انطلاقا من المفاهيم التي تواجهها اسرائيل وضع مخططو الاستراتيجية والسياسة الدفاعية نظرية امنية تعتمد على الجيش باعتباره المرتكز الاساسي لحماية امن اسرائيل , ووضعوا له عقيدة قتالية ونظرية حرب تنسجم مع القيود الجيوبلوليتيكية التي تعاني منها اسرائيل وطبيعة التهديدات التي تواجهها وكانت ابرز ركائز هذه العقيدة التي اطلق عليها الكثيرون (نظرية الامن) ــ والتي تم تطبيقها بدقة منذ نشأة اسرائيل وحتى اوائل التسعينات خاصة في الحروب التي خاضتها ــ ضرورة تمتع الجيش بتفوق نوعي على الجيوش العربية في انظمة التسليح والتنظيم والتدريب واساليب الاستخدام القتالي للقوات وانظمة القيادة والسيطرة والمخابرات بجانب الروح المعنوية وبما يعوض النقص الذي يعانيه في القوة البشرية كذلك اتباع اساليب الحرب القصيرة الحاسمة بالنظر لصعوبة استمرار التعبئة لفترات طويلة لما لذلك من تأثيرات سلبية اقتصادية واجتماعية, والاعتماد على حجم محدود من القوات العاملة دائمة الخدمة في مقابل حجم اكبر من قوات الاحتياط جيدي التدريب ولهم نظام تعبئة متطور يكفل سرعة استدعائهم في الوقت المناسب, هذا بالاضافة لاتباع اساليب استخدام قتالي تحقق اختراقاً سريعاً لدفاعات واراضي الخصم والوصول الى عمقه, وذلك بالاعتماد على أنظمة تسليح هجومية (ثنائي الطائرة والدبابة) ووفقا لاساليب الاقتراب غير المباشر والعمل من خطوط داخلية (نظرية نقل الحرب من اتجاه لاخر طبقا لاسبقية التهديد). ومن اجل تعويض الافتقار الى العمق الاستراتيجي الناتج عن صغر المساحة اهتمت اسرائيل بخلق عمق صناعي من خلال شبكة المستعمرات والمستوطنات التي اقامتها على حدودها وداخلها وفي الاراضي العربية المحتلة باعتبارها خط الدفاع الاخير لها الا ان ذلك لم يلغ الاحساس بالخطر من احتمالات ان تصل نيران الحرب الى الاهداف الحيوية ذات القيمة الاستراتيجية في العمق وأبرزها التجمعات السكانية لذلك لجأت الى تبني مفهوم هجومي ينقل الحرب الى ارض الخصم من بدايتها وعند الانذار بالخطر من خلال الضربات الوقائية والاستباقية والتي تنقل الدفاع الى حدود بعيدة آمنة في اراضي الخصم ترتكز على موانع طبيعية وصناعية يمكن التمسك بها والدفاع عنها بسهولة ولكي تنجح اسرائيل في تنفيذ هذه الاستراتيجية ذات الابعاد التعرضية, اهتمت بضرورة الوثوق الى قوة دولية كبرى تدعم اسرائيل سياسيا وعسكريا واقتصاديا قبل واثناء وبعد الحرب, خاصة اذا ما خرجت نتائج العمليات العسكرية عن الحسابات التي افترضتها اسرائيل وأوشكت على الهزيمة او كانت في حاجة ماسة لكبح سياسي وعسكري لخصومها يفوق قدراتها. ولقد تم تطبيق هذه النظرية بدقة في الحروب التي خاضتها اسرائيل ضد العرب, فكانت حرب 1948 بهدف تثبيت استقلال اسرائيل في قلب فلسطين ثم حرب 1956 وقائية بهدف اجهاض عملية تطوير الجيش المصري بعد صفقة الاسلحة التشيكية لمصر عام 1955 وفتح مضايق تيران امام السفن الاسرائيلية الى خليج العقبة وميناء ايلات, كذلك حرب 1967 التي استهدفت تدمير القوات المسلحة العربية وتوسيع رقعة اسرائيل ونقل حدودها الى خطوط آمنة تقضي على العيوب الجغرافية التي تعانيها. اما حرب 1973 فكانت دفاعية وقائية فرضت على اسرائيل لاول مرة في تاريخها خاضتها اسرائيل بهدف محاولة الحفاظ على مكتسباتها ثم كانت الحرب في لبنان (عملية سلام الجليل) عام 1982 تجسيدا للحرب الوقائية والتوسع في آن واحد حيث قضت اسرائيل على المقاومة الفلسطينية في لبنان وانشأت في الوقت نفسه منطقة الحزام الامني في الجنوب اللبناني لابعاد التهديدات عن حدودها الشمالية في منطقة الجليل الاعلى والاستيلاء على الموارد المائية في هذه المنطقة. وبعد حرب اكتوبر 1973 التي هزمت فيها اسرائيل وفي ضوء التحقيقات التي اجرتها لجنة (اجرانات) حول اسباب الهزيمة, وما واكب ذلك وتلاه من دراسات وابحاث استراتيجية ثبت فشل الاعتماد على مفهوم الحدود الآمنة لعدم قدرة اسرائيل على التمسك بها الى مالانهاية, وحيث واجهت اسرائيل الخيار بين دوام الحرب بل خوض حروب استنزافية على اكثر من جبهة, او خيار التراجع عن هذه الحدود في مقابل معاهدات سلام مع جيرانها تؤمن لاسرائيل احتياجاتها الامنية, لذلك جاء القرار الاسرائيلي بالدخول في عملية السلام من منطلق اثبتته حرب اكتوبر 1973 وسلام الجليل 1982 من ان الانتصارات العسكرية قد لا تحقق دائما مكاسب سياسية بل ان الحدود الآمنة غالبا ما تكون سببا في افتقاد الامن الذي تنشده اسرائيل بما تدفعه من ثمن باهظ نتيجة الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي تتكبدها اسرائيل من اجل محاولة الاحتفاظ بهذه الحدود التي تظن انها آمنة, كما هو الحال اليوم في جنوب لبنان حيث تريد اسرائيل الخروج من هذا المستنقع بأي ثمن بعد تفاقم خسائرها البشرية هناك وافتقادها الاجماع الوطني حول قضية وجودها في جنوب لبنان. اما العامل الآخر الذي فرض على اسرائيل اعادة النظر في ركائز نظريتها الامنية فهو يتمثل في الانقلاب الجغرافي السياسي العالمي الذي وقع مع بداية السبعينات من حيث غروب الاستعمار الاقليمي بنوعيه الغربي والشرقي على السواء والقائم على مفهوم الاحتلال العسكري للاراضي وماثبت من عدم القدرة على الاحتفاظ بالاراضي المحتلة في مواجهة الشعوب الرافضة لذلك وما يسببه ذلك من كلفة بشرية واقتصادية باهظة لاتقدر عليها حتى الدول الكبرى مثل بريطانيا التي سحبت قواتها طواعية من منطقة الخليج في نهاية الستينات ثم الولايات المتحدة التي سحبت قواتها من فيتنام في السبعينات كذلك الاتحاد السوفييتي السابق الذي انسحب ايضا من افغانستان في الثمانينات تحت وطأة الخسائر البشرية والمادية والسياسية الجسيمة التي تكبدها هناك. لذلك اجتهد الاستراتيجيون الاسرائيليون خلال عقد التسعينات من اجل تطوير ركائز نظرية الامن وبما يقضي على سلبياتها ويؤمن افضل نظام امني لاسرائيل في عالم يعتقدون ان مصيره سيظل غامضا وفي طي المجهول بالنظر لتراجع تهديدات مؤلمة وبروز تهديدات وتحديات جديدة وفي ظل ثورة تكنولوجية عارمة, وفي منطقة ستحتاج الى سنوات حتى يتوافر فيها ــ باتفاقيات سلام ــ نظام أمن اقليمي يمكن ان يبعد الاخطار التي تهدد الوجود الاسرائيلي, وقد تمثلت ابرز مظاهر التطوير الذي جرى في نظرية الامن الاسرائيلي في ظل عملية السلام في الآتي: أ ـ ينبغي ان تؤمن الحدود الجديدة التي بلا عمق استراتيجي بري في حالة التخلي كليا او جزئيا عن الاراضي المحتلة ايجاد عمق استراتيجي يعتمد على (سعة) تشمل الجو والبر, وترتيبات امنية في البر تتيح فترة انذار كافية تمكن من تعبئة ونشر الاحتياط بجانب تعاون استراتيجي على المستويين الاقليمي والدولي. ب ـ وأمام اخطار القوة النيرانية الاستراتيجية المتنامية للدول العربية (صاروخية وجوية) والمزودة بأسلحة دمار شامل يمكن ان تصيب العمق الاسرائيلي, فإن على اسرائيل ان تحتفظ برادع استراتيجي قوي يعتمد على قوة نووية وصاروخية وجوية هجومية بجانب اجراءات دفاعية مضادة للصواريخ العربية المزودة بأسلحة دمار شامل بحيث تقيم سدا دفاعيا متنوع الوسائل والاساليب امام هذه الصواريخ ويمنعها من الوصل الى العمق الاسرائيلي. ج ـ سرعة الحسم في الحرب اذا فرضت على اسرائيل وهو مالايجب ان يرتبط فقط بتدمير اهداف بعينها عند الخصم وانما باستمرار العمل بسياسة تجمع بين كل عناصر الامن القومي, وابرزها الاجماع الوطني وكفاءة الجيش, ونوعية القوة البشرية العاملة في جميع مجالات قوى الدولة الشاملة, ودعائم البنية الاساسية والموارد القومية, واعداد الدولة والشعب والارض والسياسة الداخلية والخارجية لخوض حرب طويلة وفي ذلك يقول الجنرال (يسرائيل طال) ان قضية الحسم في المعارك البرية والجوية والبحرية والتي تعني تحقيق الاهداف والمهام الاستراتيجية للقوات المسلحة في اقل وقت ممكن تتطلب ضرورة مواصلة تعزيز نوعية عناصر جيش الدفاع القائمة وهو ما يتمثل في تطوير الفرق والوحدات المقاتلة وانظمة التسليح الرئيسية ونظم القيادة والسيطرة واعمال المخابرات بما فيها الفضائية وقد تبلور بعد حربي اكتوبر 1973 وسلام الجليل في لبنان 1982 رأي عام في اسرائيل يقول (انه بينما يتعين على الجنرالات ان يضعوا في الحسبان احتمال تعرض اسرائيل لضربات نيرانية مفاجئة او هجمات برية, او ارهاب قاتل, وهو مايتطلب مزيدا من الاستعداد الدائم لاجهزة المخابرات واهتماما بتقاريرها وتقديراتها وتنبؤاتها المستقبلية فإنه يجب على السياسيين ان يقدروا دوما حجم الفرص المتاحة من اجل ابراز تقدم في عملية السلام والامن. خبير عسكري واستراتيجي مصري