في ظل هذه الظروف والاجواء جاء ايهود باراك للسلطة, ويبدو انه لم يكن لدى الاسرائيليين من خيار آخر. وقد استغل باراك وهو لم يزل مرشحا , الرغبة المتنامية في التغيير (اسرائيليا وعربيا ودوليا), وراح يكثر من وعوده وتصريحاته حول الانسحاب من جنوبي لبنان وتوقيع اتفاق سلام مع سوريا على اساس الانسحاب من الجولان والموافقة على اقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبالنتيجة اصبحت لدينا مجموعة معطيات جديدة نوجزها في التالي: وجود رئيس حكومة اسرائيلي جديد ومنتخب, يعلن بوضوح عزمه على تحقيق السلام مع العرب وبصيغة الارض مقابل السلام. ثانيا: وجود تهيؤ نفسي واستعداد عربي للتعامل مع رئيس الحكومة هذا, انطلاقا من مواقفة المعلنة, ومن الحقائق الجديدة التي افرزتها الانتخابات الاسرائيلية. ثالثا: ثمة ترحيب دولي بسقوط نتانياهو وفوز باراك, يعكس تململا واضحا من التأخير غير المبرر الحاصل في عملية السلام. ان اجتماع هذه العناصر الثلاثة, هو ما نسميه الديناميكية. والآن لنرى كيف يمكن ان تشتغل هذه الديناميكية, وماهي الحدود المتاحة امامها؟ قد يكون من حسن الحظ ان عملية السلام الجارية, قد حدد لها سقف معين في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991, وهو السقف الذي لخصه مبدأ الارض مقابل السلام, وعلى اساس القرارات الدولية 242 و338 و425. اما مصدر حسن الحظ, فهو ان السقف المذكور عبارة عن التزام جماعي (من جانب اسرائيل والعرب والمجتمع الدولي) بتحقيق التسوية وفق هذا المنظور, ما يمنع اسرائيل ضمنا من تمرير او فرض اتفاقات مفصلة على مقاس رغباتها. ويمكن قول الشيء نفسه عن اسرائيل, التي منحها مؤتمر مدريد الاعتراف الرسمي لها من جانب العرب, ورهن التعامل والتعامل معها بتنفيذ تلك القرارات. لكن تظل الكيفية التي يتم بها تحقيق ذلك, هي العقبة الكأداء, على نحو ما ظهر في المفاوضات التي اجرتها الاطراف العربية مع اسرائيل منذ ذلك الوقت. وهذه, بالمناسبة, لم تكن اكثر من صراع بين رغبة واصرار المفاوض الاسرائيلي على النزول عن سقف مدريد, واصرار المفاوض العربي على البقاء ضمنه او في حدوده. لقد نجحت اسرائيل في فصل المسارات العربية بعضها عن بعض, ثم اقامة تصور وترتيبات خاصة بكل مسار. وهي بذلك ربحت بعض الوقت في هذه المعركة الطويلة لكنها لم تستطع ابدا, حتى داخل كل مسار على حدة, ان تتخلص من تبعات والتزامات مؤتمر مدريد في خطوطها العريضة. وربما مثلت فترة حكم رئيس الوزراء السابق نتانياهو, محاولة اسرائيلية غير ناجحة لمثل هذا التملص. على اية حال, توجد اليوم بفضل الاحباطات الكثيرة والمناورات العقيمة للمتشددين الاسرائيليين على مدى ثماني سنوات, فرصة لكل الاطراف لاعادة الاعتبار لاسس مدريد ومرجعيته وبما يضمن السلام الكامل, مقابل الانسحاب الكامل. ويبدو ان الديناميكية الجديدة التي اطلقها فوز باراك, بدأت تعمل في اتجاه تحقيق اختراقات مهمة في المسارين السوري واللبناني. بيد ان ذلك سيعتمد ايضا على طريقة تعامل الاطراف العربية نفسها مع هذه القضية, وقدرتها على استشعار تلك الديناميكية وتوظيفها لخدمة اهدافها. واعتقد ان السوريين يقومون بجهد طيب في هذا المجال, وهم كما يبدو استفادوا وتعلموا الكثير من المرحلة الماضية, بما في ذلك انتزاع المبادرات من الاسرائيليين, كما يفعلون اليوم. كاتب بحريني