في الخطاب الأميري الذي ألقاه سمو ولي عهد الكويت رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله في حفل افتتاح الفصل التشريعي التاسع لمجلس الأمة الكويتي قبل أيام , هناك دلالة بالغة في نص بعينه لم يتبينها البعض, فقد قال سموه: (كانت مبادرة سمو الأمير بإعطاء المرأة حقوقها السياسية, استكمالا لأسباب الديمقراطية, وسوف نواصل بعون الله العمل على توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في حمل مسؤولية العمل الوطني ..) . توسيع قاعدة المشاركة هو الطريق للمستقبل في المجتمعات المختلفة, فإن كانت الكويت بجانب تجربتها الطويلة قد عززت أخيرا تلك المسيرة بخطوتين, الأولى هي مشاركة المرأة في المقبل من الممارسة الانتخابية للدورة المقبلة للمجلس التشريعي, والثانية وعد بتوسيع القاعدة الانتخابية التي جاء ذكرها في الخطاب الأميري الأخير, والتي يدخل فيها بالطبع العديد من التصورات, ربما تخفيض سن الناخب وتمكين بعض قطاعات المجتمع من المساهمة الفعالة في العمل السياسي المحرومة منه حتى الآن, فإن الخطوات التي اتخذت في الشقيقة قطر لافتة للنظر وداعية للتفاؤل بأن دول الخليج تخطو خطوات متميزة باتجاه تثبيت نظم الدولة الحديثة. وهي تفعل ذلك ليس بأسلوب شكلي, أو لغرض طارئ, ولكن لأن هذه الخطوات في المدى المتوسط والبعيد تزيد من استقرار هذه المنطقة الخليجية المهددة بعواصف سياسية بعضها مرئي اليوم, وبعضها غير مرئي, فإن لم يكن البنيان الداخلي متينا فقد تطيح بثوابتها. لقد استقبل إعلان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر القاضي بتشكيل لجنة لوضع دستور دائم لقطر وتوسيع المشاركة الشعبية في الحياة السياسية واجراء انتخابات برلمانية في المستقبل, استقبل من المعلقين والمتابعين المحايدين بارتياح شديد وتفاؤل, فقطر هي واسطة العقد بين دول الخليج, وخطوتها هذه تعزز من الخطوات الديمقراطية المباشرة المطبقة في الكويت من جهة, وتستجيب لمتطلبات سياسية كانت دائما محط توق للنخبة السياسية القطرية وقطاعات واسعة من أهل الذكر في الخليج, ولعلها أيضاً تدفع بأن تكون مثالاً يحتذى. هاجس التطوير استنت قطر عشية الاستقلال في أوائل السبعينيات دستورا مؤقتا, ما لبث أن عدل في سنة 1972 فأصبح يسمى الدستور المؤقت المعدل, الذي سارت عليه قطر ما يقارب الآن أكثر من ربع قرن من الزمن, وهو زمن متلاحق الأحداث متتابع الأجيال, ومتغير المطالب ومختلف الضرورات. لقد كان هاجس التطوير السياسي دائما لدى القيادة القطرية منذ زمن, ولعلنا نذكر الخطاب الذي ألقاه أمير قطر أمام مجلس الشورى في النصف الثاني من شهر نوفمبر الماضي, والذي وعد فيه باتخاذ خطوات عملية لانجاز دستور دائم, وقد تمت انتخابات المجلس البلدي التي شاركت فيها المرأة القطرية لأول مرة, وجاءت مؤشرا آخر على جدية التوجه للمشاركة الشعبية في دولة قطر. مع الترحيب بهذه الخطوات, فإن الملاحظ ان اللجنة المناط بها إعداد الدستور الدائم, وإن جاء تشكيلها من خبرات وطنية مشهودة, ولبعضها تجربة لايمكن تجاوزها, إلا انه ينقصها العنصر الشعبي المنتخب مباشرة لهذا الغرض, كما حدث لتجارب أخرى من بينها الكويت, فإدخال هذا العنصر المنتخب في مثل هذه اللجان يعزز من صدقية نتائج عملها, وقبوله شعبيا بعد ذلك, حيث ان كتابة دساتير دائمة هي منعطفات تاريخية في مسيرة أي شعب, وستبقى ما بقي هذا الدستور فاعلا, وما بقيت قطر, وسنذكر الأجيال المقبلة طريقة سن الدستور, كما تتذكر الدستور نفسه. ومن جانب آخر, فإن ثلاث سنوات لإعداد الدستور هي فترة زمنية قد تكون طويلة نسبيا في عصر يتسارع ويحسب الزمن فيه لا بالسنوات أو الأشهر ولكن بالأسابيع والأيام. بعد هاتين الملاحظتين, لابد من القول ان الحياة السياسية بشكل عام في الدوحة تتغير تغيرا ملحوظا في نمط الحكم وأسلوبه, كما في تسيير الشؤون الداخلية والحريات الصحفية, وهي تشير الى درجة عالية من الانفتاح والثقة بالمستقبل, وقد صاحب رفع الرقابة على الصحف اختراق كبير للصحافة القطرية ووسائل الاعلام الأخرى في اتجاه حرية النقد والرقابة على الشؤون العامة وظهور الرأي والرأي الآخر. خطوات التطور السياسي القطري جاءت في زمن قصير نسبيا منذ أن تولى الأمير الشيخ حمد بن خليفة سدة الحكم في يونيو ,1995 وهي أعوام تزيد على الأربعة بقليل, مما يشير الى أهمية التغير وعمقه واتجاهه, وهي مسيرة تدل مقدماتها على اعتماد المؤسسات لتطوير الدولة, وعلى المشاركة الشعبية لتحديد أجندة ومسار هذا التطوير, وهي خطوات لابد أن تفرز مؤسسات المجتمع المدني التي تبلور اتجاهات ورغبات المجتمع كي تتوطن الممارسة الديمقراطية في التربة القطرية. التزام التوافق بعض القضايا الخاصة بهذا التطوير السياسي ما زالت قيد البحث, وربما تكون في أجندة بحث اللجنة المشكلة, وهي تتشكل في مجموعة من الأسئلة منها على سبيل المثال: هل سيتاح لكل القطريين بعد سن معينة المشاركة السياسية المقبلة, أم أن هناك بعض الاستثناء والشروط كما حدث مع من سمح لهم بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البلدية الماضية؟ كما سيثار سؤال آخر هو: ما موقع أبناء الأسرة في المشاركة الشعبية المزمعة, وهل ستترك الحرية للجميع في التنافس أم يخير البعض بين امتيازات قد حصل عليها وبين مشاركة الجمهور العام في التنافس على مقاعد البرلمان المقبل؟ تلك بعض الاسئلة التي هي لاشك قيد الطرح والنقاش في كواليس اللجنة المشكلة. من اللافت ان التطورات في تحقيق فرص سياسية للمواطنين في الداخل القطري تتزامن على صعيد السياسة الخارجية التي تنتهجها الدوحة بتوافق محلوظ, فالقضايا المطروحة على الصعيد الاقليمي والعالمي تتميز فيها السياسة الخارجية القطرية باستقلال مشاهد, بل وفي بعض الأحيان بالتفرد, فقد احتضنت في وقت شديد الحرج المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط الذي طاف بالعديد من العواصم العربية, وعندما وصل الى الدوحة أصبح (مكروها)! ومع ذلك, التزمت قطر بتحقيق ما وعدت به وتم عقد المؤتمر, كما ان الدبلوماسية القطرية نجحت في الاحتفاظ بدور لها في مؤتمر الدول الاسلامية المزمع عقده في مطلع القرن في العاصمة القطرية وسط تنافس شديد, ذلك من بين مجموعة كبيرة من النشاطات الخارجية التي ما فتئت الدوحة تقوم بها من توسط بين بعض الدول المختلفة, الى توسط بين قوى مختلفة في البلد الواحد. وعليه, فإن التطورات المرتقبة على الصعيد السياسي الداخلي في قطر لا تعد مستغربة, ولا تخرج عن السياق العام الذي سارت عليه الادارة القطرية, وهي تحديث قطر سياسيا بعد ان تراكمت سبل التحديث من تعليم وتنوير وتدريب, وقد نضج المجتمع القطري ليخطو خطوة مهمة على الصعيد الداخلي, كما هو على الصعيد الخارجي, ولكن الخطوات المرتقبة لها تبعاتها, فالمشاركة السياسية ليست نزهة, ولا هي من المشروعات قصيرة الأمد, هناك مسؤولية عظيمة مصاحبة لهذا التطور, فإعداد الاختمار الاجتماعي لتنمية الوعي لهضمها عملية طويلة الأجل, والجسارة في تطبيقها تحتاج الى تحمل المشاق, ليس من الدولة فقط, ولكن من المواطنين ايضا, فتطبيقها يحتم توزيع الدخل والرقابة العامة على المصروفات, وتحقيق مساواة أكثر صرامة بين المواطنين. لم تنج خطوات قطر التحديثية من نقد, بعضه عقلاني جاء من منطلق الرغبة في التجويد, لكن بعضا مما قرأت قد جاء ــ مع الأسف ــ من منطلق التحريض غير الموضوعي, الا ان ما يسر أن معظم ما كتب هو ترحيب في مجمله, ولا يستطيع عاقل أن ينظر الى الخطوات المتخذة في الدوحة, إلا ويثمن باعتزاز اتجاه المسيرة السياسية القطرية الداخلية للتطوير والتحديث, أما شوائبها فإن أهلنا في قطر أدرى بشعابها.