تزامن الاحتفال بالذكرى السابعة والأربعين لاندلاع ثورة 23 يوليو عام 1952 مع الذكرى السادسة والأربعين لانطلاق إذاعة صوت العرب في 4 يوليو عام ,1953 فلولا الثورة ما كانت هذه الإذاعة القومية الجسورة ولولا الاذاعة لما كان الانتشار السريع لنهج الثورة وتعميق الإيمان الشعبي بمبادئها ومصداقية أهدافها التحريرية من الخليج إلى المحيط, وربما تأخر انعتاق الوطن العربي برمته في الستينات من أسر العزلة والهيمنة الاستعمارية على مقدراته! من حسن الحظ أن واكب انطلاق صوت العرب بداية اختراع الراديو (الترانزستور) وانتشاره بشكل هائل في ربوع الوطن العربي وخاصة المناطق الصحراوية والنائية التي لا يصل إليها التيار الكهربائي, فكان المواطن العربي البسيط يطلب من البائع شراء الراديو عبر مسميات طريفة متباينة مثل (صندوق احمد سعيد) و(راديو صوت العرب) وبشرط أن يسمع ويتأكد من صوت احمد سعيد, وحدث أن رأيت يمنياً هبط خصيصا من الجبال الشاهقة التي تسكنها قبيلة (بني حشيش) إلى مشارف صنعاء لشراء راديو ترانزستور من سوق الملح وعندما لم يسمع صوت احمد سعيد رفض الشراء وعبثا حاول البائع افهامه بأن احمد سعيد لا يتحدث من صوت العرب كل الوقت, لكنه لم يصدقه وظنه يحاول أن يبيعه راديو مغشوشاً ومن ثم انصرف إلى غيره يبحث عن صوت احمد سعيد في راديو آخر! وكان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر قد تلقى العديد من خطابات المواطنين العرب تشكو من ضعف إر سال الإذاعة المصرية مما لا يتيح لهم الاستماع إلى خطبه السياسية والتواصل مع التيار القومي التحرري لثورة يوليو, في الوقت الذي كانت فيه الصحف المصرية محظور دخولها وتداولها في بعض المناطق العربية. وكانت السفارات المصرية كذلك عاجزة عن القيام بهذا الدور الحيوي, سواء من حيث إمكاناتها المتواضعة أو من حيث نشاطها الدبلوماسي المتخصص في ظروف معادية لثورة يوليو التي كانت تدعو إلى التحرر والتغيير, إضافة إلى أن معظم الطواقم الدبلوماسية كانت أسيرة الماضي ومن أبناء الباشوات والإقطاعيين أو الموالين للأحزاب المنحلة قبل تغييرها بجيل جديد من أبناء الثورة والمؤمنين بمبادئها. في لقاء بين جمال عبد الناصر وفتحي الديب العضو البارز في حركة الضباط الأحرار ومسؤول الشؤون العربية برئاسة الجمهورية تم تدارس المشكلة والبحث عن آليات جديدة مبتكرة للنهوض بمهمة التواصل اليومي بين فكر الثورة ومواقفها وطموحاتها وبين الجماهير العربية, ولم تمض أيام حتى وقع اختيار فتحي الديب على الإذاعي الشاب احمد سعيد وعهد إليه تجسيد الفكرة ثم لم تمض أيام حتى اختار زميلته نادية توفيق كساعد أيمن له, وعلى الفور احتلا غرفتين من مبنى الإذاعة القديمة بشارع الشريفين كانتا المقر والاستديو المتواضع الذي انطلقت منه إذاعة صوت العرب لأول مرة لمدة 28 دقيقة فقط يوميا ثم انقطاع مؤقت من المساحة الزمنية لمراقبة البرامج الثقافية التي كان يشرف عليها آنذاك الشاعر صالح جودت فكان أول صوت يقدم الإذاعة الوليدة للمستمعين. وهكذا عبر الجهد والعطاء والإخلاص للمبدأ والهدف تبلورت النغمة الإعلامية المتميزة وخطابها السياسي الصحيح سواء عبر التجريب والممارسة أو عبر تقصي ردود الفعل على مستوى المستمعين العرب وكذا الدوائر المعادية لحركة التحرر العربي! ومن هنا تصاعد البث الإذاعي لصوت العرب تدريجيا على موجات قوية صامدة أمام محاولات التشويش, وتواصل الإرسال على مدار 24 ساعة يوميا وأصبحت بحق همزة الوصل أخذا وعطاء بين القاهرة والشعب العربي ومنبرا لمن لا منبر له من المناضلين العرب وواحة يتنفس على أثيرها المبدعون والكتاب والشعراء والفنانون العرب على اختلاف هواياتهم الثقافية وانتماءاتهم السياسية. كانت إذاعة صوت العرب صوت حركة التحرر العربي بوجه عام, وخاصة منطقة الخليج والجزائر وتونس والمغرب واليمن, ولم يكن دورها في تحرير ترابها ومقدراتها وإرادتها الوطنية وقفا على مجرد إذاعة الأخبار والتقارير حول وقائع الصراع الوطني والقومي على طول وعرض الوطن العربي وإنما دفع شحنات الحماس والكرامة والمقاومة في نبض تلك الأخبار والتقارير من خلال الصياغة التحريضية وتحديد الواجبات وتوزيع المسؤوليات في إطار المبادىء والثوابت الوطنية والقومية إلى جانب البرامج والتمثيليات والأغاني والتحليلات السياسية التي كان ينهض بها كبار الكتاب والمتخصصين في الشؤون العربية وتصب في مجرى التحريض على المقاومة وتجنب التناقضات الثانوية وكشف محاولات الاختراق والفتنة بحيث لا يعلو صوت فوق صوت معركة التحرير. من صوت العرب زالت فجوة الغياب المعرفي بين الشعوب العربية واتسعت دائرة استنارة المواطن البسيط بقضايا أمته وجملة التحديات والأخطار التي تواجهها والتزامه بدور ما في دعم جهود حركة التحرر العربي, ومن صوت العرب استمعنا إلى مختلف رؤى الزعامات والقيادات والفاعليات العربية الأدرى بأوضاع بلادها, فكانوا يخاطبون عبرها قواعدهم الشعبية وينظمون صفوفها ويؤججون حماسها حول أهداف الوحدة الوطنية والخلاص والتحرر, ولعل ما يؤكد على هذا الزخم النضالي ومصداقية صوت العرب كآلية ثورية عندما أتاحت أوسع مساحة من إرسالها لثوار اليمن فكنا نسمع للقاضي الشاعر محمود الزبيري أبي الأحرار اليمنيين, والمعلم المناضل احمد نعمان والسياسي المحنك محسن العيني والدكتور عبد الرحمن البيضاني الدبلوماسي المعروف وهم يقدمون صورا للبؤس والمجاعات والمظالم ومظاهر التخلف التي أرهقت اليمن في عهد بيت حميد الدين على مشارف القرن الثامن عشر, وكنا نسمع لثوار الجزائر وندرك فظائع الاستعمار الفرنسي وتنحشد الأمة لنصرة الوطن الشقيق, في الوقت الذي كان المناضلون وصفوة المستنيرين من أبناء الخليج يكشفون ألاعيب الإنجليز حتى تظل مقدراته وثرواته نهبا لهم إيذانا بالخلاص والتحرير. ولا جدل أن كفاح الشعوب العربية كان له نصيب الأسد في تحرير أوطانها وان إذاعة صوت العرب أسهمت بدور تاريخي وثوري فاعل في تأجيج جذوة النضال العربي وتسريع وتيرته وحمايته من نذر الفرقة والمؤامرات المشبوهة, وكانت خير سند لمساندة ثورة يوليو لكل الثورات والانتفاضات العربية التحررية في حقبتي الخمسينات والستينات.