شعور غريب يتملك المرء وهو يصافح بوز ألدرين الرجل الثاني الذي مشى على سطح القمر بعد زميله نايل أرمسترنج شعور غريب كأنما يضعك في لحظات أمام مخلوق قادم من الكواكب الأخرى النائية, كأنما بينك وبينه بون سحيق أو عالم مجهول .. فهو ذات يوم .. منذ ثلاثين عاما بالضبط قام بمغامرة(أبولو 11)وخطا خطوات أولى على سطح كوكب كنا الى عام 1969 نعتبره خيالا ونشبه به وجه حبيبتنا ونناجيه في ليالي الضجر والحزن والحب والسهر, هذا الرجل هو أحد الرجال الثلاثة ارمسترنج وألدرين وكولنز .. كانت الساعة تشير الى الرابعة و56 دقيقة عصرا في الخليج يوم 21 يوليو 1969 حين نطق ارمسترنج بجملته الشهيرة: (خطوة صغيرة لرجل واحد تحقق قفزة عملاقة للانسانية). بوز ألدرين كان في فرنسا منذ أيام قليلة, والتقيته مع مجموعة من الصحفيين والمتطلعين في دردشة مخطوفة من وقته, فقد جاء يقدم في فرنسا نتائج دراسة علمية قام بها حول لقاء المحطات الفضائية ومشاكلها, كما جاء لانجاز اعلان تجاري لفائدة شركة البسكويت المعروفة في مدينة (نانس) الفرنسية باسم (لو), كان ألدرين يرتدي جاكيت أحمر عليه وسام (أبولو11) وكان بالطبع يحمل علامات سنه فهو اليوم في التاسعة والستين وعندما مشى على سطح القمر كان سنه تسعة وثلاثين عاما, لكنه حافظ على قامته الرياضية وابتسامة مطمئنة, كان يستعد لحفل في البيت الأبيض يقلده فيه نائب الرئيس آل جور وساما أمريكيا اعترفا بفضله وفضل جيله من رواد الفضاء الأوائل. سألته عن شعوره في تلك اللحظة التي وطأ فيها سطح كوكب آخر غير الأرض لأول مرة في تاريخ البشرية فقال مبتسما: (كان هناك فرق كبير بيننا وبين عامة الناس الذين يشاهدوننا على شاشات التلفزيون, كان مليار من البشر يوم 21 يوليو 69 مندهشين فرحين واحيانا غير مصدقين, أما نحن: أنا وكولنز وارمسترنج لم يكن لدينا وقت للأحاسيس العادية كنا مكلفين بمهمة وعلينا انجازها في أحسن الظروف وبأقصى الدقة وفي منتهى السرعة, كنا فعلا نفكر في انجاح مهمتنا العملية, كان علينا جمع صخور قمرية واجراء تجارب مختلفة على عين المكان وفي الأخير زرع راية الولايات المتحدة الأمريكية فيما كان يسمى بحر الهدوء وهو المكان القمري الذي نزلنا فيه. وسألته مع صحفي آخر من جريدة فرنسية عن بحر الهدوء وهل كان رواد الفضاء هادئين كما رأيناهم ذلك اليوم؟ فقال: اننا تحت لباسنا الفضائي الثقيل لم نكن نشعر بالهدوء مثلما يخيل لكم في الأرض من خلال الصور المبثوثة البطيئة بل كنا في مناخ متوتر, نعم كنا متوترين وخاصة عندما كنا نحس ان العالم بأسره يسلط علينا الاضواء ويرانا ويتطلع الى مصيرنا الذي كان مجهولا. وعن شعوره العميق كانسان وهو يتأهب للنزول من مركبته الى سطح القمر : يقول ألدرين: كنت واعيا بأننا جئنا في مهمة وليس في رحلة سياحية, وكان كل تفكيري مركزا على نجاحي ونجاح زملائي في المهمة, لم أكن أفكر قبل أن تسمح لي قاعدة كاب كانفرال بالنزول الا في شيء واحد وهو أن أصلي .. أن أتوجه للصلاة والدعاء, وبالفعل طلبت من هيوستن بعض لحظات صمت وصليت, ويقول ألدرين عن آماله: (أود أن يسمعني العلماء في أمريكا والعالم, أكثر من مجرد التكريم فأنا أقول ان خطوات أخرى تبقى ضرورية لغزو الفضاء, فالرحلة الى المريخ ممكنة بعد عشرين عاما ويمكن ان نتخذ من القمر محطة نحو ذلك الكوكب الأكبر والأجمل والأكثر وعوداً) . وعن زميليه (ارمسترنج وكولنز) يقول ألدرين: (انني لا أراهما كثيرا, فكل منا شق طريقا مختلفة عن زميليه, وأنا أقابل كثيرا من زملائي الذين اشتركوا في حرب كوريا وكنا جنبا الى جنب في تلك الحرب) . كلمات عفوية بسيطة للاجابة السريعة الفورية عن أسئلة تخالجنا, لكنها لا تكشف الا جانبا صغيرا من تلك المغامرة الكبرى المحفوفة بالمخاطر والتي فتحت الطريق في وجوه آخرين, والتي أعطت للكون بعدا آخر جديدا, تجاوز مجرد الكوكب الأرضي الذي نعيش عليه ليشمل عوالم أخرى.