يخطىء من يظن أن الانتفاضة العارمة التي قام بها الطلاب الإيرانيون مؤخرا كانت مجرد زوبعة عابرة.. تماما كما أخطأ أولئك الذين تصوروا أن انتفاضة الطلاب يمكن أن تهز دعائم النظام الإيراني بصورة تؤدي إلى تغيير أساسي سريع في موازين القوى السياسية في البلاد . لكن خطأ هذا التصور الأخير لا ينفي حقيقة أن ما شهدته إيران خلال تلك الأيام الساخنة من الشهر الجاري هو حدث كبير ومنعطف سوف تكون له آثار بالغة الأهمية على تطورات الصراع المحتدم بين المحافظين ودعاة الانفتاح والاعتدال في إيران. فالانتفاضة الطلابية الأخيرة هي أكبر صدام جماهيري مع النظام منذ قيام الثورة الإيرانية قبل عشرين عاما. وقد كان إغلاق جريدة (سلام) الموالية للرئيس خاتمي هو سبب المظاهرة التي سجلت بداية التحرك الأخير. لكن ما أشعل شرارة الغضب كان تدخل الشرطة وأنصار (حزب الله) لقمع المظاهرة بقسوة أدت إلى مصرع عدد من الطلاب وجرح عشرات منهم. وعلى الفور امتدت الشرارة إلى الجامعات في المدن الأخرى. فاندلعت المظاهرات في جامعات جيلان (شمال البلاد) وتبريز (شمال غرب) ومشهد (شمال شرق) وأصفهان (وسط) البلاد. اللافت للنظر لم يكن مجرد اتساع نطاق المظاهرات خارج طهران بسرعة كبيرة.. فالأهم هو الطابع الصدامي لتلك المظاهرات.. وأن مطالبها وشعاراتها لم تقف عند المناداة بمعاقبة قادة الشرطة و"حزب الله) المسؤول عن قتل وجرح طلاب طهران. فقد امتدت الشعارات لتشمل مطالب الحريات السياسية عموما.. واتخذت طابعا مناوئا بصورة واضحة للنظام السياسي بأسره.. وخاصة الجناح المحافظ من رجال الدين.. والمطالبة باستقالة بعض (أبرز رموزهم مثل آية ا لله محمد يزدي رئيس السلطة القضائية. كما رفع المتظاهرون صور الرئيس خاتمي.. رمز الجناح الداعي للاعتدال والانفتاح. وامتنعوا عن رفع صور (مرشد الثورة) آية الله على خامنئي.. بل أظهروا مناداتهم للأخير من خلال الشعارات التي تشير إلى أنه هو القائد الأعلى للشرطة التي قتلت زملاءهم.. بما يفيد تحميلهم المسؤولية عن ذلك للمرشد الأعلى شخصيا.. والأكثر من ذلك أن المتظاهرين رددوا الشعارات التي كانت ترددها المظاهرات أثناء الثورة على نظام الشاه من قبيل: (قولوا لأمي.. لم يعد لديها ابن) و"سأقتل كل من يقتل أخي) . ولم يكن تدمير طلبة جامعة طهران للمنبر الذي تلقى منه خطبة الجمعة تعبيرا عن عدم احترامهم للرمز الذي يمثله ذلك المنبر.. بالطبع.. وإنما عن عدائهم لكبار الملالي المحافظين الذين يستخدمونه لإلقاء الخطبة.. ومن أبرزهم آية الله جنتي وآية الله محمد يزدي. ولم تفلح إقالة قائد شرطة طهران ونائبه في تهدئة الطلاب.. الذين أصروا على إقالة قائد الشرطة الإيرانية الجنرال لطيفان , والمحاسبة العاجلة لكل المسؤولين عن قتل و إصابة الطلاب .كما استقال وزير التعليم العالي ورئيس جامعة طهران وعمداء 18 كلية فيها احتجاجا على القمع وعلى انتهاك الشرطة للحرم الجامعي. أزمة مجتمع والواقع أن اتساع نطاق المظاهرات من ناحية وعنفها من ناحية ثانية.. ورفعها لشعارات مناوئة لرجال الدين المحافظين بل وللمرشد الأعلى للجمهورية شخصيا من ناحية ثالثة.. كلها أمور تكشف عن عمق الصدع الذي يشق المجتمع الإيراني بأسره.. وليس الطبقة السياسية فحسب (بين محافظين ومعتدلين أو يمينيين ويساريين) كما جرت عادة أغلب المراقبين على القول. فالطلاب فئة اجتماعية وشريحة عمرية تتسم بحساسيتها الفائقة لكل القضايا التي يمر بها المجتمع. وبحكم انتمائهم لكل فئات وطبقات المجتمع فإنهم يمثلون نوعا من (الترمومتر) الذي يوضح الآراء والاتجاهات والهموم التي يجيش بها المجتمع. وبحكم المستوى المرتفع عموما لثقافتهم ووعيهم ونزوعهم الأقرب إلى المثالية (باعتبارهم شبابا) فإنهم يكونون من أكثر الفئات حساسية للتفاعل مع القضايا العامة. ويمثل طلاب الجامعة وتلاميذ المرحلة الثا نوية الأغلبية الكبرى من الشباب في تلك المرحلة العمرية (92% من الفتيان في سن الدراسة الثانوية مستوعبون في المدارس.. وأكثر من نصف الشبان في سن الدراسة الجامعية ملتحقون بالجامعات). وبحكم مستوى التعليم والعمر الشاب فإنهم أكثر استعدادا لقبول الأفكار الليبرالية والتحديثية من استعدادهم لقبول الأفكار المتزمتة والمحافظة. ولذلك فإن طلاب إيران كان لهم دور بارز في فوز الرئيس خاتمي الساحق على منافسة المحافظ علي أكبر ناطق نوري.. رئيس البرلمان وزعيم الجناح المتشدد. وقد مثل فوز خاتمي دفعة معنوية كبيرة للطلاب والشباب الذين يمثلون العدد الأكبر من ناخبي الرئيس ومعسكر المعتدلين. كما حققوا انتصارا آخر مهما خلال انتخابات المجالس البلدية والمحلية ربيع هذا العام.. الأمر الذي زاد من إحساس الشباب (والطلاب في القلب منهم) بقوتهم وتعاطف الشعب معهم. من ناحية أخرى فإن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تحد كثيرا من التفاف الشعب الإيراني حول النظام. وترفع درجة التوتر الاجتماعي الذي ينعكس بصورة أكبر على الشباب (60% من أفراد الشعب دون سن الثلاثين) بمن فيهم الطلاب الذين يعانون من وطأة هذه الأوضاع بصفتهم أبناء للشعب.. كما تنعكس على مستقبلهم بصفتهم أفرادا يتطلعون للعمل والانخراط في النشاط الاجتماعي. إذ تبلغ نسبة البطالة 11% من القادرين على العمل وفقا للإحصاءات الرسمية. بينما يقدرها الخبراء بنحو 20%. ويعني هذا أن آفاق المستقبل ليست وردية أمام طلاب الجامعات والشباب عموما. كما تبلغ نسبة التضخم نحو 20% وفقا للإحصاءات الرسمية.. بينما يقدرها الخبراء بنحو 35%. وقد أدى تدهور أسعار النفط خلال الأعوام الماضية إلى انهيار حصيلة إيران من عائداته من 5.19 مليار دولار عام 1996 إلى 5.15 مليار دولار عام 1997 ثم إلى 9 مليارات دولار فقط عام ,1998 الأمر الذي أدى إلى عجز حاد في الموازنة (تعتمد الموازنة الإيرانية على عائدات النفط بنسبة تزيد على 40%). ومن ثم تقلصت قدرة الدولة على تقديم الخدمات الاجتماعية وتنفيذ المشروعات الجديدة التي يمكن أن تستوعب أيد عاملة جديدة.. والنتيجة الطبيعية لذلك هي تفاقم البطالة. وباختصار فإن النظام الإيراني ـ الذي يسيطر عليه المحافظون ـ عجز عن الوفاء بوعد الحرية الذي قطعه على نفسه للشعب حينما أطاح بنظام الشاه. لا بل يقاوم.. بكل قوة.. تطلع هذا الشعب نحو الحرية. كما عجز النظام عن الوفاء بوعد الرفاهية. والأكثر من ذلك أن الاقتصاد الإيراني يعاني من أزمة جدية.. ويتعثر سعي إيران نحو تحقيق التنمية. والنتيجة المنطقية لذلك كله هي ضعف مصداقية الحكم.. وخاصة لدى الشباب, وزيادة التوتر الاجتماعي والسياسي. ومن الأهمية بمكان في هذا الصدد أن نشير إلى أن جيل الشباب.. حتى سن 25 أو 30 سنة.. نشأ في عهد الثورة. ولم يشهد عهد الشاه وبالتالي فإن ما يقال للكبار عن تحسن الأمور مقارنة بعهد الشاه هو حديث لا يعني الشباب كثيرا فهم لا يعرفون نظاماً غير النظام الحالي وهم يرون الأمور تتدهور في ظله وتتفاقم تناقضاتهم معه هو بالذات. (الهجوم المضاد) كان طبيعيا أن يشعر المحافظون بفداحة الخطر الذي يمثله استمرار المظاهرات الجماهيرية ,فحشد النظام كل قوته وأسلحته للتصدي لها. وجاء التأييد الأمريكي والإسرائيلي بالذات لحركة الطلاب بمثابة هدية مسمومة بسبب عمق عداء الشعب الإيراني للولايات المتحدة والدولة الصهيونية كما جاء عنف المظاهرات وما أسندته إليها أجهزة النظام من اتهامات بالتخريب ووجود (مندسين ( و"منافقين بين المتظاهرين (إشارة لعناصر منظمة مجاهدي خلق).. ليشير إلى استعداد المحافظين لسوق جميع المبررات من أجل شن هجوم شامل على الحركة بتهمة الخيانة والولاء للخارج. وواضح أن ضغوطا مورست على الرئيس خاتمي والجناح الموالي له مما دعا خاتمي إلى التراجع عن تأييده لانتفاضة الطلاب والانتقال إلى وصفها (بالانحراف) . وواضح أيضا أن سيطرة الجناح المحافظ بزعامة ( مرشد الثور ة ( خامنئي على القوات المسلحة والحرس الثوري و"الباسيج) وقوات الشرطة والصلاحيات الدستورية الواسعة التي يملكها المرشد كل هذه اعتبارات تجعل موازين القوى تميل لصالح المحافظين حتى الآن. ولهذا فان انتفاضة الطلاب الإيرانيين لم يكن من شأنها أ ن تهز دعائم النظام أو تؤدي الى تغيير حاسم أو سريع في موازيين القوى السياسية. ولنفس هذه الأسباب أمكن للمحافظين قمع الانتفاضة. وهم الآن يحاولون شن هجومهم المضاد على مختلف الجبهات. إذ تشير آخر الأنباء الى أن كبار قادة ( الحرس) وجهوا إنذارا إلى الرئيس خاتمي بان "صبرهم بدأ ينفد) ويتهمون سياسته الإصلاحية بالتسبب في (الاضطرابات) . ومعروف أن الانتخابات البرلمانية ستحل في شهر فبراير المقبل, ويمثل هذا سببا إضافيا لمحاولة المحافظين السيطرة على الأوضاع بإحكام أكبر حتى لا تتكرر الهزيمة التي تعرضوا لها في انتخابات المجالس البلدية. ولا شك أن سيطرة المعتدلين على البرلمان ستكون أخطر بما لا يقاس . لكن (انتصار ( المحافظين لا يقلل من أهمية الحدث الكبير الذي تمثله الانتفاضة.فقد سلطت الضوء بقوة على الصدع الاجتماعي والسياسي الكبير الذي يشق المجتمع الإيراني. ونقلت أن تحدي أقسام من المجتمع للنظام المحافظ من صناديق الاقتراع الى الشارع..وعلى نطاق واسع, وأظهرت بجلاء أن السخط على الأوضاع له جذور اجتماعية عميقة.. وبالتالي فإن إخماد الحركة الشعبية أمر يصعب أن يستمر طويلا ما دامت أسباب السخط قائمة بل وتتفاقم كما ان من الصعب تصور أن تكون الانتفاضة الطلابية الإيرانية مجرد موجة عابرة.. والأرجح أن الفترة المقبلة ستشهد اشكالاً مختلفة من الصدام بين النظام المحافظ وفئات اجتماعية مختلفة.. وليس الطلاب وحدهم بالضرورة. * كاتب سياسي مصري