وصفت دراسة صادرة عن معهد العلاقات الدولية اسطنبول مؤخراً الحدود التركية الايرانية بـ (انها أكثر حدودنا حساسية) , وحساسية هذه الحدود لاتنبع فقط من الطبيعة الجبلية للمناطق الحدودية الفاصلة وبالتالي امكانية العبور الى جانبي الحدود من قبل المنظمات المعارضة لنظامي البلدين, حيث تنشط التجارة غير القانونية عبر هذه المناطق, بل تنبع هذه الحساسية أساساً من اختلاف النموذج السياسي والموروث التاريخي والمناخ الشعبي في كل بلد عن الآخر. واذا كان بالامكان وصف العلاقات التركية الايرانية بانها (ليست حميمية ولاعدائية) , الا انه منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 أضحت هذه الثورة باعثاً على بروز التوترات والأزمات الدبلوماسية المتتالية بين البلدين, فـ (تركيا العلمانية) تتهم ايران بدعم الاحزاب الاسلامية في تركيا, وترى ان صعود التيار الاسلامي في السنوات الاخيرة سببه بهذا القدر أو ذاك المؤسسة الدينية في ايران, وحديثاً صعدت تركيا من اتهاماتها لايران بدعم حزب العمال الكردستاني, حيث تتحدث الصحف التركية عن وجود معسكرات للحزب في ايران وانتقال قيادته الى هناك, في المقابل ترى ايران ان الحكومة التركية التي تمارس نهجاً اقصائياً ضد الاسلام والنشاط الاسلامي باسم حماية المبادىء العلمانية للدولة التركية, وكذلك علاقاتها المميزة والوثيقة بكل من الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل, فضلاً عن تقديم نفسها نموذجاً منافساً لها في آسيا الوسطى, ترى ايران ان مجمل السياسة التركية هذه تشكل تحدياً لسياستها الخارجية. وبسبب هذه الخلافات شهدت العلاقات التركية الايرانية خلال العقدين الاخيرين ازمات متتالية ادت الى انعدام الثقة بينهما, ولم تنجح اللجنة الأمنية المشتركة التي شكلت في بداية السبعينات وكذلك اتفاقيتا التعاون الأمني الموقعتان بينهما في سبتمبر عام 1992 وديسمبر عام 1998 في ارساء الثقة, فمع كل حادث على جانبي الحدود أو حتى تصريح من نوع اتهام (ايران بالاصولية) أو وصف (تركيا بالعميلة للصهيونية وأمريكا) , سرعان ما تدق الصحافة التركية ناقوس الخطر القادم من ايران, وتتبارى الصحف الى جانب النخبة السياسية العلمانية وجنرالات الجيش في اطلاق التصريحات والتهديدات. وهذه اللهجة الصارخة تجد الرد عليها بلهجة مماثلة في وسائل الاعلام الايرانية, وكذلك رجالات الدين, ففي أعقاب الفعاليات الايرانية المؤيدة للنائبة التركية مروة قاوقجي, خلال المشكلة التي اثارتها في البرلمان على خلفية ارتدائها الحجاب فيه, كتبت صحيفة (جمهوريت) التركية القريبة من الجيش (ان أكبر عدو لنظام الخميني في ايران ليس الولايات المتحدة, بل هو مصطفى كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية التي تعتبر النقيض لنظام الملالي في ايران) . وكتبت صحيفة (حرييت) من جانبها (ان الثورة الايرانية عام 1979 هي بالمنظور التركي تشكل خطراً أكبر على تركيا من الشيوعية) . وجاءت المظاهرات الطلابية الأخيرة في ايران, لتشن وسائل الاعلام الايرانية بدورها اتهامات ضد تركيا: مفادها (تورط تركيا الى جانب الولايات المتحدة واسرائيل في اثارة هذه المظاهرات ودعمها) , حيث تتهم طهران انقرة بتقديم الدعم لمنظمة مجاهدي خلق الايرانية وبالسعي الى تأجيج النزاعات الانفصالية في المقاطعات الاذرية في ايران حيث الغالبية ناطقة بالتركية, وربما تذهب ايران الى السؤال عن مغزى الاجتياحات العسكرية التركية المتكررة لشمال العراق, وتسأل هل هي حقاً لضرب حزب العمال الكردستاني أم انها رسائل تركية أمريكية اسرائيلية الى ايران؟ هذا المناخ من الاتهامات والهموم الأمنية المتبادلة كان سبباً في الأزمات الدبلوماسية العديدة بين البلدين خلال السنوات الخمس الأخيرة, واسفرت عن طرد أكثر من خمسين دبلوماسياً للبلدين بتهم التجسس والارهاب وممارسة نشاطات مخالفة للأعراف الدبلوماسية. الصراع السياسي التركي ــ الايراني هذا ترجم اقتصادياً صراعاً على عقود النفط والغاز والاستحواذ على الأسواق في آسيا الوسطى, وبدرجة أقل الشرق الأوسط والخليج العربي, أي ان الخلافات السياسية بين البلدين تتجاوز في العمق الابعاد الايديولوجية لتشمل تطلع كل بلد الى القيام بدور اقليمي في المنطقة, والسؤال الذي يطرح نفسه: اين العرب من موقع الخلافات التركية ــ الايرانية هذه؟ واين الموقف العربي الذي يحول دون تدخل الطرفين في قضايا الأمن القومي العربي في اطار سعيهما الى بلوغ دور الدولة الاقليمية المحورية في المنطقة؟ كاتب وصحفي سوري