لقد غير التقدم في مجال الملاحة الجوية والرادار والراديو طبيعة الصراع بين الحربين العالميتين. واليوم تواجه الهيئات الحكومية المعنية في الدول التحدي الكبير بالمعلومات . عن طريق هذه التكنولوجيات يمكن للهيئات العسكرية ان تحدد مكان وهوية عدد أكبر كثيرا من الأهداف, وان تتعقب تلك الاهداف في منطقة جغرافية أو حيز فضائي أكبر كثيرا وطيلة فترة زمنية اطوال كثيرا, وان تهاجم تلك الأهداف بدقة أكبر وان تفتك فيها. وبعبارة اخرى, لهذا التغير الكبير في تكنولوجيات المعلومات اثر في عمليات الضرب الاستراتيجي. ولهذا التغير ايضا اثر في كيفية نظر الهيئات المعنية الى الاسلحة النووية. ويوحي التغير في تكنولوجيات المعلومات ايحاء قويا بأن الاسلحة التقليدية بدأت فعلا, بعد خمسين سنة تقريبا, تلحق من ناحية الفعالية بالاسلحة النووية وتكتسب بعض صفات هذه الاسلحة, لاسباب من اهمها احراز التقدم الكبير في فعالية الذخيرة دقيقة التوجيه وفعالية الوسائل الخفية الالكترونية لمنع الطرف المعادي من كشف القذائف والطائرات. ومن اجل القيام بالمقارنة نورد الارقام التالية: خلال سنة 1943 ضربت قوة الطيران الثانية التابعة للولايات المتحدة خمسين هدفا استراتيجيا المانيا. وفي سنة 1991, خلال حرب الخليج, ضربت القوات الجوية التابعة للائتلاف (وكانت الاغلبية الساحقة منها قوات للولايات المتحدة) اكثر من ثلاثة اضعاف تلك الاهداف في اليوم الاول من الحرب. يدل ذلك على الزيادة الكبيرة في القدرة على الضرب الاستراتيجي بالاسلحة التقليدية. وثمة جانب آخر للمسألة. تفيد مصادر بأن الذخيرة الدقيقة شكلت سبعة في المائة تقريبا من الذخائر التقليدية التي استعملت في الهجمات القاذفة خلال حرب الخليج. وحسب (استقصاء القوة الجوية لحرب الخليج) الذي اجري في اعقاب الحرب, ظهر ان الطائرات المستعملة للذخائر الدقيقة اشد فعالية بثلاثة عشر ضعفا من فعالية الطائرات التي استعملت ما تسمى بالقنابل التقليدية (الغبية) . وهذا التغير في القدرات لم يبلغ مداه الاقصى. صرح الرئىس السابق لهيئة اركان سلاح الجو الامريكي اللواء رونالد د. فيجلمان انه فور انجاز الانتقال من الاعتماد على الاسلحة النووية الى الاعتماد على مزيج من الاسلحة النووية والاسلحة التقليدية الدقيقة, يمكن لقوات الولايات المتحدة (ان تكون قادرة عل قتال 1500 هدف في الساعة الاولى, ان لم يكن في الدقائق الاولى, من الصراع) . شكل جديد اذا امكن كما يبدو ان اللواء فيجلمان يلمح الى ذلك, استعمال القدرة على الضرب بالاسلحة التقليدية الدقيقة بنفس سرعة الضرب بالاسلحة النووية وبالفعالية التي تكاد تكون فعالية الضرب النووي, فان ذلك يمكن ان يكون خيارا جذابا للهيئة الحكومية المعنية التي في وسعها ان تنشىء قوات الاسلحة التقليدية الدقيقة. ويبدو أن الولايات المتحدة هي في الوقت الحاضر الدولة الوحيدة القادرة على انشاء هذه القوات. وفي الحقيقة ان الولايات المتحدة تخطط لان تستحدث وتنشر منظومات متشابكة من الاسلحة التقليدية الدقيقة التي يمكنها ان تقوم بسرعة بتوجيه ضرب بالاسلحة التقليدية الدقيقة ضد اية جهة مخاصمة. وتتضمن الخطط ربط اجهزة استشعار ارضية غير مأهولة بمنصات معلومات محمولة جوا وفضائية (وربما منصات اسلحة ايضا), وذلك للقيام في وقت حقيقي تقريبا بتوفير معلومات الاستهداف للاسلحة والذخائر دقيقة التوجيه ذات المدي الطويل أو لمنصات تحميل هذه الذخائر والاسلحة ويمكن ان تكون هذه المنصات ذات قاعدة بحرية أو أرضية أو جوية. هذا النوع من قدرة الضرب الاستراتيجي يمكن ان يشمل ايضا ما اسماه البعض قوات الضرب (الالكتروني) . ويمكن ان تتخذ الضربات الالكترونية شكل مولدات الموجات الكهربائية المغناطيسية الصغيرة جدا والقوية جدا أو ذخائر النبضات الكهربائية المغناطيسية التقليدية أو فيروسات الكمبيوتر. ويمكن لتلك الضربات أن تكون وسيلة ملائمة على نحو متزايد لشل وتخريب اهداف عسكرية استراتيجية وعناصر هامة لقطاعات اقتصادية هامة تقوم على تكنولوجيا المعلومات. وبحدوث هذا التغير في التسلح يمكن لدول حائزة على الاسلحة التقليدية الدقيقة ان تنظر في الانتقال الى شكل عسكري استراتيجي جديد يقوم على ثلاثة أركان. وذلك الشكل الجديد من شأنه ان يختلف عن الشكل التقليدي القائم على الدعائم الثلاث التقليدية التسيارية ذات القاعدة الارضية والطائرات القاذفة. وبدلا من ذلك يمكن للشكل الجديد ذي الاركان الثلاثة ان يتكون مما يلي: قوات الضرب بالاسلحة التقليدية الدقيقة بعيدة المدى, وقوات الضرب الالكتروني, وما يتبقى من قوات الضرب بالاسلحة النووية. مميزات استراتيجية ان قدرا أكبر من الاعتماد على قدرات الضرب الاستراتيجي بالاسلحة التقليدية الدقيقة, يمكنه ان يوفر بضع ميزات هامة بالمقارنة بجعل ذلك الضرب مقتصرا على الاسلحة النووية. وفيما يلي عرض لهذه المميزات. بالنظر الى ان الضرب الاستراتيجي بالأسلحة غير النووية من شأنه ان يكون اكثر تميزاً من الضرب بالاسلحة النووية, فانه لن يسبب ما يشبه المستوى المذهل المرعب من الاصابات التي يكاد وقوعها ان يكون اكيدا من حرب نووية حتى لو كانت ما تسمى انها (محدودة) . وبالتالي يمكن لذلك الضرب بالاسلحة غير النووية ان يقلل الى حد كبير احتمال احداث رد بالاسلحة النووية من دولة مخاصمة مسلحة بأسلحة نووية. وعن طريق الاسهام في تسهيل القيام بالحد من حجم الترسانات النووية للدول الحائزة عليها, يمكن تعزير معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية. واذا قام الاتحاد الروسي والولايات المتحدة بالحد من حجم ترسانتيهما النوويتين, واذا زاد بالتالي اعتمادهما على الاسلحة التقليدية الدقيقة زاد احتمال ان يتعزز الردع. اذ من شأن جهات مخاصمة سواء كانت دولا أو غير دول ان تعتبر موقف الردع الاستراتيجي الذي تتخذه دولة من الدول الحائزة للاسلحة النووية اكثر مصداقية, اذا اشتملت ترسانة الاسلحة على قوات قادرة على القيام بعمليات الضرب الاستراتيجي غير النووي الفعال. ومن شأن هذه الاركان الثلاثة ان تتيح للزعماء السياسيين بديلا ذا مصداقية اكبر من مصداقية بديل توجيه الضربات النووية فقط, للاستجابة الى التهديد بسلاح نووي أو الى استخدامه الفعلي من جانب دولة من الدول النووية. واذا امتلكت الولايات المتحدة والاتحاد الروسي قدرة الرضب الاستراتيجي غير النووي, بالاسلحة التقليدية الدقيقة الفعالة, امكنهما ان يساعدا في الحد من الحاجة التي تراها الدول الصديقة لهما الي حيازة ردع نووي خاص بها. ويمكن تحقيق وفورات مالية كبيرة عن طريق الحد من ترسانات الاسلحة النووية. ووفقا لرأي وزارة الدفاع الامريكية فان تخفيض القوات النووية الاستراتيجية الحالية التابعة للولايات المتحدة من مستوى ستارت الاولى (معاهدة تخفيض الاسلحة الاستراتيجية الهجومية والحد منها) الى مستوى ستارت الثانية (معاهدة زيادة تخفيض الاسلحة الاستراتيجية الهجومية والحد منها), من شأنه ان يحقق وفورات تبلغ حوالي ستة مليارات من الدولارات خلال السنوات السبع المقبلة. وفي تقدير بعض المحللين ان الحد من حجم الترسانة الاستراتيجية الامريكية الى الفي رأس حربي يمكن أن يحقق وفورات تبلغ في المتوسط ملياري دولار سنويا حتى سنة ,2010 اذا قامت الولايات المتحدة بالتقليل, على سبيل المثال بازالة اربع غواصات ترايدنت اضافية حاملة للقذائف التسيارية و300 قذيفة (منيتمن) تسيارية عابرة للقارات, واذا تحقق ذلك بقيت لدى الولايات المتحدة قوة نووية استراتيجية تتكون من مئتي قذيفة (منيتمن) تسيارية استراتيجية عابرة للقارات وعشر غواصات ترايدنت, بالاضافة الى 71 طائرة قاذفة من طراز بي 52 و21 طائرة قاذفة من طراز بي 2 (ذات القدرتين النووية والتقليدية) تتضمنها الخطط الراهنة. الظل النووي ان التأكيد على منظومات الضرب بالاسلحة التقليدية والوسائل الالكترونية وتقليل الاعتماد على القوات النووية, يمكن ان يقللا الى حد كبير خطر نشوب حرب نووية على الامد الطويل, ولكن ليس من شأنهما ان يجعلا الاسلحة النووية مهجورة, ثم ان هذا التغيير ليس من شأنه ان يكون دون خطر, فرغم ان بيئة الصراع في المستقبل ستختلف اختلافا كبيرا عن فترة الحرب الباردة, فان القوات العسكرية ستعمل في تلك البيئة في ظل الاسلحة النووية, وتقوم بضعة اسباب لبقاء هذه الحالة, اولا: على الرغم من انه سيكون من الممكن الاستعاضة بأسلحة الضرب التقليدي الدقيق عن الضرب بالاسلحة النووية فان تلك الاستعاضة ليس من شأنها ان تكون شاملة. فعلى سبيل المثال, قد يتضح ان الذخائر غير النووية الاشد دقة لا يمكنها النفاذ الى اهداف مدفونة عميقا في جوف الارض او اهداف اخرى اكثر تحصينا ويمكن ان يتوقع من دول معادية ان تتحرى عن طرق تعوض عن الاختلاف في القدرة. ويمكن ايضا ان يتضح ان الدول الحائزة للاسلحة النووية لا يمكنها ان تستعيض عنها بوصفها ادوات (التدمير المؤكد) . ان الضربات الاستراتيجية بالاسلحة التقليدية الدقيقة, بحكم قوتها التفجيرية الاقل, تلحق ضررا مباشرا قليلا نسبيا بسكان مجتمع وبنيته الاساسية الاقتصادية. وعن طريق تعطيل عمل مراكز رئيسية, من قبيل مراكز الاتصالات, يمكن لهذه الضربات ان تشل الاقتصاد الحديث القائم على اساس الاتصالات والمعلومات. ولكن اتلاف الممتلكات وفقدان الحياة يحتمل الا يكونا مروعين وفوريين كما تكون الحالة التي يسببها الهجوم بالاسلحة النووية. وستواصل الاسلحة النووية ممارسة الاثر الكابح للعمليات العسكرية, وخصوصا في سياق الضربات الاستراتيجية, سواء كانت عمليات بالاسلحة التقليدية او النووية او بالوسائل الالكترونية او مزيجا من هذه كلها. ومن الناحية الاخرى يوجد خطر يتمثل في ان يجعل فعلا الانتقال الى امتلاك قدرة الضرب الاستراتيجي بالاسلحة غير النووية الشديدة الفعالية والدقة, تشوب الحرب النووية اكثر احتمالا, وذلك يجعل التمييز بين القدرات النووية وغير النووية غير واضح. وبعبارة اخرى, يوجد خطر يتمثل في ان تشعر دولة ان لديها حرية اكثر مما كانت في الماضي في توجيه ضربات استراتيجية, وذلك لانها تكون قادرة على القيام بذلك دون حاجة الى اللجوء الى استعمال اسلحة نووية. غير ان البلد المتلقي للضربة قد لا يرى التمييز ذا مغزى وقد يشعر انه مجبر على الرد بالاسلحة النووية. ويوجد بالمثل خطر هو ان استحداث دولة لقدرة الضرب الاستراتيجي غير النووي الفعال الدقيق ــ وهي القدرة التي من شأنها ان تبدو اشد قابلية للاستعمال من قدرة الضربة النووية ــ من شأنه ان يزيد الحوافز لدى دول معادية يمكن ان تنشأ في المستقبل على ان تحوز على الاقل ترسانة نووية صغيرة, وذلك حتى تكون اراضيها ملاذا نوويا تلوذ به شعوبها. ويمكن ان يصدق ذلك على نحو خاص على الدول الاقل نموا التي قد تعتبر امتلاك قدرة الضرب الاستراتيجي الكبيرة بالاسلحة التقليدية تتجاوز امكاناتها, ولكن تعتبر الاسلحة النووية قوة مضادة اقل تكلفة نسبيا لعمليات الضرب الاستراتيجي بالاسلحة غير النووية. ثلاث دعائم لتوخي الحذر من الاثار التي قد تكون مضرة والتي تترتب على ايجاد قدرة الضرب الاستراتيجي بالاسلحة غير النووية ولكفالة ان يحقق, بدلا من ذلك, الحد الاقصى من السمات الايجابية لهذا الانتقال, من المهم ان يفكر واضعوا السياسة في الدول الحائزة على الاسلحة النووية تفكيرا متعمقا في متضمنات التحول الجاري الى الدعائم الاستراتيجية الثلاث. وفي الحقيقة ان هذا التحول من شأنه ان يثير اسئلة هامة يتعلق بعضها بالاثر الممكن للقيمة الاستراتيجية التي تعزى الى الاسلحة النووية. هل من شأن تحول القوة العسكرية لدولة من الدول ان يقلل قيمة الاسلحة النووية في نظر دول اخرى, مما من شأنه ان يدعم الجهود الدولية الرامية الى الحد من حجم الترسانات النووية القائمة والحيلولة دون مزيد من انتشار الاسلحة النووية؟ ام هل من شأن هذا التحول, بتمكينه من القيام بتخفيضات كبيرة في القوات النووية للدول الحائزة على هذه القوات, ان يخفض مستوى (حاجز الدخول) بالنسبة الى دول تسعى الى حيازة الاسلحة النووية؟ وتتعلق اسئلة اخرى بالاثار في التوازن العسكري التي تنشأ حينما يجري الحد من الترسانات النووية. اذا حدت الدول الحائزة حاليا على الاسلحة النووية من ترساناتها فما الذي سيعنيه (الردع) في عالم يمكن ان تحوز فيه في المستقبل دول صغيرة او متوسطة الحجم على اسلحة نووية؟ كيف يفهم المرء مصطلحات من قبيل (التدمير الاكيد) و(التكافؤ) في مثل هذا العالم؟ وبايجاز, ما هي المقاييس الجديدة لتحديد (الكفاية) و(الفعالية) حينما يتعلق الامر بقدرة الضرب الاستراتيجي عموما والقوات النووية على نحو خاص؟ وتعنى اسئلة اخرى بكيفية رد الولايات المتحدة والاتحاد الروسي بوصفهما الدولتين الحائزتين على اكبر الترسانات النووية, حينما تبدأ دول اخرى بتحويل قواتها العسكرية او بابداء رغبتها في القيام بهذا التحويل. الى اي حد, اذا وجد حد على الاطلاق, ينبغي للولايات المتحدة, بوصفها الدولة الاكثر تقدما في مجال استحداث وتطوير الاسلحة التقليدية الدقيقة الفعالة, ان تساعد دولا في الاستعاضة بوسائل عسكرية اخرى عن الاسلحة النووية؟ استاذ دراسات الشرق الاوسط/ الولايات المتحدة