هل يتم التعامل مع التراث لدينا على انه الوجه الاخر للهوية؟ وهل يعي الذين ينسقون ويعدون لما يسمونه (احياء التراث) حقيقة ان طقوس الحياة العامة وتفصيلاتها شيء, وان التاريخ شيء آخر ؟ اعتقد بأن هناك سوء فهم واضحا جدا لدى اهل الاعلام المرئي في تعاملهم وتعاطيهم مع التراث وفي تعاملهم مع تاريخ المنطقة, وفي قدرتهم على تبني هذه القضايا وتقديمها للجماهير بشكل اعلامي مخلص اولا ومدروس اولا وثانيا. فاذا كان التراث بكل تفاصيله من اعراف وعادات وتقاليد وطقوس والعاب وثياب وطعام وادوات مستخدمة في الحياة العامة وامثال وحكايات وملامح شخصية و.. حتى يصل الامر لتقاطيع الوجه ولون البشرة, اذا كان هذا كله مرادفا آخر للهوية ولطابع المجتمع فهل يمكن ان يقدم بلغة ولهجة ووجوه مستوردة ومصبوغة ومقنعة؟ ليسمح لنا الاخوة في التلفزيون ان يكون لنا حق الاعتراض على ان يتم تقديم هوية المجتمع عن طريق شخوص لا يمتون له بصلة, ولندع جانبا هويات المقدمين والمقدمات وجنسياتهم وانتماءاتهم ضمن قضية القومية العربية والانتماء العربي, فهذا مسار اخر لا يلتقي مع ما نتحدث عنه, وكذلك لا يتعارض معه مطلقا, وبحق نقول بان كثيرا من العجب والغضب ينتاب الكثيرين من المشاهدين حين يتحدث عن التراث اشخاص لا يعرفون عنه شيئا حتى ولو من باب الثقافة العامة, ولا يجيدون نطق مفردات تفاصيله, لا لشيء الا لانهم ليسوا من ابناء هذا التراث, ولا من دارسيه أو علمائه أو المهتمين به. اذن فكيف يمكن ان نتصور بأن تراث سكان (الراس والشندغة) في دبي أو سكان مزارع وجبال رأس الخيمة والفجيرة أو واحات العين ومناطق أبوظبي والشارقة, برا وبحرا, تقدمه فتيات مستوردات بشعور شقراء وعيون زرقاء ومكياج صارخ, ولهجة تتكسر دلالا ولا تمت بصلة لهذا التراث, لانها قادمة من مناخ هذا التاريخ, والذنب ليس ذنبهن, بل ذنب الذين فتحوا لهن كل الابواب حتى صار العمل في التلفزيون مهنة من لا مهنة لها ولا مؤهلات سوى الجمال. نصرّ على ان المسؤولية تقع كلها جملة وتفصيلا على هؤلاء الذين يطلق عليهم المنسقون واصحاب القرار في ظهور مثل هذه البرامج على الشاشات بهذا المستوى, لا نقول ذلك من منطلق عنصري أو شعوبي وانما من منطلق منطق الرسالة الاعلامية السليمة, هذا المنطق الذي يقول في النهاية بان هذه الفتاة البهية الطلعة الحلوة الطلة, السليمة النطق واللسان الشقراء قد تصلح لبرنامج فني أو نشرة اخبار أو برامج المنوعات المعروفة لكنها ليست في مكانها الصحيح في برنامج تراثي, الا اذا كان القصد التغطية على ضحالة البرنامج بعرضه في فاترينة فاتنة. ولنتصور جميعا لو ان اسبوعا للتراث في زيمبابوي يروج له أو يقدمه شباب وفتيات مستقدمون من الدانمارك! أو ان اسبوعا تراثيا في المكسيك عن حضارة الانكا والازتك وتقاليد المكسيك تروج له فتيات يابانيات فاتنات وباللغة اليابانية, او برنامجا تراثيا عن حضارة الفراعنة يقدمه مذيعون من موريتانيا أو عن تقاليد الهنود الحمر يؤديه ويقدمه اشخاص استقدموا خصيصا من دولة الامارات وباللهجة المحلية لهؤلاء الشباب. ... وللحديث بقية