عاد الجدال ليثور حول السياسة الامريكية بخصوص القدس, نتيجة للتغيرات المشبوهة في الطريقة التي يتعامل بها بعض الساسة الامريكيين مع هذه المسألة . والظاهر ان الموقف الذي يدافع عنه الرئيس الامريكي بيل كلينتون, والقائل بضرورة عدم اتخاذ الولايات المتحدة لاي خطوة من جانب واحد من شأنها ان تستبق الحكم على الوضع النهائي لمدينة القدس باعتبار ان مستقبل المدينة ستحدده المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المباشرة, قد اصبح الان قطبا ثابتا يمثل وجها واحدا من الجدل السياسي. والرئيس كلينتون يشترك مع نائبه آل جور في موقفه هذا. واعاد كل من نائب الرئيس واكبر مستشاريه للسياسة الخارجية مؤخرا التأكيد علنا على التزامهم بموقف الرئيس. ويتعرض الرئيس الامريكي ونائبه آل جور حول موقفهم لتحد ضارٍ من اعضاء الكونجرس الموالين لاسرائيل سواء ديمقراطيين او جمهوريين, ومن رئيس اللجنة القومية الجمهورية الذي هاجم مؤخراً سياسة ادارة كلينتون بخصوص القدس. كذلك فان معظم المرشحين الجمهوريين للانتخابات الرئاسية الامريكية قد دعوا من اجل نقل (فوري) للسفارة الامريكية الى القدس بشكل يعكس مواقف زعيم حزبهم. وكان حاكم تكساس جورج بوش هو الاستثناء الوحيد عن ذلك, الى ان حدث التطور الذي اربك الخصوم والاصدقاء على السواء. فخلال الاشهر الاربعة الاخيرة كان بوش يؤكد تأييده لموقف الرئيس كلينتون وقال: (السلام يجب ان يتفاوض عليه بين الاطراف ذات العلاقة. وانا واثق من انهم سيتوصلون لحل وضع القدس بطريقة ترضي اسرائيل) . وقريبا قال بوش لاحد النشطاء اليهود المتشددين بأنه لا يؤيد نقل مقر السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس, لان مثل هذه الخطوة (ستخرق عملية السلام) . لكن وفي محاولة خرقاء لتملق بعض الانصار اليهود ولجعل موقفه ينسجم مع موقف حزبه, حاول المتحدث باسم بوش ان (يصحح سجله) بالقول ان (القصد الحقيقي) لبوش كان بأنه (ينوي نقل السفارة للقدس اذا ما انتخب رئيساً... وحالما يتسلم منصبه) . تغير في الخطاب وبطبيعة الحال فان كل ذلك يجب الا يلغي حقيقة ماثلة للعيان وهي انه كان هناك وللمرة الاولى جدل سياسي بهذا الشأن وان بعض التغيرات قيد الظهور. ولنأخذ مثلا رسالة هيلاري كلينتون المثيرة للجدل قبل عدة اسابيع والتي عبرت فيها عن (ايمانها الشخصي) بان (القدس هي العاصمة الابدية والموحدة لاسرائيل) . واتخذت هيلاري كلينتون حتى نهاية رسالتها جانب الحذر الشديد. فكلماتها كانت محسوبة بدقة بحيث لا تغضب الجماعات اليهودية في نيويورك التي كانت تخاطبها اصلا, مثلما هي الحال في هذه العبارة: (بالطبع فان توقيت مثل هذه الخطوة يجب ان يلبي مصالح اسرائيل الحساسة بضمان تحقيقها لسلام آمن مع جيرانها. وانا لن اشجع اي عمل يمكن ان يهدد أمن اسرائيل) . وبمعنى اخر فإن ما تعنيه كلمات هيلاري, ان امن اسرائيل يتطلب الانتهاء من عملية السلام, ولذلك, فهي لن تشجع نقل السفارة ما لم يتم الاتفاق على ذلك بين اطراف محادثات السلام. وهنا يكمن التغير المعتدل في الطريقة التي يتعامل بها بعض السياسيين مع قضية القدس. فقد اصبح الانتهاء من مفاوضات السلام لكل المهتمين بعملية السلام الشرق اوسطي هدفا قائما بحد ذاته سواء كان غاية او وسيلة وتحديد المقصود بعبارة (الانتهاء من عملية السلام) مازال بطبيعة الحال غير واضح, ماعدا كونه يتطلب (الاتفاق عليه بين اطراف محادثات السلام) , لكنه بالتأكيد يمثل الان هدفا منشودا يتضارب مع الوعود الجوفاء المستفزة حول ادعاء اسرائيل السيادة على القدس كاملة. نعم, قد يكون هذا التغيير طفيفاً, لكنه بالتأكيد يمثل لاول مرة امكانية اثارة هذا الجدال حول القدس وسلام الشرق الاوسط. وفي الماضي كانت مثل هذه الطروحات غير ممكنة. كانت منابر الخطابة الديمقراطية والجمهورية بين عامي 1972 و1984 تؤكد على ان اسرائيل صاحبة الحق وحدها في السيادة على القدس وبعضهم كان يعد بنقل السفارة الامريكية الى القدس. وعلى الرغم من الجدال الذي ثار حول الدولة الفلسطينية عام 1988, لم يكن هناك اي نقاش بخصوص القدس. وفي عام 1992 اتخذ الرئيس جورج بوش ومنافسه الديمقراطي بيل كلينتون مواقف متشابهة بدعم تسوية سلمية بالتفاوض. وبالنتيجة لم يكن هناك جدال بهذا الخصوص ذلك العام. اما في العام 1996 فكانت البرامج السياسية لكلا الحزبين تقول بان القدس عاصمة اسرائيل. وكان البرنامج الجمهوري حينها يعكس موقف رشحه السيناتور روبرت دول الذي قاد المعركة السياسية لتمرير قانون سفارة القدس. وبدأ البرنامج الجمهوري بامتداح (الكونجرس الجمهوري لسنه تشريعا يعترف بالقدس عاصمة موحدة لاسرائيل) . وبعد ذلك تعهد بأن (الادارة الجمهورية ستضمن نقل السفارة الامريكية الى القدس مع حلول مايو 1999) . وعلى الرغم من عدم مطالبته بنقل السفارة الامريكية, فان برنامج الحزب الديمقراطي ايضا اتخذ موقفا داعما لاسرائيل بخصوص القدس, وبما يتعارض مع الموقف الذي يتخذه مرشحه بيل كلينتون. وذكر البرنامج الديمقراطي بان (القدس هي عاصمة اسرائيل ويجب ان تبقى مدينة موحدة يحق لمعتنقي كل الاديان السماوية دخولها) . حينها تمكن الامريكيون العرب الذين اغضبهم هذا التناقض من اجبار ساكن البيت الابيض على الابتعاد بنفسه عن موقف حزبه, وفي بيان وجهه الرئيس الى حزبه قال فيه: (القدس احدى اكثر القضايا حساسية في عملية السلام ومازلت مقتنعا بأنه من غير الحكمة للولايات المتحدة ان تتخذ خطوات يمكن ان تفسر على انها قضايا سابقة لاوانها, مثل قضية القدس, والتي اتفق الفلسطينيون والاسرائيليون انفسهم على ان يناقشوها في سياق مفاوضات الوضع النهائي) . حدثان بارزان وما يهمنا الان بخصوص التغيرات الحاصلة فيما يتعلق بالجدال السياسي الحالي هو حدثان اثنان: الاول هو اتفاق اوسلو الموقع بين الفلسطينيين والاسرائيليين عام 1993, والثاني هو قانون نقل السفارة للقدس الذي سنه الكونجرس عام 1995 والذي يعتبره الكثيرون محاولة رعاها الليكود والجمهوريون لفصم عملية السلام. فتبعا لاتفاق اوسلو تعهد الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي بالتقدم نحو تفعيل سلام دائم على مراحل, وترك التفاوض على حلول لاكثر القضايا حساسية التي تفرق بينهما مثل القدس والمستوطنات والحدود والسيادة واللاجئين الى المرحلة النهائية من العملية. واولئك الذين يدعمون اتفاق اوسلو اتخذوا موقفا مفاده بأنه نظرا للأهمية البالغة للتوصل لسلام شامل, يجب عدم اتخاذ اي خطوات من شأنها ان تحد من مقدرة الفلسطينيين والاسرائيليين للتوصل الى اتفاق على قضايا (الوضع النهائي) الحساسة. اما اعداء العملية السلمية, فقد حاولوا اجهاض الاتفاق بمحاولة اثارة الخلاف على هذه القضايا الحساسة ذاتها. وعلى سبيل المثال نجح اللوبي اليهودي الموالي لليكود وبالتعاون مع الاغلبية الجمهورية في الكونجرس عام 1995, بتمرير قانون من مجلس الشيوخ الامريكي يتم بموجبه نقل السفارة الامريكية الى القدس, وبالتالي تحديد الوضع النهائي للمدينة مسبقا لصالح اسرائيل. وتبعا للقانون فان الادارة الامريكية مطالبة باتخاذ اجراءات محددة لنقل السفارة والا فإنها ستواجه عقوبات يفرضها الكونجرس. حينها كان الخيار الوحيد المتبقي للرئيس الامريكي هو استخدام (قانون الامن القومي) , اي انه اعتبر الامر بنقل السفارة الامريكية الى القدس يهدد الامن القومي الامريكي. وعندما استخدم الرئيس الامريكي ذلك القانون هذا العام هدده الكونجرس بتمرير تشريع جديد يسحب من الرئيس هذا الحق ويطالبه بالتنفيذ لقانون نقل السفارة. ولهذا السبب اصبح التغيير الذي طرأ على الخطاب السياسي امرا في صالح عملية السلام. ايضا هناك تطوران هامان مؤخرا بشأن القدس. فقد اظهر استطلاع حديث للرأي بان غالبية الامريكيين لن تدعم اتخاذ اي موقف يمكن ان يحد من نتائج عملية السلام, وان جزءا هاما من الامريكيين يؤيدون تقسيم القدس للوفاء بالمطالب الفلسطينية والاسرائيلية بالمدينة. والمثير للاهتمام بشكل خاص هو استطلاع للرأي بين الامريكيين اليهود اجراه اخيرا منتدى السياسة الاسرائيلية وهي منظمة امريكية يهودية معتدلة من انصار السلام. وتبعا لهذا الاستطلاع فان 52% من الامريكيين اليهود يدعمون قرار الرئيس كلينتون بإرجاء نقل السفارة الامريكية, بينما لا يعارضه سوى 30% منهم. وفي اجابتهم على سؤال اخر ذي علاقة بموضوع القدس, عارض 25% من اليهود الامريكيين نقل السفارة الى القدس نهائيا, بينما قال 35% انها يجب ان تنقل بعد التوصل للسلام. ولم يقف مع النقل الفوري سوى 26%. ايضا هناك تطور اخر مهم جدا. فخلال زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك لواشنطن. واجتماعه مع 30 عضوا يهوديا في الكونجرس الامريكي, بدأ احد الاعضاء البارزين في الكونجرس بتوزيع رسالة تدعو الرئيس لنقل السفارة الامريكية. عندها سأل عضو يهودي اخر في الكونجرس باراك عن رأيه في القانون الذي سنه الكونجرس لنقل السفارة الامريكية, فأوضح باراك انه ضد المبادرات (سيئة التوقيت) والتي من شأنها ان تجهض عملية السلام. كما قال لاعضاء الكونجرس الذين اجتمع بهم: (ما اريده قبل غيره الان هو الانتهاء من عملية السلام) . على كل حال, مع ان الامور لم تأخذ شكلا نهائيا بعد وان جهود خصوم عملية السلام من اليمين ستستمر دون ادنى شك, الا أنه من الواضح ان تغييرا حقيقياً ضئيلا قد حدث في الطريقة التي ستناقش بها قضية القدس خلال الخطاب السياسي بشأن الشرق الاوسط عام 1999. واذكر هنا ان محافظ نيويورك رودي جويلياني وهو احد منافسي هيلاري كلينتون الجمهوريين على مقعد نيويورك الجديد في مجلس الشيوخ اوضح الاسبوع الماضي انه يرفض موقفها و(يؤمن بضرورة النقل الفوري للسفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس بدون اي تأخير) . ايضا ان كون بعض السياسيين البارزين موالين لاسرائيل على الاقل جعلهم متشابهين مع الموالين للعملية السلمية, وهذا بدوره تحول ليجعل من اي خطوة استفزازية غير محسوبة يمكن ان تهدد محادثات السلام على قضايا الوضع النهائي تعرف بأنها معادية للسلام ومغلوطة سياسياً. نعم قد يكون التغيير طفيفاً, لكنه حقيقي. واذا ما تمسك الرئيس ونائبه بمواقفهما, فان الجدال المقبل ينتظر منه ان يكون ساخناً. * رئيس المعهد الامريكي العربي