يرتبط موضوع البحث العلمي بالنسبة الينا ـ كأمة عربية تقف امام تحديات مصيرية حاسمة على مشارف القرن الواحد والعشرين ـ ارتباطا وثيقا بتقديم رؤية اجمالية موضوعية عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته ومتغيراته السياسية والاقتصادية والثقافية في الحقبة الراهنة التي اصبحنا نتعامل معها من منظور مصطلحات واقعية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان.. الكوكبة والعولمة والشرق اوسطية والمتوسطية ونهاية التاريخ.. الخ.. مما يلزمنا كنخب مثقفة واعية تحليل ودراسة الاستجابات وردود الافعال السياسية العربية المتحركة في سياق تكتيكات واستراتيجيات مختلفة تحاول بلورة مواقف وفتح امكانات عملية متعددة للرد على التحديات الخطيرة التي يثيرها هذا الوضع المرتبك, وذلك بهدف تأمين موقع ودور للعرب في المعادلة الكونية والدولية المستجدة. ومن الواضح اننا عندما نتحدث عن قضية الاستجابة او ردة الفعل الجماعي تجاه متغيرات العصر, فإننا نقصد بها ـ تحديدا ـ حركية الفعل السياسي.. اي مجموعة السياسات التطبيقية المختصة بإيجاد انساق ومجالات عمل, وبلورة مواقف مجتمعية وتعزيزها وتطويرها من خلال خلق واستحداث آليات للعمل جديدة تؤمن ارادة جمعية عامة يمكن ان تعمل ـ في اطار تفعيل تلك الاستجابات ـ على تقدم المجتمع العربي نحو اهدافه وتطلعاته الكبرى في الحياة. من هذا المنطلق نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود واعية للوضع العربي المستجد, ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها.. على اعتبار ان الانطلاق الفاعل نحو بناء المستقبل والتحكم ببعض مساراته مرهون ـ الى حد كبير ـ بدراسة ظروف وملابسات الواقع الراهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاعلامية ووعي مواقع الامة العربية وادوارها ومواطن القوة والضعف. وبالنظر الى الحجم الهائل لهذا العمل الفكري وتشعب عناوينه السياسية والثقافية وتنوع مواضيعه, وتعدد مساراته, وسعة الافكار التي يمكن معالجتها في سياق طرح مفاهيمي ناقد, فإننا سنكتفي بدراسة الجانب العلمي التخصصي من هذه المسألة المعرفية الواسعة اي من زاوية (البحث العلمي والتقني العربي الحالي) . وذلك من خلال مراجعة بسيطة لبعض الارقام والاحصائيات القائمة في بعض مؤسسات ومراكز البحث العلمي العربي التي يمكن ان تعطينا رؤية واقعية عن طبيعة هذا البحث السائد في بلداننا.. ومن ثم محاولة تحليل تلك الارقام واستخلاص العبر والدروس, من خلالها, على ضوء مستجداتنا المعاصرة.. لنصل في النهاية الى التساؤلات الاستنتاجية التالية, ومحاولة الاجابة عنها وفق الامكانات المتاحة امامنا. هل تتوافر لدينا الامكانيات المادية والمعنوية الواسعة والقواعد العملية والمنهجية المحددة التي يمكن ان نرتكز عليها ونتحرك على طريقها باتجاه بناء حاضر صاعد ومستقبل واعد.. قبل ان ندرس كيفية تشييد وبناء (هذا المستقبل) والامساك بناصيته؟! كيف يمكن ان تعمل امة من الامم على امتلاك المستقبل اذا لم تستطع ان تنهض باعباء ومتطلبات الحاضر الذي يجب ان يشكل ـ بحد ذاته ــ قاعدة اساسية لبناء ذلك المستقبل؟! ثم ما هي الاستراتيجيات التي وضعتها امتنا في لحظتها الراهنة ـ بما تحمله في داخلها من تخلف وتبعية وتفكك وانقسام سياسي وتفسخ اجتماعي ـ لمواجهة تحديات قيام حاضرها قبل ان تبدأ بالسيطرة على مستقبلها؟! استراتيجية العرب العلمية يبدو للمتأمل في واقع الفعل السياسي العربي الراهن, ان ردود فعل الدول العربية عموما على مخاطر وتحديات العصر, تتميز بنوع من الاخفاق والاحباط الكبير في فهم وادراك حجم التطورات والتحولات السياسية والاجتماعية العالمية.. وهذا ما يتجلى بصورة اكبر في فقدان الشعور بضرورة الاسراع في تأمين استجابة الهياكل الوطنية للحجم الواسع للتطورات الراهنة والمستقبلية.. طبعا لا يعني هذا الامر ان الوطن العربي قد بقى خارج نطاق دائرة التأثر بتلك الاحداث الجسام لكنه بدأ بالعمل, جديا, على مستوى تطبيق سياسات جديدة في شتى ميادين العمل اليومي كله.. لكننا نجد ان معظم تلك السياسات ـ التي مثلتها مسيرة الاصلاح ـ مليئة بالتعثر والتخبط والتشتت, ولم تعط النتائج المطلوبة منها حتى الآن. فمثلا على صعيد البحث العلمي والتقني (وهو موضوعنا الاساسي هنا) نلاحظ ان هناك ازمة علمية واضحة تظهر في غياب منظومة عربية متكاملة لنقل المعرفة والخبرات, واستغلالها في ميدان التنمية الفردية والاجتماعية وفي مجال التطوير التقني والتكنولوجي. وعندما نراجع كل ادبيات العمل البحث العلمي العربي في الوقت الحاضر ـ الخاصة بدراسة مشاكل البحث العلمي وتحليل واقعه القائم حاليا ـ نلاحظ ان تلك الادبيات تكاد تجمع في تقاريرها الخاصة والعامة على اربعة امور اساسية: الاول: انخفاض عدد الباحثين العلميين الحقيقيين المشتغلين بالبحوث العلمية العربية بالمقارنة مع الدول المتقدمة ومع المعدل الوسطي العالمي نفسه. الثاني: هشاشة وضعف البنية المؤسساتية والعلمية وعدم قدرتها العملية على الاستجابة الفاعلة للتحديات التقنية الهائلة. الثالث : ضعف المستويات الاكاديمية على صعيد قبول الطلاب في الجامعات, وضعف مستويات الترقية بالنسبة لاعضاء الهيئة التدريسية وعدم موضوعيتها وقلة المشاركة في المؤتمرات الدولية من اجل الاستفادة وتبادل الخبرات والنتائج العلمية. الرابع: نقص مردودية الباحث العربي وتخاذله عن البحث والعمل نظرا لقلة تعويضه وحافزه المادي والمعنوي. وقد قدر بعض الباحثين عدد العاملين في مؤسسات البحث العلمي العربية عام 1984 بـ(31118) باحثاً.. واذا اضفنا اليهم عدد الباحثين من الجامعيين ويقدر عددهم بـ (10) بالمائة من عدد العاملين في سلك التعليم العالي, حصلنا على 81113 باحثاً وهو ما يعطي نسبة 2.7 باحث لكل عشرة آلاف من اليد العاملة. وهي نسبة ضئىلة اذا ما قوبلت بمثيلتها في الولايات المتحدة وهي 66% واليابان 58% وبريطانيا 36% وهي تمثل 44.6 عالما لكل مليون نسمة من السكان.. ويبدو هذا الانخفاض في عدد الباحثين العلميين عندنا واضحا اذا نظرنا الى توزيع القوة البحثية العالمية.. فهي تتوزع على ميادين خمسة رئيسية: 36% للعلوم الطبية, 24% للعلوم الزراعية, 22% للعلوم الهندسية, 8% للاقتصاد والتجارة, ومن خلال هذه النسب نجد ان هناك غيابا كبيرا, ونقصا واضحا للعمل البحثي في ميادين العلوم الاخرى وبخاصة العلوم الاجتماعية والانسانية (الانثروبولوجية) . اننا نلاحظ في هذا المجال (فيما يتعلق بنوعية مؤسسات البحوث العلمية الموزعة في الجامعات العربية المختلفة) انه على الرغم من المحاولات الجادة والخطوات الحثيثة التي قامت بها بعض البلدان العربية لدعم انشاء وتوسيع وتطوير مراكز ومؤسسات تقنية علمية حديثة, لا تزال تلك المؤسسات تعاني اشد المعاناة وتعصف بها الازمات تلو الازمات وتواجه مشاكل وتعقيدات نظرية وتطبيقية كبيرة في شتى المواقع تقف في وجه تقدم انتاجيتها العلمية والاجتماعية, وتمنعها من الانطلاق المثمر والعمل المنتج والمؤثر على مستوى ضرورة وجود انعكاسات اجتماعية عملية للبحث العلمي تساهم بقوة في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه نحو الامام. معوقات البحث العلمي فما هي تلك المشاكل والمعوقات التي تواجه مسيرة البحث العلمي العربي؟ وبالتالي ما هي مقومات ومستلزمات قيام بحث علمي عربي متكامل؟! 1 ـ غياب سياسة علمية واضحة ومتوازنة ومتسقة يمكن ان تنظم عملية البحث العلمي وتوجه الموارد, وتستثمر الطاقات والقدرات المتاحة والمتوافرة حسب سلم الاولويات اذ انه لا يكفي ان تخصص الدول العربية جزءا محددا من موارد انفاقها الاساسي (في ميزانياتها السنوية) للقيام باستثمارات علمية في ميدان البحث العلمي فقط.. ولكن لابد من دراسة ومعرفة افضل الاساليب وانجع الطرق النوعية والفاعلة للاستفادة من هذه الاستثمارات في شروطنا ومناخاتنا السياسية والاجتماعية السائدة, نحن يجب ان نبحث, لكن ذلك مرتبط بسؤال اساسي هو : لماذا نبحث, ولمن نبحث, وما هي اسس وركائز هذا البحث؟! ويبد واضحا ان السياسات العلمية لمعظم الدول العربية غير قادرة في كثير من الاحيان على اعطاء اجابات مقنعة على ذلك السؤال او تحديد اهداف وغايات واضحة ومجدية للبحث العلمي بشكل عام, وفي مختلف المجالات والميادين.. كما انها (تلك الدول) لا تزال عاجزة عن تحديد اساليب ووسائل وآليات عمل مناسبة لبناء الاداة والقاعدة البشرية والصناعية لتحقيق تلك الاهداف والطموحات.. لذلك من الطبيعي جدا ـ والحال هذه ـ ان يسود الوسط البحثي العلمي العربي جو انعدام الوزن. والتخبط والفوضى, والتردد, والافتقار للتراكم والتقدم والتطور والوعي. 2 ـ ضحالة الموارد ونقص الامكانيات المخصصة للقيام بالبحوث العلمية.. حيث تشير آخر الارقام والاحصاءات المتوافرة في هذا المجال إلى ان حجم الانفاق العربي العام على بحوث التطوير العلمي والتقني قد بلغ عام 1992 (600) مليون دولار, وهذا المبلغ لا يزيد على 0.014 من الناتج القومي الاجمالي, وهو ادنى المعدلات في العالم الثالث كله. وتبلغ هذه النسبة حوالي 1% في البلدان النامية عموما و3% في البلدان التابعة لبعض المنظمات العالمية.. اما الولايات المتحدة, وبحسب تقرير المؤتمر القومي السابع, فإنها تخصص ما مقداره 120 مليار دولار للبحث والتطوير.. اي نحو 200 ضعف ما تخصصه البلدان العربية مجتمعة على اساس نصيب الفرد الواحد. 3 ـ وهن وضعف استراتيجيات التحديث العربية, وعدم توازنها وعدم فاعليتها واتساقها لان الاصل في التحديث والتطور العلمي او الحداثة العلمية هو في بناء استراتيجية حقيقية ناجحة تعظم من الاستثمارات العلمية المفيدة في كل ميدان : تكوين رأس المال الاقتصادي والعلمي والتقني والفكري والروحي والاجتماعي وتحرير الشعوب والجماعات والامة من الخوف والاستلاب والجمود والامعية والاقتداء والاستزلام والمحسوبية والشعور بالضعف والنقص والدونية, وهذا الامر يتناقض تماما مع الواقع القائم في المجتمعات العربية حاليا, ولا يخفى ان نشير هنا الى ان وجود هذا المناخ المناقض لبديهيات شروط البحث العلمي, قد ادى ـ وسيؤدي في المستقبل ايضا ـ الى هدر وخسارة مبالغ طائلة واساءة استخدام واستثمار الاموال العربية.. فقد قدرت دراسة حديثة حجم الانفاق المالي على الخدمات الاستشارية التي قدمتها المكاتب والشركات الاجنبية للدول العربية بنحو 23 مليار دولار في عام واحد هو 1979.. (راجع تقرير لجنة استراتيجية تطوير العلوم والثقافة في الوطن العربي) (ص 129 ـ 130). 4 ـ انعدام الحريات الاكاديمية والفكرية العامة في المجتمعات العربية, وعدم توفير المناخ السياسي الملائم للابداع والحداثة العلمية والاقتصادية بإطلاق حريات الافراد وتوفير امكانيات المشاركة الفعلية امامهم سواء من النخب العلمية او من مختلف قطاعات الشعب الاخرى, لان ملاحم التقدم والازدهار العلمي والتقدم التقني وامتلاك المستقبل ترتبط حلقاتها ـ في كل التاريخ البشري ـ وتتسع لجهود الجميع في مناخ من المساواة والحرية والعدل والامان الجماعي والحس الوطني الواعي والهادف. 5 ـ عدم وجود سياسة تربوية علمية ناجحة تقوم بتنشئة الاجيال على مقدمات ومعطيات البحث والتدقيق والاهتمام.. لان من شروط نشوء وقيام وازدهار بحث علمي حقيقي في مستقبل الامة ـ اية امة ـ مرتبط اشد الارتباط بطبيعة التنشئة الاجتماعية لاجيال تلك الامة. وفي هذا الاطار يجب ان تؤدي الاسرة دورا فاعلا في تنشيط الطاقات الابداعية والانتاجية لدى ابنائها وتوجيهها الوجهة العلمية السليمة على صعيد الاهتمام الجدي المسؤول بروحية العلم والبحث العلمي ودوره الهام في الحياة الانسانية. 6 ــ ضعف وتفكك المجتمع العلمي والتقني العربي وفي أحيان كثيرة عزلته عن النشاط الوطني, وضعف مراكز المعلومات وخدمات التوثيق والمكتبات, وعدم توافر المناخ الملائم للعمل البحثي, وانتشار البيروقراطية, وقلة الحوافز المادية, والتبعية العلمية والتقنية للخارج, وضعف البنيات الاساسية للحراك الاجتماعي والاقتصادي العربي الذي يفترض ان يشكل ـ من حيث المبدأ ـ القاعدة الصلبة لقيام البحوث العلمية. وهذا الواقع السيئ والمأساوي سيفضي لا محالة, الى استنكاف الباحثين عن العمل وبالتالي حدوث نقص كبير في الانتاج العملي من حيث المردود النوعي والكمي معا, حيث نلاحظ ـ في هذا المجال ـ ان انتاج العلماء العرب يقف عند حد 0.4 بحث في العام.. اما فيما يتعلق بالانتاجية العربية مقارنة مع الكيان الصهيوني (الذي تبلغ ميزانية البحث العلمي لديه حوالي 5 مليارات دولار سنويا) والدول المتقدمة الاخرى, لا يزيد الناتج العربي على واحد بالمائة من الناتج الصهيوني واقل من ذلك ـ بالتأكيد ـ بالنسبة للدول المتقدمة. وتشير احصائيات اليونيسكو الى توفر حوالي سبعة آلاف عالم وفني في ميدان البحوث والانماء في الوطن العربي في عام 1973, وكان على هؤلاء ان ينشروا ـ اذا استخدمنا المقاييس الدولية للاداء ــ ما بين 4000 و8000 بحث سنويا, بينما لم ينشر الباحثون العرب إلا 847 بحثا اي بمعدل انتاجية اقل من 10% من المعدل الدولي. وهذا يعني ان هناك حاجة لعشرة باحثين عرباً في المتوسط لانتاج ما ينتجه باحث واحد في المتوسط الدولي. وبالنظر الى ذلك فإننا نؤكد ان هناك هوة واسعة بين العمل الجدي الحقيقي المنتج والمطلوب وبين ما هو منتظر من الامكانات والمواهب البشرية العاملة في ميدان البحث والتطوير من العلماء والاكاديميين الباحثين في المؤسسات العلمية العربية. لذلك اذا ارادت امتنا العربية ان تفتح مسارات وطرقا واسعة باتجاه امتلاك زمام المبادرة الحضارية في المستقبل ـ وبالتالي المساهمة الفعالة في بناء الحضارة الانسانية ـ فعلى نخبها وقياداتها السياسية ان تعيد الاعتبار المؤسساتي, دولة الموازنات والخطط التنموية الشاملة التى ترعى ـ بصدق ومسؤولية ـ العلم والعلماء وتتيح عملية التداول السلمي للسلطة والممارسة السياسية, وتقوم بتنمية الثروة بالادارة العلمية الكفية, وتجعل من العلم والبحث العلمي المبدع رافعة للدولة والمجتمع على اساس اولوية العلم على المال والوعي على تكديس المال والثروة, وذلك باعتبار ان هناك طاقة وقيمة حضارية وتقدمية مختزنة في ذات العلم تضع المال والثروة في خدمة هذا العلم الذي يخطط بطاقته, ثروة ومال الامة. ان التحديات والاخطار المحدقة بأمتنا كبيرة جدا, اذ اننا نواجه مشروعا صهيونيا توسعيا يحيط بنا ويحاول ارباك اوضاعنا ومواقعنا كلها. انه نظام قهري دموي يهدد الارض والانسان معا, ولا سبيل الى تقويض دعائمه ومواجهة مرتكزاته إلا بانتهاج طريق العلم والمعرفة العلمية المتوازنة التي يجب ان تدفعنا جميعا ـ بحكم ضعفنا وانهيار مناعتنا الذاتية ـ الى اعطاء القيمة الكبرى للعلم والبحث العلمي وما يستحق من عناية واهتمام وبناء الادارة العلمية الاخلاقية وابتكار اساليب جديدة لتنشئة الاجيال العربية على عشق العلم الهادف وتنمية حس وروح المبادرة والبحث لديها. اننا نعتقد ان البحث العلمي العربي المنشود هو احد العناوين المشرقة التي يمكن ان تمنحنا ــ من خلال تفعيل ادائها ودعمها وفتح المجالات امام خبراتها للانطلاق والمساهمة في بناء الانسان وتنمية المجتمع ـ القدرة على المضى قدما في عملية النهوض الحضاري للامة وامتلاك المستقبل بالارتكاز الى رؤية حضارية علمية تعتمد على اعادة النظر في تنظيم آليات الانبعاث, وانماط الايقاظ المستمرة لفكر الانسان العربي, وتعميق ادراكه ووعيه بطبيعة التغيرات الكبيرة الحاصلة في العالم, وتهيئته لها نفسيا وماديا, وهذا الامر يتطلب التركيز الدائم على اجراء البحوث الاجتماعية الانسانية نفسها, لانها القادرة على كشف ذات الانسان ومحتواه الداخلي وفهم تشكيلاته وابنيته الاجتماعية, وبالتالي تربية الاجيال الشابة واعدادها للمستقبل من خلال توفير مناهج علمية (تربط العلم بالاخلاق الانسانية) وتأمين وسائل علمية متطورة. ان الامة التي تريد ان تنتج او تبدع شيئا جديدا يعود بالفائدة والنفع على ابنائها.. هي الامة التي تحترم شعبها وجماهيرها وتقدر كفاءاتهم ومواهبهم وابداعاتهم الفكرية والعلمية.. انها الامة التي تعي حقيقة مقدراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية.. وتقوم بتوجيهها الوجهة الصحيحة على صعيد العمل والممارسة الابداعية وربط الاهداف بالنتائج المثمرة.. وبما يخدم تطلعاتها واهدافها العالية والطموحة في قيام الانسان الذي هو اساس الحياة ومنطلق الوجود. انني ارى ان مستقبلنا هو رهن لفعلنا وبذرنا الراهن.. انه ثمرة اعمالنا وحصاد ما نزرعه في لحظتنا الحالية التي يجب ان نعمل فيها على تغيير اوضاعنا من الداخل وتحسين مواقعنا ومضاعفة جهودنا, وفهم دورنا في العالم, وتكثيف مساهمتنا في المسيرة الانسانية العالمية, وانفتاحنا على الآخرين بوعي وثقة ليكون لنا موقع ودور في الحضارة الحديثة من خلال وعي الثوابت الفكرية والمعرفية للامة والاهتمام المسؤول بنسيجها وبنيانها التاريخي الحي والحيوي. ومن خلال ذلك يمكن ان يحدث عندنا يقظة حضارية او انبعاث حضاري قد نمتلك عبره بعض معالم السيطرة على المستقبل. ولاشك ان ذلك يمر في طريق ممارسة النقد والمراجعة لكثير من حساباتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية, بحيث يؤهلنا ـ هذا النهوض او الانبعاث الحضاري المستقبلي ـ ان نكون, كأمة رائدة, معادلة مستقلة تفرض وجودها في مواجهة (مقابل) المعادلات التي فرضتها (ولا تزال تفرضها) الدول الكبرى علينا ولاشك ان السبيل الوحيد الى ذلك هو تغيير ما بالنفس كأساس لتغيير ما بالواقع. * باحث وكاتب سوري