قلنا في مقالة الأمس بأن تقديم التراث تلفزيونيا يتم ــ للأسف ــ بشكل مهلهل وغير مدروس, ولا يعني كثيرا الــ (كم) تليفون, والاتصالات التي تستقبلها هذه البرامج, فإن عدم وجود إعلان تجاري واحد يمكن ان يقيس لنا مقدار الفشل والنجاح . إن تقديم البرامج التوثيقية (للتراث والتاريخ) , اذا استمر ملقى على عاتق الصغار والمذيعات غير المؤهلات, فإن مقدارا من السخرية والاستهجان الجماهيري سيظل يلاحق هذه البرامج, وما على مسؤولي التلفزيون سوى اجراء دراسات ميدانية وسبر آراء الجماهير لمعرفة مقدار القبول والرضا عن هذه البرامج وغيرها من برامج التلفزيون ولابد ان يعرف القائمون على أمر هذا الجهاز الذي ينفق عليه ما لا يقل عن 200 مليون درهم سنويا, ان عطاءه ومردوده دون المؤمل والمرجو وهذا ما تقوله نخب اجتماعية وثقافية وقطاعات واسعة في المجتمع. ان جهازا اعلاميا خطيرا كالتلفزيون يتعامل أولا وأخيرا من خلال ما يقدم من برامج وما يصنع من دراما وما يوثق من تاريخ مع قيم انسانية ومع ذاكرة أمة ومستقبل أجيال, كذلك فهو يتعامل مع جمهور واسع متعدد الاتجاهات والمستويات العلمية والثقافية وهو ــ أي الجمهور ــ على جانب من الوعي بما يقدم له, ولديه القدرة على الفرز بين الجيد والسيىء وبين ما يجب وما لا يجب من خلال ما يتابع ويشاهد من تلفزيونات العالم, ان لهذا الجمهور أعصابا لا تفعل بعض برامج التلفزيون الحالية شيئا سوى استثارتها وإغفال كل جوانب الفهم والذكاء والدراية لدى أصحابها! أعتقد بأن أول شروط الرسالة الاعلامية ان تكون منتمية بمعنى انها ذات صلة مباشرة وتمثل جانب اشباع للجمهور, فهي تعنيه أو تهمه في نهاية الأمر, إذن من هنا فلابد للمؤسسة الاعلامية والقائمين على أمر تنسيق البرامج واعدادها وتقديمها ان يبرزوها بشكل مدروس وجيد ومتقن, وثاني شروط الرسالة ان تكون مقنعة حتى تصل للمستقبل أو الجمهور, فاذا ظلت رسائل التلفزيون (البرامج) ممعنة في عشوائيتها وتهلهلها وسقوطها في الكثير من المطبات الإعلامية من حيث النصوص المكتوبة والتقديم والاخراج وضحالة المقدمين والمقدمات ثقافيا و... فإن الفشل الاعلامي سيظل ملازما لهذه المؤسسة التي لم تفعل شيئا منذ زمن ولم تترك بصمة في وجدان المشاهد أو ضمير المجتمع. ان مشهد المذيعة (اللبنانية أو المصرية) التي ترفل بثياب خليجية وبذهب يغطيها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها وتحيط بها تفاصيل التراث من كل الجهات دون ان تعرف عنها شيئا وعن اسمائها لأمر يدعو للعجب, وكذلك تلك التي تخاطب الفتيات والشباب بشكل يستفز الأعصاب ضاربة عمق التقاليد والأعراف والتراث حين تتحدث مع الفتاة عن (صديقها) وخروجها معه ودور الأهل و... وكذلك مرأى الصغار وهم يقدمون البرنامج وأفواههم محشوة بالطعام و... انها أمور تحتاج الى محاسبة ومراجعة, فليس في تراثنا وعاداتنا شيء من سوء الأدب الذي نراه ولا أظننا مجتمعا أو أمة لا تعرف الأصول أو الذوق الى هذه الدرجة التي يروجها أصحاب هذه البرامج!! انها برامج أشبه بالتآمر على التراث وليس الاحتفاء به.