبي المؤدي الى عدم تنفيذ الأحكام القضائية أو التراخي في تنفيذها, يشكل فعلا غير مشروع يسأل فاعله عن التعويض كما تسأل الحكومة على أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعة كما انه يعد مساسا بقوة الأمر المقضي, أي مساسا بالنظام العام مما يؤدي الى تقويض النظام القضائي, وأخيرا يسأل عامل التنفيذ مسؤولية جنائية, في شأن ذلك نصت المادة 122 من قانون العقوبات المصري (بأن يعاقب كل موظف عمومي استعمل سلطة وظيفته في توقيف تنفيذ حكم أوامر أو طلب من المحكمة أو أي أمر صادر من جهة الاختصاص) . ونصت المادة 412 ــ 414 من قانون العقوبات السوري على (الجرائم التي تمس قوة القرارات القضائية) . وقد كفل قانون العقوبات السوري استقلال السلطة القضائية بنص المادة 361 عقوبات وخلاصتها (ان كل موظف يستعمل سلطته او نفوذه مباشرة او غير مباشرة ليعوق او يؤخر تطبيق القوانين او تنفيذ قرار قضائي يعاقب بالحبس من ثلاثة اشهر الى سنتين, ويقابل هذا النص في قانون العقوبات اللبناني المادة 361. وبهذا اوضحنا مفهوم استقلال القضاء في الشريعة الاسلامية وما قبل الاسلام وفي العصر الراهن ضمن المواثيق والمؤتمرات الدولية, وما تضمنته الدساتير العربية وقوانينها, وشرحنا ابعاد هذا الاستقلال عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. الخاتمة: لما كان خضوع الدولة للقانون هو الاساس المتين لشرعية نظام الحكم واستمراره, ولما كان استقلال القضاء وحصانته ضمانتين اساسيتين لتأمين خضوع الدولة للقانون وحماية الحقوق والحريات. ولما كان من طبيعة القضاء ان يكون مستقلا والاصل فيه ان يكون كذلك, وكان كل مساس بهذا الاصل واي تدخل في عمل القضاء من جانب احدى السلطتين الاخريين او الرأي العام, يخل حتما بميزان العدل ويقوض دعائم الحكم, اذ في قيام القاضي باداء رسالته حرا مستقلا مطمئنا آمنا على مصيره اكبر ضمانة لافراد الشعب حكاما ومحكومين على السواء. ولما كان استقلال القضاء يعتمد بدوره وفي اساسه على سيادة القانون, فإن ذلك يقتضي اول مايقتضي الا تمس حقوق المواطنين وحرياتهم وحرماتهم الا طبقا للقانون العادي وحده, وبحكم من القضاء الطبيعي وحده وبالاجراءات المتبعة امامه وحدها, والا يكون لاحد من سلطان على القضاة في قضائهم غير القانون, والا يجوز لاية سلطة ان تحصن اي قانون او قرار من رقابة القضاء, او ان تتدخل في القضايا او في شؤون العدالة بأي وجه من الوجوه. ولما كانت الثقة بالقضاء ركنا اساسيا في دعم نظام الحكم, وكان مما يخل بهذه الثقة ايجاد الازدواج في جهات التحقيق او الحكم, ومع ذلك انشاء المحاكم واجهزة التحقيق الاستثنائية او المحاكم الخاصة, او تشكيل المحاكم من اشخاص تعينهم احدى السلطتين الاخريين بذواتهم, وهو ما تنفتح به الابواب لزعزعة الثقة بالاحكام وتعارضها وتأييد المنازعات. لما كان ذلك كله, فلعل الصواب ان تكون السلطة القضائية مصونة ومستقلة عن اية سلطة اخرى وتتمتع بحصانة مطلقة, ويوضع بملء الحرية تشريع موحد للدولة العربية وتنسجم مع روح العصر الحاضر, وعلى ضوء ماضي الامة العربية وليكون المثل الاعلي المشترك والدستور الدائم للاستقلال الذي ينبغي ان تلتزمه النظم القضائية العربية كافة, ونوصي بما يلي: اولا: تخضع الدولة للقانون, واستقلال القضاء وحصانته ضمانتان اساسيتان لحماية الحقوق والحريات. ثانيا: حظر انشاء المحاكم الاستثنائية او الخاصة بجميع انواعها وحظر تعدد جهات التحقيق او الحكم. ثالثا: التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة, ولكل مواطن حق الالتجاء الى قاضيه الطبيعي ويحظر النص في التشريعات على تحصين اي قانون او قرار اداري من رقابة القضاء. رابعا: القضاة غير قابلين للعزل ويقصد بالقضاة في هذا الاعلان كل من يتولى اختصاصات قضاء التحقيق او قضاء الحكم ايا كانت طريقة تعيينهم وتمسيتهم متى كانوا متخصصين ومتفرغين لاداء رسالة القضاء. خامسا: القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون, ولا يجوز لاية سلطة التدخل في القضايا او في شؤون العدالة او تعطيل تنفيذ احكام القضاء. سادسا: يقوم على الشؤون الادارية والمالية للقضاء والقضاة مجلس اعلى يتكون من رجال القضاء دون غيرهم, ولا يجوز ابرام اي شأن من تلك الشؤون بغير موافقة هذا المجلس. ذلك أن تخصص القضاة وتفرغهم لاداء رسالتهم, ومتابعة تأهيلهم وتكوينهم ورعايتهم صحيا واجتماعيا, كل ذلك من مستلزمات الحيدة والتجريد والنقاء والعدالة والثقة بالقضاء. المراجع ــ القرآن الكريم ــ السنة النبوية الشريفة ــ الترمزي (الاستيعاب) ــ ابن عبد ربه (العقد الفريد) ــ احمد زكي باشا (التاج في اخلاق الملوك) ــ الماوردي (ادب القاضي) ــ الطبري (القضاء في الاسلام) ــ أ. احمد امين (القضاء في الجاهلية). ــ الامام الشاطبي (الموافقات) الماوردي (الاحكام السلطانية). ــ الدكتور عبدالمنعم فرج الصدة (دراسة مقارنة بين الشريعة الاسلامية والقانون الوضعي. ــ الدكتور منير العجلاني (القضاء في الاسلام). ــ الدكتور عمر فاروق فحل (الاسلام قبس لا اقتباس). ــ المواثيق الدولية: ميثاق الامم المتحدة ــ الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان ــ الاتفاقية الامريكية لحقوق الانسان الاعلان العالمي لحقوق الانسان ــ الاتفاقية الدولية بالحقوق المدنية والسياسية ــ ميثاق حقوق الانسان العربي. ــ الدساتير الغربية: الدستور الفرنسي ــ الالماني ــ الايطالي ــ التركي ــ الياباني ــ الصيني ــ والبولندي. ــ الدساتير العربية: دستور دولة الامارات العربية المتحدة ــ مصر ــ سوريا ــ لبنان ــ تونس الجزائر ــ اليمن ــ الكويت ــ البحرين ــ المملكة العربية السعودية ــ الاردن ــ ودستور العراق. ــ توصيات المؤتمرات الدولية: مؤتمر الجمعية الدولية لقانون العقوبات (سيراكوزا 1985 عن العدالة الجنائية) ومؤتمر القاهرة القاهرة 1987 للشعبة الجنائية المصرية عن حقوق الانسان. عنوان المؤلف: العمل (مستشار بوزارة العدل والاوقاف والشؤون الاسلامية ــ ادارة الفتوى والتشريع) ابوظبي (أ.ع.م) ــ ص.ب 46403 هاتف 727140 * عضو الجمعية الدولية لقانون العقوبات