مرة جديدة يظهر بوضوح رئيس وزراء اسرائيل الجديد ايهود باراك فحوى ومضمون رسالته لدول المنطقة ولعموم الشرق الاوسط, هذا المضمون اكد عليه واشار له في ثلاث مناسبات تمت مؤخرا ً. اولها عند لقائه مع ياسر عرفات قرب حاجز ايريتز (11/7/99), وثانيها في زيارته للاردن ولقائه مع العاهل الاردني, وثالثها في واشنطن وتصريحاته الفجة هناك. فباراك ازال كل الالتباسات التي رافقت البيان الاول لحكومته بعد نيلها ثقة الكنيست الاسرائيلي, واوضح من جديد برنامجه للسلام والتسوية مع الشعب الفلسطيني ومع سوريا ومع لبنان, القائم على اساس استمرار القفز عن قرارات ومرجعية الامم المتحدة بما يخص الارض والانسحاب الى خطوط الرابع من يونيو ,1967 وبما يخص حق الشعب الفلسطيني وتطلعاته الوطنية والقومية, خاصة حق اللاجئين في العودة كما اشارت الى ذلك واكدت قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن. ان عودة حزب العمل وائتلافه الواسع الى رئاسة الوزارة في الدولة العبرية خطوة في سياق حالة الحراك السياسي الدائر داخل اسرائيل منذ فترة ليست بالقصيرة. هذه العودة الجديدة لحزب العمل, تتم لأول مرة منذ عام 1977 عندما صعد الليكود بقيادة مناحيم بيجن وهزم حزب العمل لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية, وان كان حزب العمل قد فاز في انتخابات 1992 الا ان فوزه كان محدوداً ولم يستطع ان يشكل ائتلافه دون الاعتماد على الكتلة العربية. الآن الوضع مغاير نسبياً مع انتخابات ,1999 فباراك يتمتع بقدرة جيدة على المناورة, واستطاع بسهولة نسبية ان يحقق ائتلافاً كبيراً من حيث الكتل الحزبية المشاركة معه, فضلاً عن تبنيه لبرنامج (صقري) يقوم على مجموعة من اللاءات تجاه الحل على المسار الفلسطيني الاسرائيلي, وبالمحصلة نجد بأن باراك له سياسة توسعية صارخة بالقدس والضفة وادارة الظهر لعودة اللاجئين, وبدأ بروز هذا في لقائه وعرفات مطالباً بتعديلات على اتفاق (الواي) وخاصة السيطرة الاسرائيلية على الجبال المطلة على رام الله, ودمج النبضة الثالثة لاعادة الانتشار بالمفاوضات النهائية, فضلاً عن دمج الممرين الآمنين بين غزة والضفة بالتسوية النهائية. خطوات للتفكيك وبكل الحالات, فوز باراك وتشكيله المريح لحكومته الائتلافية سيدفع بالضرورة بالعملية السلمية الراهنة خطوات محدودة جداً الى الأمام على الجبهة الفلسطينية, وتسريع التسوية الشاملة على الجبهتين السورية واللبنانية مع محاولة العودة الى تكتيك حزب العمل القائم على الاستمرار بالعملية التفاوضية ونقلها من مسار الى آخر في اطار ممارسة الضغوط على مختلف الاطراف العربية والايغال بتفكيك العملية التفاوضية بدلاً من السير على جميع المسارات. هنا نتوقع ان تندفع المسألة التفاوضية مع سوريا ولبنان بخطوات تستكمل ما تم التوصل له زمن رابين مع مشاغلة تتم على المسار الفلسطيني, وبكل الحالات لن يقدم باراك لسوريا او حتى لبنان الاستحقاقات المترتبة على سلام الشرعية الدولية وتحديداً فيما يخص مسألة الأرض ومبدأ الانسحاب الكامل الى خط 4 يونيو ,1967 والدليل الكبير على ذلك ما اطلقه من تصريحات في واشنطن, اعلن فيها رفضه الانسحاب الكامل من هضبة الجولان حتى خط الرابع من يونيو لعام 1967 وتأكيده على مبدأ الانسحاب من (بعض الجولان) فقط, وبالتالي اصراره بشكل او بآخر على ضم اجزاء واسعة من الهضبة السورية المحتلة (ضم الجولان النافع زراعياً ومائياً وتساوي مساحته 35% من مساحة الجولان المحتل). فالقضايا المعلقة على المسار السوري الاسرائيلي شائكة ومعقدة وتمس الارض والمصالح (المياه, الحدود, التطبيع...). لذا نقول لمن يعول على باراك: مهلاً قليلاً لا داعي للهرولة, وقبل ان نراهن على او نفتح شهيتنا لسلام باراك, علينا ان نعود لتحصين الذات باعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية, ولملمة اوراق القوة الفلسطينية بدلاً من حالة الانقسام والتشرذم في الوضع الفلسطيني, فباراك افصح عن مواقفه وبرنامجه اكثر من مرة, وآخرها عند حاجز ايرتس (11/7/1999) اثناء اجتماعاته مع ياسر عرفات, ونحن نعرف ما دار في الاجتماعات المغلقة. اذا: على الطرف الفلسطيني ان يفصح عن مواقفه قولاً وعملا, ويعود للوحدة الوطنية الفلسطينية, كما عاد باراك وأفصح عن مواقفه مراراً ووحد ائتلافه بطيف واسع سياسي وحزبي داخل الدولة العبرية, وكما يسعى الآن لخلق اجماع, يسميه باراك (الاجماع القومي اليهودي الصهيوني) واعلانه بأنه سيعرض اية اتفاقيات نهائية للسلام مع: سوريا, لبنان, فلسطين على الاستفتاء الشعبي الاسرائيلي. وفق ذلك, تجري مباحثات في رام الله بين وفد مركزي من الجبهة الديمقراطية ووفد من السلطة وحركة فتح, يتم فيه اعداد اوراق العمل لعقد لقاء مركزي بين وفد من الجبهة الديمقراطية برئاسة نايف حواتمة, ومن حركة فتح والسلطة برئاسة ياسر عرفات. والملفات التي يجري اعدادها تتناول مواضيع الحوار الوطني الشامل, والوحدة الوطنية, واعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على اساس برنامج وطني ائتلافي مشترك بين الجميع, كذلك قضايا مفاوضات الحل الدائم من حيث مرجعيتها وآلياتها, وعند التوصل الى الاعداد الجيد لهذه الملفات يصبح ممكنا تحديد مكان وزمان اللقاء بين حواتمة وعرفات. موازنة السلام كذلك لا بد من توفير الروافع العربية الضرورية واللازمة لتطوير الحالة العربية المترهلة منذ سنوات لمواجهة سلام اللاتوازن المقدم من قبل حكومة باراك ورموزها وصقورها. تطوير الحالة العربية يعني بالنسبة لنا, العودة الى تحقيق الحدود الدنيا من العلاقات العربية ــ العربية الايجابية وخلق حالة التضامن العربي, بدلاً من التفكك القائم الذي لا تستفيد منه سوى حكومة اسرائيل, ووقف التعويل على الموقف الاسرائيلي والموقف الامريكي المنحاز الى جانب سلام التوسع المقدم اسرائيلياً بدلاً عن سلام الشرعية الدولية برحيل الاحتلال والمستوطنين الى ما وراء خطوط 4 يونيو ,1967 وضمان تطبيق قرارات الامم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والدولة المستقلة وعاصمتها القدس العربية (وليس ضواحي ابو ديس والعيزرية والعيسوية ــ مشروع بيلين/ محمود عباس) وعودة اللاجئين وفق القرار ,194 ولنتذكر جميعاً اننا الآن بعد كوسوفو وليس فقط في زمن (صقرية) باراك. على الاطراف العربية مجتمعة التشديد مرة اخرى على رفض اقامة أي اشكال من الاتصالات والعلاقات التطبيعية مع الدولة العبرية في ظل الاوضاع السائدة الآن, وفي ظل ادعاءات سلمية لايهود باراك لا حقيقة لها على ارض الواقع. من هنا اهمية اغلاق مكاتب التمثيل الاسرائيلي في عدد من العواصم العربية, والحذر من اعادة فتح او تنشيط اي منها, فالمستفيد الوحيد في النهاية لن يكون سوى دولة الاحتلال التوسعي الاسرائيلي. امين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين