منذ عدة سنوات تناقلت الصحف في الولايات المتحدة خبر الطفل الذي تقدم للمحكمة مطالبا باصدار حكم يتيح له حق الانتقال إلى رعاية أسرة أخرى بخلاف أسرته التي لم تكن في الحقيقة أكثر من والدته سيئة السيرة والسلوك , وكان للطفل ما أراد بعد مباحثات وجلسات أجريت أثناءها دراسة حالة الأم على أيدي باحثات اجتماعيات من قبل الحكومة. هذه الحكاية تحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي عرضته بعض المحطات وقد شاهدته, وتفاعلت مع حالة الأم التي وضعها ادمانها للخمر في حالة يرثى لها أدت بطفلها إلى اعلان رغبته في الانفصال عنها بحثا عن أسرة أفضل تضمن له حياة كريمة مستقرة ومستقبلا أكثر ضمانا. ولكنني في الحقيقة تعاطفت مع مطالب الطفل برغم قسوتها على والدته لانه لم يكن بيده تغيير حال أمه الممعنة في غيها إلى ما لا نهاية. تذكرت حكاية هذا الفيلم وأنا أتصفح مواد اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة والموقع عليها من قبل أغلب دول المنظمة العالمية حيث يعتقد البعض ان الطفل ملكية خاصة لأسرته لا يختلف كثيرا عن أية جمادات أخرى مملوكة, أو انه كائن همل بلا حقوق مفروض عليه السمع والطاعة فيما يجوز وما لا يجوز, ويذهب البعض بجهالة وسوء تقدير إلى الاعتقاد بأن الطفل ملك والديه يحق لهما أن يفعلا به ما يشآن وأن يوقعا عليه ويعرضانه لأية أفعال وتربية ومعاملة وانه لا يحق لأحد الاعتراض على ذلك. وقد أثبت ديننا الاسلامي قبل أية اتفاقيات ومواثيق لحقوق الإنسان ان حقوق الطفل تضمن له قبل ولادته عندما طالب الاسلام الرجل بأن يتخير الزوجة الصالحة وأن يسمي ابنه أفضل الأسماء وأن يحسن تربيته وأن... إن المادة (7) من اتفاقية حقوق الطفل تؤكد على حق الطفل في أن يسجل رسميا ويكون له اسم وجنسية وأن يعرف والديه مباشرة ويتلقى رعايتهما. فإذا أنجب الوالدان الطفل وتركا أمر تربيته للآخرين دون أن يرف لهما قلب أو جفن ودون أن يتلقى منهما شيئا من الرعاية طيلة سنوات طفولته أفيحق لهما أن يقفا ذات يوم أمام القضاء للمطالبة به فقط لان شهادة الميلاد القديمة التي نسياها دهرا تقول بأنه ابنهما؟ أو يحق لأي قاض في الدنيا أن يحكم بنقل هذا الطفل من كنف الرعاية والمحبة إلى كنف الاهمال والنكران والقسوة؟ أو من يرمي بطفل في أيامه الأولى للحياة تفعل به ما تشاء يمكنه أن يولد في قلبه رحمة تساعده على احتضانه في سنوات عمره المقبلة!! لا أعتقد! وفي المادة (9) تنص الاتفاقية على ان الدول الأطراف الموقعة تضمن عدم فصل الطفل عن والديه على كره منهما, الا عندما تقرر السلطات المختصة ان هذا الفصل ضروري لصون مصالح الطفل, كما يحدث في حالات اساءة الوالدين معاملة الطفل أو اهمالهما له أو عندما يعيشا منفصلين أو... إذن فهناك حالات يتعين فيها النظر إلى مصلحة الطفل, تماما كما فعل القاضي الأمريكي عندما أقر بحق الطفل في الانفصال عن والدته المدمنة سيئة السمعة إلى أسرة مثالية مستقرة أخرى. أما المادة (13) فتكفل للطفل القادر على تكوين آرائه الخاصة حق التعبير عنها بحرية في جميع المسائل التي تمسه وتولى آراءه الاعتبار الواجب وفقا لسنه ونضجه, كما تتاح له الفرصة للاستماع إليه في أي اجراءات قضائية وإدارية تمس حياته. إذن فعلى الأسر والآباء أن ينتبهوا إلى ان عصرا جديدا مقبلا علينا بكل فجائعه وغرائبه وانفتاحاته وفتوحاته, وان طفل الأمس الصامت لن يعود له أثر في السنوات المقبلة وان علينا أن ندفع استحقاقات التربية والطفولة قبل أن ترفع علينا هذه الطفولة قضايا مذهلة في المحاكم استنادا إلى اتفاقيات دولية مبرمة.