من الواضح ان وصول رئيس الحكومة الاسرائيلية الجديد ايهود باراك للسلطة, قد اطلق ديناميكية جديدة, على صعيد عملية التسوية السياسية للصراع العربي الاسرائيلي, او ما اصطلح تسميته عملية السلام , ومن نتائجها ما نراه من تصريحات مختلفة صادرة حديثا من العواصم المعنية مباشرة بهذه العملية. بيد ان الاتجاهات التي ستشتغل عليها هذه الديناميكية, ستعتمد الى حد كبير على جملة عوامل, لها علاقة بالاداء السياسي العربي والاسرائيلي على السواء. ينبغي القول هنا ايضا ان التوقعات المتفائلة, الزائدة عن الحد, بخصوص سهولة التوصل لاتفاقات سلمية بين اطراف الصراع, او تنفيذ ما جرى التوصل اليه فعلا, تتساوى في تسرعها مع تلك المتشائمة التي تدعونا الى غض النظر عن التطور الجديد في اسرائيل, واعتماد مبدأ التماثل بين باراك وسلفه بنيامين نتانياهو. ان كلتا النظرتين تقترحان علينا, تلقائية اعتباطية في التعامل مع الحدث السياسي, المسمى عملية السلام. ان الاعتدال, كما التشدد, ليسا خاصيتين معزولتين عن بعضهما, وهما لايتحددان بصورة تلقائية. انهما جزء من الصراع نفسه ؟سواء اتخذ شكل الحرب او السلم او التفاوض), وباعتبارهما آليتين يعتمد اشتغالهما ونجاحهما على الوضع الناشىء والظروف (الداخلية والخارجية) المحيطة. انهما يمثلان بمعنى آخر استجابة طبيعية لواقع سياسي محدد, لكن هذا الواقع عرضة للتغير, ومعه تتغير الآليتات المذكورتان صعودا وهبوطا. من هنا لايمكن توقع تشدد مطلق او اعتدال مطلق (في اي عملية سياسية) وانما حراك سياسي بين هذا وذاك. ولعلنا شاهدنا في خضم التشدد الشهير لحكومة نتانياهو, فسحتين من الاعتدال (اذا جازت التسمية هكذا) ونقصد بهما اتفاقي الخليل وواي بلانتيشن, اللذين تطالب السلطة الفلسطينية الآن حكومة باراك البدء بتنفيذهما. في الوقت الذي يبدأ باراك اسابيعه الاولى, باقتراحات يمكن ان تحسب على التشدد, كتلك الداعية الى ادماج اتفاق واي بلانتيشن في المرحلة النهائية, او تحديد مهلة 15 شهرا يتم بعدها تنفيذ الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين. ما يهمنا هنا اذن هو توضيح ان افتراض التشدد او الاعتدال بصورة كيفية, لاينسجم مع الفهم الدقيق والعملي للسياسة بما هي عملية خاضعة لظروف ووقائع متغيرة ونسبية. قلنا في البداية ان باراك اطلق ديناميكية جديدة بوصوله الى الحكم, فماذا نقصد بهذه الديناميكية؟ من المفيد هنا تذكر ان فوز زعيم حزب العمال الحالي في الانتخابات, كان في جانب منه بمثابة اعادة اعتبار اسرائيلية لعملية التسوية السلمية مع العرب, وللنهج الذي اتبعه الزعيم الاسرائيلي الراحل اسحق رابين. لقد شعرت اسرائيل (خاصة الطبقتين السياسية والاقتصادية) خلال الاعوام الثلاثة الماضية, انها تتجه الى طريق مسدود, لاينتظرها فيه سوى المزيد من العزلة وعدم الاستقرار. ولاول مرة يحدث اجماع عربي (وامريكي واوروبي) على اعطاء تقييم سلبي لحكومة اسرائيلية, يفضي الى عدم التعامل معها. وفي ايامه الاخيرة, كانت واضحا ان نتانياهو قد اصبح يعاني من ازمة ثقة رهيبة, حتى بين اقرب حلفائه داخل الليكود, الذين مالبثوا ان انفضوا عنه. في المقابل كانت الاشارات العربية والدولية, تزداد تباعا, مع اقتراب الانتخابات الاسرائيلية, مبدية الرغبة في التعامل مع قيادة جديدة لديها العزم والارادة على المضي قدما في عملية السلام المعطلة, وتنفيذا لاتفاقات والالتزامات السابقة. في ظل هذه الظروف والاجواء جاء ايهود باراك للسلطة, ويبدو انه لم يكن لدى الاسرائيليين من خيار آخر. وقد استغل باراك وهو لم يزل مرشحا, الرغبة المتنامية في التغيير (اسرائيليا وعربيا ودوليا), وراح يكثر من وعوده وتصريحاته حول الانسحاب من جنوبي لبنان وتوقيع اتفاق سلام مع سوريا على اساس الانسحاب من الجولان والموافقة على اقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبالنتيجة اصبحت لدينا مجموعة معطيات جديدة نوجزها في التالي: وجود رئيس حكومة اسرائيلي جديد ومنتخب, يعلن بوضوح عزمه على تحقيق السلام مع العرب وبصيغة الارض مقابل السلام. ثانيا: وجود تهيؤ نفسي واستعداد عربي للتعامل مع رئيس الحكومة هذا, انطلاقا من مواقفة المعلنة, من الحقائق الجديدة التي افرزتها الانتخابات الاسرائيلية. ثالثا: ثمة ترحيب دولي بسقوط نتانياهو وفوز باراك, يعكس تململا واضحا من التأخير غير المبرر الحاصل في عملية السلام. ان اجتماع هذه العناصر الثلاثة, هو ما نسميه الديناميكية. والآن لنرى كيف يمكن ان تشتغل هذه الديناميكية, وماهي الحدود المتاحة امامها؟ قد يكون من حسن الحظ ان عملية السلام الجارية, قد حدد لها سقف معين في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991, وهو السقف الذي لخصه مبدأ الارض مقابل السلام, وعلى اساس القرارات الدولية 242 و338 و425. اما مصدر حسن الحظ, فهو ان السقف المذكور عبارة عن التزام جماعي (من جانب اسرائيل والعرب والمجتمع الدولي) بتحقيق التسوية وفق هذا المنظور, ما يمنع اسرائيل ضمنا من تمرير او فرض اتفاقات مفصلة على مقاس رغباتها. ويمكن قول الشيء نفسه عن اسرائيل, التي منحها مؤتمر مدريد الاعتراف الرسمي لها من جانب العرب, ورهن التعامل والتعامل معها بتنفيذ تلك القرارات. لكن تظل الكيفية التي يتم بها تحقيق ذلك, هي العقبة الكأداء, على نحو ما ظهر في المفاوضات التي اجرتها الاطراف العربية مع اسرائيل منذ ذلك الوقت. وهذه, بالمناسبة, لم تكن اكثر من صراع بين رغبة واصرار المفاوض الاسرائيلي على النزول عن سقف مدريد, واصرار المفاوض العربي على البقاء ضمنه او في حدوده. لقد نجحت اسرائيل في فصل المسارات العربية بعضها عن بعض, ثم اقامة تصور وترتيبات خاصة بكل مسار. وهي بذلك ربحت بعض الوقت في هذه المعركة الطويلة لكنها لم تستطع ابدا, حتى داخل كل مسار على حدة, ان تتخلص من تبعات والتزامات مؤتمر مدريد في خطوطها العريضة. وربما مثلت فترة حكم رئيس الوزراء السابق نتانياهو, محاولة اسرائيلية غير ناجحة لمثل هذا التملص. على اية حال, توجد اليوم بفضل الاحباطات الكثيرة والمناورات العقيمة للمتشددين الاسرائيليين على مدى ثماني سنوات, فرصة لكل الاطراف لاعادة الاعتبار لاسس مدريد ومرجعيته وبما يضمن السلام الكامل, مقابل الانسحاب الكامل. ويبدو ان الديناميكية الجديدة التي اطلقها فوز باراك, بدأت تعمل في اتجاه تحقيق اختراقات مهمة في المسارين السوري واللبناني. بيد ان ذلك سيعتمد ايضا على طريقة تعامل الاطراف العربية نفسها مع هذه القضية, وقدرتها على استشعار تلك الديناميكية وتوظيفها لخدمة اهدافها. واعتقد ان السوريين يقومون بجهد طيب في هذا المجال, وهم كما يبدو استفادوا وتعلموا الكثير من المرحلة الماضية, بما في ذلك انتزاع المبادرات من الاسرائيليين, كما يفعلون اليوم. * كاتب بحريني