هذه سطور نبعث بها من الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها ضمن الحصائل الأولى لرحلتنا التي قد تطول عدة أسابيع باذن الله.. وسواء علينا أمضينا هذه الفترة في خدمة الأمم المتحدة التي قدمت إلينا الدعوة أو عمدنا إلى جانب منها نكرسه بفضول المثقف العربي لكي نتابع عن كثب ما يجري في الجانب الآخر الشمالي كما قد نسميه من العالم وهو جانب التقدم في مضمار العلم والتكنولوجيا, بالذات الجانب الذي يمد الشمال بأسباب القوة والقدرة على الولوج واثقا مطمئنا إلى عتبات القرن العشرين مجتمع المعرفة لعل أول ما يصادف المتابع لمجريات الأمور السياسية والاقتصادية في بلد مثل أمريكا حيث لم يعد ثمة حدود بها قاطعة فاصلة أو مانعة بين السياسة والاقتصاد هو ذلك التحول الذي يلمه المراقب المدقق وتكاد تلخصه عبارة بسيطة تقول (من مجتمع المعلومات.. إلى مجتمع المعرفة) . والمعنى أن المعلومات بفضل ثورة الاتصالات وما نبع عنها من تحولات في أساليب الحوسبة (استخدام الحاسوب الكمبيوتر) وتغطية كرة الأرض بشبكات التواصل الدولية أو فلنقل الكوكبة وما يتصل بذلك من التحول إلى الاتصالات الرقمية (ديجيتال) كل هذا جعل المعلومات مهيأة ومتوافرة ومتاحة أمام كل أطراف أي مجتمع متقدم أو يحاول أن يتقدم.. المطلوب اذن هو (هضم) هذه المعلومات وهو فاعلية استخدامها, وهو تحويلها من مجرد بيانات صماء.. أرقام وجداول وحقائق وعبارات إلى حيث يتم استيعابها وتمثلها كي تصبح جزءا أساسيا لا يتجزأ من النسيج الفكري للمجتمع الحديث.. ولكي تترجم من حيز الرقم أو المعلومة إلى ميدان الاستخدام العملي والتطبيق وأيضا إلى حيث يحولها المجتمع إلى فكر مستنير, ورفض للتعنت والعرقية والتعصب والى سماحة في التعامل مع اختلاف الرأي وتباين المواقف والى إقرار الأخذ الديمقراطي والعطاء بين قطاعات المجتمع الحديث والى تكريس المبادئ المستجدة التي بات المجتمع الإنساني بحاجة إليها في مطالع القرن الوشيك وهي المبادئ التي تلخصها كلمات أو شعارات من قبيل الشفافية بمعنى عدم احتكار المعرفة ورفض كهنوت المعلومات والعمل على زيادة وحرية تدفقها. المساءلة وهي ترادف المحاسبة التي تجعل كل طرف فاعلا في المجتمع مسؤولا عما يقدم عليه من سلوكيات وتصرفات وبحيث يصبح كل امرئ بما فعل وبما قرر رهين.. سواء في مجال الحكم أو السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو في مجال تنشئة الأجيال الجديدة. المشاركة.. وهي تتم في إطار الديمقراطية بأساليب شتى.. ونحن نضع خطوط عدة تحت تعبيرات شتى.. ان الديمقراطية هدف أساسي يترجم في كلمة المشاركة وهي تنطوي على المشاورة والتفاعل بين سائر مستويات الحكم ومواقعه وهي الكفيلة بتعميق روح المواطنة وتفعيل حس الانتماء بين أبناء الوطن الواحد وأفراد الأمة الواحدة.. فالناس يشعرون بانتماء عميق إلى الشأن العام الذي يشاركون فيه مهما تعددت وتنوعت أساليب هذه المشاركة التي لا تقف في رأينا عند الأسلوب الغربي البرلماني الحزبي التقليدي لممارسة الديمقراطية التمثيلية أو النيابية مع احترامنا لمثل هذه التجارب والاجتهادات الإنسانية ولكنها قد تتعدى من حيث الصيغ والأساليب في ضوء تعدد الثقافات والأنساق الحضارية والمجتمعية بقدر تعدد الأمم والشعوب من نضج وتمرس في مجال التجربة السياسية.. بيد أن الأمر لا غنى عنه في كل حال من صحافة تتمتع بحرية النشر وشجاعة النقد النزيه البناء البعيد عن التخريب أو الهوى أو تصفية الحسابات أو التشهير أو الابتزاز.. وكلها بثور طفحت كما تدل التجربة الحية على بنية مجتمعات الغرب بسبب انحراف الصحافة عن رسالتها في التعريف والتثقيف والتوعية والتنوير.. وان كانت مثل هذه البثور أو هذه السلبيات لا تعني إدانة الصحافة أو كبت حريتها في التحليل الآخر. لقد قال طه حسين يوما ما معناه (ليس معنى أننا نقرأ القرآن.. أن نبادر كي نهدم الأهرام) .. وكان يقصد العروبة بتراثها الإسلامي المضيء لا يجب أن تدفع القوم إلى إلغاء حضارات سبقت ومنها حضارة مصر القديمة, وإنما هو الجمع بين الخير هنا والعبرة هناك.. وبهذا تستقيم الأمور . بنفس المقياس تقرأ في صحافة أمريكا سخافات الإثارة والمداعبة الرخيصة لأحط الغرائز في صحافة ( التابلويد) وترفض هذا كله.. ومن القوم هناك من يرفضونه إلى حد الإدانة.. لكن ما من صوت ارتفع مثلا بإلغاء أو إغلاق هذه المنافذ.. لماذا؟.. لان ثمة منافذ أخرى للهواء النقي النظيف.. ثمة وجه آخر للصورة.. تتمثل في مطبوعات ما اشد ثراءها وما أغزر كثرتها.. تنطلق من منطق الجدية ورغبة المعرفة وتوق الاستنارة وهي تصدر على شكل صحف جادة أو دوريات محترمة علميا ومعرفيا ودراسات اكثر من متعمقة.. وتقارير رصينة ما أجدرنا نحن أبناء العالم الثالث ــ أن نتعلم منها ونحن جديرون بيقين أن نتعلم الكثير والمفيد. دور الأونكتاد دونك مثلا التقارير التي اطلعنا عليها مؤخرا في رحلتنا الأمريكية الراهنة.. بعضها صادر عن (الاونكتاد) (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وهو منظمة تابعة للأمم المتحدة ومقرها جنيف وترجع ريادة الدعوة إليه في عام 1964 إلى الزعيم جمال عبد الناصر).. ومن ثم عقدوا أول مؤتمر للاونكتاد في تلك الفترة الباكرة (من 35 عاما) برئاسة وزير المالية الدكتور عبد المنعم القيسوني.. والى جانب إصدارات الاونكتاد صادفنا أيضا تقارير صادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بعنوانها الشهير الذي ينبغي أن يجذب اهتمام كل المشتغلين بأمور السياسة وقضايا الاقتصاد وبالعمل العام وفي الصحف والإعلام.. ناهيك عمن اختارتهم حظوظهم السعيدة طبعا لمواقع المسؤولية الوزارية وما في حكمها ضمن دواليب الإدارة والحكم في بلادنا.. والحق نقول أن مثل هذه الإصدارات الدولية ليست بالأمور الهينة أو المبسطة عند الاطلاع عليها وتناول ما تحتويه من مفاهيم وطروحات.. والحق نقول أيضا انه مهما حاولنا تسويغ أو تبسيط أو ترشيق ما نكتبه بعد مطالعتها فسيظل الأمر صعبا ويظل بحاجة إلى جهد إضافي من القارئ الجاد. رأس المال والمخاطرة وما باليد حيلة: وشتان بين الكتابة عن نجمات السينما وأين تسهر هذا المساء وبين الكتابة مثلا عن حكاية نحسبها في غاية الخطورة والأهمية وهي (رأس المال.. المخاطر) (الميم مضمومة بمعنى المال الذي يقدم على المجازفة ويروض نفسه على المخاطرة). التعريف يعرفه ولا شك زملاؤنا أهل الاقتصاد ولكنه في زمننا الراهن لم يعد مجرد سلوك في توظيف الأموال.. بل اصبح صناعة لها تقاليدها ومرتكزاتها وأعرافها وقوانينها. ولا عاد مقصورا على المشاريع الصعبة مثل التنقيب النفطي أو النشاط المنجمي أو استكشاف موارد البحر المحيط.. بل دخل باقتدار إلى حيث التوظيف في أهم الميادين التي تتميز بين مجتمعات التقدم والمجتمعات التي ليست كذلك: * ميدان الكشف العلمي البالغ الطموح * ميدان البحث والتطوير * ميدان التطوير التكنولوجي غير التقليدي وغير المسبوق وغير الممهد ولا المأهول ولا المتعارف عليه (وتسمى في هذا المضمار التكنولوجيا الرقيقة (هاي تك) ) البدايات في أمريكا مع مطالع الخمسينات كانت أمريكا قد هيأت نفسها إلى أن تكون الدولة رقم واحد في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.. كانت قد خرجت من الحرب سليمة الموارد رغم كل ما خسرته من أرواح ومعدات سواء في ميدان أوروبا الغربية أو الباسيفيكي.. لكنها استطاعت أن تقضي على منافسها الأوروبي (ادولف هتلر) وآلته الحربية الرهيبة بل استقدمت كوكبة من علماء النازي سابقا بفعل الترغيب المتمثل في اغراءات الأمن والحياة الرخيصة الميسورة في الولايات المتحدة ناهيك عن الترهيب الذي رفعوه في وجوه هؤلاء العلماء الألمان وقد هددوهم بكشف ماضيهم النازي في خدمة الهتلرية بعد أن افلح الإعلاميون اليهود بالذات في تصوير الهتلرية وكأنها حقبة المردة وصنع الكفرة وبنت الشيطان. في تلك المرحلة بالذات بادر رئيس معهد ماسا شوستس وكان من اكبر معاهد التكنولوجيا في زمانه إلى إنشاء هيئة بالغة الطموح في مجال العلم والاستكشافات وخلع عليها الاسم الجديد (المؤسسة الأمريكية للبحث والتطوير) وبديهي كما يعرف المشتغلون بهذه الأمور أن يقترن جانب البحث بجانب التطوير.. بمعنى أن العلم لوجه العلم يصبح ترفا قد لا يستحق الموارد الهائلة المرصودة في سبيله.. ولكن ينبغي أن يوضع العلم في خدمة الناس ترقية لحياتهم, ومزيدا من تيسير وتسخير موارد الكون لمصلحتهم.. وبحثا عن علاج لادوائهم (وقد اتسعت هذه الادواء كما لا يخفى عليك فشملت مع مغيب هذا الزمن ما يصيب بيئة كوكبنا من أشكال التلوث في البر والبحر وفي الهواء). وعندما يكون الهدف هو وضع البحث العلمي في خدمة الإنسان حينئذ يبرز جانب التطوير وهو يحمل في معناه الإنجليزي والفرنسي ظلالا تفيد بالتنمية والترفيه والنماء.. بقدر ما تثير أيضا معاني الاستحداث والبناء والابتكار. ارتباط البحث والتطوير وعندما يشيدون هذا الجسر الحيوي من جانب النظرية والتطبيق يرتبط البحث بالتطوير وبمصطلحات زمننا ويرتبط العلم وجوبا بالتكنولوجيا وليس صدفة أن المؤسسة الأمريكية للبحث والتطوير التي أشرنا إليها قامت على يد رئيس معهد التكنولوجيا الذي كان في الأصل أستاذا لعلم إدارة الأعمال في جامعة هارفارد الذي عمد بنجاح إلى الجمع بين موقعه الأكاديمي وبين تحوله لكي يصبح واحدا من رواد تنظيم المشاريع التجارية بعد إنشاء مؤسسته المذكورة التي جعلت همها تصنيع نواتج التكنولوجيات التي أمكن تطويرها خلال سني الحرب العالمية وفي مقدمتها المعدات الرقمية التي بدأ استخدامها في مجال الاتصالات وكانت حدثا بارزا ورائدا في ذلك الحين. كانت تلك هي البذرة الأولى لما يمكن أن نطلق عليه من جانبنا العربي أوصافا من قبيل: * صناعة تشجيع الأفكار الجديدة الفائقة الطموح * مؤسسات الضمان لتمويل المبتكرات التي لم يسمع بها أحد * بنوك الأفكار ومشاغل تصنيع المستحدثات حتى ولو كان بعضها في حكم الجنين الفكري الذي لم يتخلق بعد, بل يكون في غلالة سديمية بين حيز الفكرة المجردة والخيال المجنح والهدف العملي النفعي المنشود. * خلال عقد الستينات والسبعينات كان الممول الرئيسي لمؤسسة البحث والتطوير في أمريكا هو شركات التأمين وخاصة دوائر التأمين ضد المخاطر. معنى المؤسسات والدرس المستفاد الآخر بالنسبة لنا هو أن مثل هذه المؤسسات كانت بالفعل مؤسسات, وكانت جديرة حقا بهذا اللقب الخطير.. أين ذلك للأسف الكيانات التي نطلق عليها أوصاف مؤسسات في العالم العربي وكلها ــ في رأينا ( ألقاب دائرة في غير موضعها.. لماذا) .. لان المؤسسة بحكم التعريف كيان متوازن راسخ البنيان متين الدعائم.. يقدم لكي يبقى ما دام يحقق الهدف من إقامته.. لا يتأثر بتبديل المدراء ولا تناوب السلطة بين وزير يأتي ووزير يرحل.. ولا تناوشه رياح أهواء الفردية أو الشللية أو الوشايات أو تقلبات الأمزجة, ناهيك عن تغير القابضين على مقاليد الصولجان بين التغيرات والثورات والانقلابات التي شهدها النصف الأخير من هذا القرن سواء في وطن امتنا أو في العالم الثالث الذي ننتمي إليه . كل ذلك كان عرضة لعواصف التبدل والتحولات.. وكل ذلك والمؤسسة الأمريكية إياها راسخة.. باقية.. فاعلة ومن ثم فعالة ومؤثرة ومتطورة, لم تتأثر بوجود الديمقراطيين أو الجمهوريين, اليسار أو الوسط أو اليمين في البيت الأبيض أو في الكونجرس أو في دوائر الحكم والإدارة. في ظل هذا المناخ من الاستقرار (المؤسسي) كما نؤكد عليه جاء عقد الثمانينات الماضي والتسعينات الراهن ليشهد تطورا اقرب إلى الطفرة في حجم وفاعلية رأس المال المخاطر في الولايات المتحدة. الحقائق بالأرقام وأمامنا أرقام الرابطة الأمريكية لصناعة رأس المال المخاطر التي تشهد بالتطور التالي وله دلالته البالغة: * في عام 1978 كان رأس مال هذه الصناعة المشجعة للابتكارات واقتحامات مجاهيل العلم واستكشاف تخوم التكنولوجيا هو 200 مليون دولار فقط لا غير. * في مدى 5 سنوات فقط لا غير أيضا ارتفع هذا الرقم ليصبح 4.3 مليارات دولار. * في عام 1998 بلغ حجم الأموال التي استثمرتها صناديق صناعة رأس المال المخاطر 16 مليار دولار (باسم الله ما شاء الله) بزيادة قدرها 12% عن عام 1997 الذي سبقه وبزيادة قدرها بداهة 80 ضعفا في مدى عشرين سنة من عمر الزمن! * كيف تم توزيع هذه الحصيلة الطائلة؟ ــ تقول أوساط الرابطة الأمريكية السابق ذكرها: وزعت في مجالات لها دلالتها الخاصة.. برامج تطوير الحواسيب الكمبيوتر (4.5 مليارات دولار) وبرامج تطوير الاتصالات الفضائية الكوكبية وغيرها (8.2 مليار دولار) والبحوث الدوائية للشركات الطبية والصيدلانية (2.2 مليار دولار) ومؤسسات بحوث التكنولوجيا الإحيائية البيوتكنولوجية (هندسة الجينات وعلوم الاستنساخ مثلا وقد نالها مليار دولار) وبعد ذلك وزع باقي هذه الأرصدة الطائلة على ابرز مؤسسات البحوث الأكاديمية في مجالات العلم والتكنولوجيا وفي مقدمتها معامل ودوائر جامعة ستانفورد في نيويورك وجامعة كاليفورنيا في بيركلي ومعهد بحوث التكنولوجيا الشهير الموجود في ولاية ماساشوستس. والسؤال المطروح على الرابطة الأمريكية السابق ذكرها هو: * كيف نلخص الهدف من كل هذه الأموال والجهود؟ ــ والجواب بسيط في إيجاز يقول: هو إيجاد وتطوير وطرح أفكار يمكن تسويقها. والى الجزء الأخير كاتب سياسي مصري ملحوظة: هذا الجزء يوضع في إطار داخل المقال وعندما يكون الهدف هو وضع البحث العلمي في خدمة الإنسان حينئذ يبرز جانب التطوير وهو يحمل في معناه الإنجليزي والفرنسي ظلالا تفيد بالتنمية والترفيه والنماء.. بقدر ما تثير أيضا معاني الاستحداث والبناء والابتكار