تواجه الانشطة الثقافية في البلدان العربية مأزقا مضاعفا اساسه امران, الاول هو التخفيض المستمر في الانشطة الثقافية التي تقوم بها الحكومات والمؤسسات الرسمية العربية, والثاني انشغال الاكثرية السكانية العربية في الركض وراء لقمة العيش وشؤون الحياة المباشرة على حساب الانشطة الثقافية والترفيهية . والتدقيق في هذين الامرين يبين مدى العلاقة الوثيقة بينهما لدرجة يمكن معها القول انهما بالفعل وجهان لعملة واحدة هي تدهور حالة الثقافة في البلدان العربية, والتي بين مدلولاتها تزايد نسبة الامية في اوساط العرب, وغلاء اسعار الكتب, وصعوبات انتقال الكتاب من بلد عربي لآخر, والتدهور الاجتماعي والاقتصادي الذي اصاب المثقفين ورجال الفكر, وتحول الجزء الفاعل من النشاط الثقافي الى نشاط ثقافي استهلاكي, وقد يكون التعبير الابرز عنه ما تقدمه اجهزة الاعلام العربي من ثقافة ولا سيما ثقافة الفضائيات ومحطات التلفزة العربية. والقول بتراجع دور الدولة والمجتمع في النشاط الثقافي العربي, يتطلب منا عودة الى عقدي الستينات والسبعينات, حيث كانت اغلب البلدان العربية تشهد انشطة ثقافية واسعة تديرها الدولة او المجتمع او كلاهما معا, وهذا ما كان يجعل من بيروت منبرا ثقافيا, يجذب اليه مئات من كبار المثقفين والمفكرين العرب, والقائمة في هذا طويلة جدا, وهي قائمة تتماثل مع قائمة المبدعين من المسرحيين والسينمائيين والموسيقيين الذين كانوا يقيمون في بيروت, او يمرون بها بين حين وآخر, يأخذون فرصتهم في اطلالة على بعض المشهد الثقافي العربي والذي كانت بيروت بين عواصمه من حيث اصدار مئات الكتب الى جانب مجلات متخصصة, اضافة الى كثير من الصحف والمجلات بما فيها من حوارات وسجالات. المد الثقافي والظاهرة الثقافية في بيروت الستينات واواسط السبعينات, كانت تجد لها موازيا من نوع آخر في القاهرة التي هي بحق احد اهم العواصم الثقافية العربية, حيث فيها عشرات المشاريع التي تنتج ثقافة فيها كتب ومسرح وسينما وموسيقا, وفي الكتب شعر ورواية وقصص وابحاث ودراسات, وفي المسرح اضافة الى المسرح الكلاسيكي مسرح حديث وآخر تجريبي, يتناول التاريخ المعاصر, وفي السينما كانت سينما الفرجة الى جانب سينما الاهداف والغايات التي تتداخل فيها الاهداف السياسية مع الاجتماعية. وبجانب هذين المركزين الكبيرين في شقي العالم العربي الآسيوي والافريقي, كانت هناك محطات فرعية تؤشر الى اهمية الواقع الثقافي العربي ونهوضه, ولعل بين تلك المحطات النشاط الثقافي المميز الذي بدأه المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب في الكويت والذي كان بين اهم اصداراته مجلة (العربي) وقد امضت حتى الآن اربعين عاما من عمرها, وبين المحطات العراق الذي كان وحتى نهاية السبعينات اكبر اسواق الكتاب العربي, ومواطنوه ربما اكثر العرب قراءة, وثمة مثال آخر من المغرب العربي وهو الجزائر, التي كانت منذ بداية الستينات قد بدأت معركة التعريب, في حدود ذلك كان حضور واسع لمثقفين وكتاب عرب في مؤسساتها واجهزتها الثقافية الى جانب اهتمامها بالنشر العربي كتبا في الادب والتاريخ وعلوم العربية. لقد كانت دمشق في موقع الوسط في الواقع الثقافي العربي, وهي في ذلك انما توازن بين تغييرات سياسية كانت تجتاحها من جهة, وحاجة الجمهور الى ثقافة عميقة ومعمقة, تستند الى موروث من دور دمشق الثقافي في القسم الآسيوي من الوطن العربي, وفي ذلك الموقع الوسط, كان القارىء السوري بين القراء العرب الاوائل, والسوق السورية بين الاسواق المهمة للكتب والمجلات العربية الرزينة. مرحلة التردي غير انه ومع بداية الثمانينات, اخذت تتقوض اركان المشهد الثقافي العربي, حيث لبنان تراجع دوره بعد سنوات من الحرب الاهلية المدمرة, وما لبث الاجتياح الاسرائيلي في صيف 1982 ان اكمل تدمير بعض ماكان قد بدأ يستعيد نفسه من الفعاليات الثقافية في لبنان, وهو وضع استمر صعودا الى بداية التسعينات, لتبدأ مرحلة من استعادة لبنان لدوره في اللوحة الثقافية العربية. ومصر شهدت هي الاخرى تحولات مهمة في تدهور اوضاعها الثقافية متناسبة بذلك مع تحولات المشهد السياسي هناك فيما جره من تبعات اقتصادية واجتماعية وثقافية, وخلال النصف الثاني من السبعينات عاشت مصر فترة امتدت سنوات من الهجمات المتكررة على الثقافة والفكر وعلى الكتاب والمفكرين والمثقفين الذين ارتحلوا خارج مصر, او اودعوا سجونها وزنزاناتها وبينهم اسماء ورموز للثقافة والفكر, وبرفقة ذلك, كانت تتم عملية تهميش مضمون بعض الاصدارات الثقافية التي كانت تتابعها الدولة في اطار مشروعها الثقافي. والعراق الذي شهد ترديا ثقافيا متصاعدا مع بدء الحرب العراقية ــ الايرانية عام 1979 والتي استمرت ثماني سنوات, وزاد التردي بعدها في حرب الخليج الثانية التي مازالت اثارها مستمرة حتى الآن مما اخرج العراق بصورة تكاد تكون كلية من المشهد الثقافي العربي, حيث لا قراء ولا كتب, لان العراق غرق في رحلة البحث عن الغذاء والدواء, وهي رحلة شاقة يستحيل ان تقبل شركاء فيها مثل الثقافة. وربما يكون ماحدث في جزائر التسعينات يشبه في بعض جوانبه ما حدث في العراق, حيث صار هاجس الامن ولقمة الخبز بين الهواجس الاولى لحياة الجزائريين, وهو حال يشبه حال كثيرين من العرب في بلدان اخرى, مما يقودنا الى اختصار القول بان صعوبات ثقافية قد احاطت معظم العالم العربي ببلدانه وشعوبه, الامر الذي يؤشر الى ان ثمة حاجة لاحداث نقلة نوعية في الواقع الثقافي العربي. واذا كانت الدولة ذات امكانيات محدودة, او انها غير راغبة في القيام بعبء المشروع وان مؤسسات المجتمع المدني الثقافية والفكرية هي غير موجودة او ضعيفة, مما يؤدي للعجز عن القيام بدور ثقافي مهم, فان هذا يعيد طرح المسألة الثقافية على الجمهور الواسع وعلى الفئات الاكثر وعيا وفهما للثقافة واحتياجاتها, والامل في ذلك: اولا: اعادة طرح المسألة الثقافية وضروراتها الحضارية والتنموية, باعتبارها حاجة انسانية, وحاجة قومية ووطنية لامكان تجاوزها. ثانيا: تشكيل قوة ضغط من الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني, على الحكومات العربية من اجل اعادة احياء وتطوير مشروعات ثقافية جادة عميقة ومعمقة, تلبي الاحتياجات الاساسية للمجتمع, وتكون بين عوامل تقدمه وتطوره. ثالثا: الدعوة الى مشاركة وطنية قومية شاملة في انشطة ثقافية ذات طابع تعددي في محتوياتها ومستوياتها وفي اختصاصاتها, تضمن مشاركة القسم الاكبر, ان لم نقل كل الفعاليات الثقافية والابداعية المقيمة في البلدان العربية او المهاجرة. رابعا: تشكيل صندوق عربي للثقافة يساهم فيه الموسرون ورجال الاعمال واصحاب الفعاليات والانشطة المتصلة بجوانب ثقافية الى جانب المثقفين والمفكرين القادرين, تكون مهمته رعاية وتمويل بعض المشاريع والانشطة الثقافية على المستوى العربي العام, او على مستوى كل بلد على حدة. ان تحركا جماهيريا واسعا, تشارك فيه الفعاليات الثقافية في العالم العربي من اجل المسألة الثقافية ومحتوياتها صار ضرورة موضوعية, ولعل بين العوامل المساعدة, ان هناك مجموعة من الفعاليات الثقافية العربية التي تنشط في عدة بلدان, والتي قد يكون اتحادها مقدمة لانشاء صندوق عربي للثقافة. * كاتب وصحفي سوري