لم تكن ثورة 23 يوليو 1952 حدثا عارضا في حياتنا العربية على المستويين الاقليمي, والقومي, ولم تكن كذلك على المستوى الدولي . وقد يكون من الصعب الكتابة عن هذه الثورة التي شكلت وعي الأمة, وأحداثها في مرحلة من أهم مراحلها المعاصرة. بل هي ما تزال تحكم قيم ومواقف الشطر الأكبر من القوى الحية في هذه الأمة, وهي تواجه المتغيرات التي تعصف بها من جانب وتحاول أن تزلزل ما اعتبر من ثوابت الوجدان الشعبي: العربي والإسلامي. وصعوبة الكتابة عن هذه الثورة في هذه المرحلة نابعة من أمرين. أما الأول: فهو ان وعي الواحد منا, وتاريخه, وأفكاره, وقيمه تشكلت على أصداء هذه الثورة ومفاهيمها. ولا شك ان الكثير من الجيل الجديد قد دخل ميدان الوعي منذ رحيل هذه الثورة وهزيمتها. لكن مع ذلك فإن كل هذا الجيل يعود ليتمحص ويتفاعل مع تلك القيم ذاتها فيعززها, أو يقومها, أو يكملها. وأما الأمر الثاني: فإن الجدل حول ثورة يوليو: أين أصابت. وأين أخطأت؟ وماذا فعلت مستمر كأنها لم تغب إلا من فترة قصيرة. وإذا كان هذا دليل حيويتها وأهميتها فإن الكثير مما يكتب يحمل أخطاء الماضي بأكثر مما يحمل رغبة في رؤية المستقبل الذي يجب أن يكون همنا الأول والأخير. مما يجعل الكتابة عن ثورة يوليو محفوفة بخطر الانزلاق إلى ذلك النوع من الكتابة. لكن رغم هذه الصعوبة فإن الكتابة عن ثورة يوليو هي في حقيقة الأمر كتابة في آن واحد عن الماضي, والحاضر, والمستقبل. وهو ما لا يجوز أن نتوقف عنه. وقد رأيت أن أدخل هذا الميدان مرتبا الحقائق والوقائع في نقاط متتالية مبتدأ مما اعتقدت انها حقائق لا خلاف عليها ليكون ذلك مدخلا لحوار هادئ ومثمر. منظم الجزئيات في اطار رؤية كلية حتى لا تضيع الصورة أو يختل ميزان النظر والتقييم. 1 ــ إن حدث ثورة يوليو لم يكن في حينه حدثا مفاجئا. بل كان الحدث المنتظر. وقد اتفق على هذا التوصيف كل من كتب عن تلك المرحلة, رغم اختلافهم في تقييم هذه الثورة, كما اتفقت على ذلك كل تقديرات وتقارير الدبلوماسيين الأجانب الذين كانوا يتابعون الوضع في مصر. وتقرير هذه الحقيقة يعني ان الوضع العام في مصر كان يمر بمأزق فعلي ومستحكم, وهو مأزق لا يخص الملك وحاشيته الفاسدة. وإنما يمتد ليشمل مجموع القوى الفاعلة في مصر, والتي وصلت جميعها إلى درجة من الضعف والتصادم والتهاون مع القصر جعلتها تخرج من دائرة إحداث التغيير أو المشاركة فيه, ويكفي أن يرصد من يريد حالة ثلاث من القوى الرئىسية آنذاك وهي: الوفد والإخوان المسلمون, والأحزاب الشيوعية, يضاف إلى ذلك بالطبع القصر ومن يلوذ به وسيكون قاصرا إلى أقصى حد الاستدلال على ما آلت إليه أوضاع هذه القوى بالحديث عن الفساد الأخلاقي, والمالي, والسياسي للقصر وحاشيته, أو بالحديث عن حادثة الرابع من فبراير 1942 حينما فرضت دبابات الانجليز النحاس باشا زعيم الوفد رئيسا للوزراء رغم أنف الملك. أو بالحديث عن الزلزال الذي أصاب الاخوان المسلمين في صدامهم مع الحكومة, وعمليات الاغتيال أو محاولاتها التي أوصلت أخيرا إلى اغتيال مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا رحمه الله. أما ما كانت عليه أوضاع الأحزاب الشيوعية المصرية فهو غني عن التعريف. مثل هذا الاستدلال سيكون قاصرا لانه يقزم حقيقة الأزمة التي كانت تلف الجميع, وتهدر الطاقات المتوفرة فيها, أو في بعضها. إن مفصل قدرة القوى السياسية المرئية: الشرعية, أو شبه الشرعية في بلد زاخر بالحيوية وبالقوى الفاعلة, تتشابك فيه مصالح قوى دولية عديدة وتتحرك على ساحته قوى عديدة, في مقدمتها دولة محتلة, وأخرى تبحث عن موطئ قدم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. يعني ان هناك أزمة فعلية, وان الانفجار آت لا محالة. وقد يشار إلى حريق القاهرة باعتباره أهم علائم عجز هذه القوى, لكن حريق القاهرة لم يكن غير المشهد الأخير في شريط مليء بمشاهد العجز, وقد تكفي الاشارة إلى فضيحة الأسلحة الفاسدة, ومعركة البوليس في الاسماعيلية, ومسلسل تغيير الوزارات. 2 ــ إذا كان حدث الثورة غير مفاجئ, فإن رجالات الثورة لم يكونوا مغمورين أو نكرات, ولم يكونوا مجرد متآمرين. ولم يكن تحركهم كمثل تحرك العسكريين في أكثر من بلد عربي, أو في بلدان العالم الثالث التي عرفت بالانقلابات العسكرية. إن التوقف عن هذه الحقيقة مهم, فمسار التغيير الذي جاءت به الثورة لم يأت من فراغ, وما حدث في مصر لم يكن انقلابا عسكريا جاء بالحذاء العسكري إلى السلطة ليحكم البلد, وإنما كان عملا ثوريا هدف لتجريد القوى الحاكمة من أجهزة القوة التي كانت بواسطتها تفرض سيطرتها على الشعب, ثم هدف إلى استخدام هذه الأجهزة في محاصرة وابعاد هذه القوى الفاسدة. ولا يسمح المقام برصد حركة الضباط الأحرار قبل تشكيل هذا التنظيم, وبعده, لكني أشير إلى انهم كانوا يشاركون في العمل الوطني والقومي على أرفع وأخطر أشكال المشاركة. وان بعضهم اتجه إلى العراق للمشاركة في ثورة رشيد عالي الكيلاني. وبعضهم انتقل إلى لبنان لتشكيل وحدات للفدائيين وبعضهم درب الفدائيين من جماعة الاخوان المسلمين للقتال في فلسطين, وجميعهم شارك في اصدار المنشورات والبيانات وتوزيعها سرا داخل الجيش وعلى القوى السياسية وأجهزة الرأي والاعلام حيث قالوا كلمتهم في كل ما مر بالوطن من أحداث, وقد كانت انتخابات نادي الضباط أشد المواقع وضوحا وعلنية ظهر فيها الضباط الأحرار كحركة موحدة ومضادة للقوى الحاكمة. إذن فثورة يوليو وإن كانت حركة جيش, فإنها كانت قوة سياسية عسكرية أقرب إلى الحزب السياسي, إلا ان عضويته كانت تقريبا مقتصرة على أفراد القوات المسلحة. 3 ــ ما هو ثابت بشكل لا يقبل النقض ان القوى السياسية ذات الامتداد الشعبي, التي تعطلت قدرتها على الفعل في اطار الأساليب المشروعة. (وأقصد هنا: الوفد, الاخوان المسلمين, والشيوعيين, ومصر الفتاة), وجدت في حركة الضباط الأحرار وجها جديدا, أكثر فعالية, وأقدر منها على التأثير, وعلى فتح بوابة للأمل لذلك اقتربت منها, وحاولت جذبها إليها, ثم إن معظم الحزبيين الذين شاركوا في تنظيم الضباط الأحرار, رضوا أن يكون هذا التنظيم فوق أحزابهم وانتماءاتهم, ومن لم يرض وانسحب كان استثناء لا قياس عليه. 4 ــ وحتى تكتمل الصورة بشكل مفيد فإن علينا أن نقرر أن جمال عبدالناصر كان هو قائد حركة الضباط الأحرار. ثم كان هو قائد الثورة. وإن هذا الموقع له كان الموقع الطبيعي المعترف به من قبل رفاقه الضباط أولا ثم من قبل كل من عمل معه. ولم يكن مرد هذا قوة السلطة التي يملكها, وإنما قدرته على تحمل المسؤولية والامكانات القيادية التي تجلت فيه. إن التسليم بهذه المكانة لجمال عبدالناصر هو مما مكنه أن يذهب بنفسه أعزل إلى ثكنة سلاح الفرسان الذين أعلنوا تمردهم على الثورة خلال أزمة مارس ,1954 وان يناقشهم ويحاججهم في موقفهم ويدفعهم إلى التراجع. 5 ــ كانت حركة الثورة باستمرار حركة حيوية, دخلت معارك غير مسبوقة على أكثر من صعيد. وقد لا تكون كل معاركها غير مسبوقة. لكن بالتأكيد كانت كل المعارك ذات سمات جديدة جعلتها تتطبع بطابع ثورة يوليو. الغاء الملكية, كسر احتكار السلاح, ممارسة المسؤولية القومية (سوريا, الجزائر, السودان, المغرب العربي, اليمن... إلخ), محاربة الأخلاق والقواعد العسكرية الأجنبية على الأرض العربية, تأميم قناة السويس, بناء السد العالي, الوحدة السورية المصرية, معركة العدل والتحول الاجتماعي, معركة التصنيع والبناء الداخلي. وقد لا يدرك الكثيرون خطورة وأهمية كل معركة من هذه المعارك. وقد يكون هؤلاء معذورون لعدم ادراكهم, ذلك ان الكثير من التغييرات الاقليمية والدولية جعلت بعض هذه العناوين بمقياس الوضع الراهن غير ذات أهمية. لكنها في حينها كانت هي القضية الجوهرية التي تهتز لها عواصم العالم الغربي وتعقد لاجهاضها التحالفات وتحرك الجيوش, لانها كانت في ذلك الوقت عنوان الاستقلال والتحرر وبناء المشروع الحضاري الخاص بهذه الأمة. 6 ــ ان قيادة ثورة يوليو التي فعلها جمال عبدالناصر حازت على ثقة شعبية عربية لا نظير لها, وعلى مهابة ومكانة في النظام العربي. وفي العالم لا نظير لها أيضا. وبقيت هذه القيادة باستمرار الموئل الذي يعود إليه الجميع كلما عصفت بهم الأزمات. واشتدت عليهم الأحداث وإذا كانت قمة الخرطوم التي أعقبت نكسة يونيو 1967 وقمة القاهرة التي أوقفت نزيف الدم الفلسطيني ــ الأردني في سبتمبر من عام 1970 آخر مظاهر المهابة والمكانة لقيادة ثورة يوليو على صعيد النظام العربي, فإن الموقف الشعبي من استقالة جمال عبدالناصر عقب النكسة, والموقف الشعبي من وفاته, هما آخر مشاهد الاجماع الشعبي على قيادة ثورة يوليو, وهو اجماع يستوعب انتصاراتها, وهزائمها, ليس فقط على مستوى الشعب المصري وإنما على مستوى الشعب العربي في كل أقطاره. لقد خرجت دمشق, وحلب, وبيروت, والخرطوم, وصنعاء, والمغرب, والجزائر وليبيا... إلخ عن بكرة أبيها, تقف إلى جانب هذه الثورة, وهذه القيادة في محنتها, محنة النكسة, ومحنة غياب القيادة المتمثلة بوفاة جمال عبدالناصر. 7 ــ مما هو واضح وضوحا لا يحتاج إلى برهان ان ثورة يوليو وقيادتها كانت عبر سنواتها الثماني عشرة منحازة دائما إلى جانب الطبقات الفقيرة في المجتمع, وكانت تؤمن بضرورة تغيير التركيبة المجتمعية بحيث تصبح الغالبية العظمى من أبناء الشعب قادرة على الحياة الكريمة, وعلى تعليم أبنائها, وعلى رعايتهم, وعلى فتح آفاق التطور والتقدم أمام كل فرد, واتخذت طريقا إلى ذلك باعادة تجميع ثورة المجتمع الرئيسية, ثم توجيهها إلى مشروعات التنمية القادرة على تحقيق هذه الأهداف. إن أجيالا لا حصر لها من العلماء, والأطباء, والمهندسين, والعاملين في كل مجال هم من نتاج تلك المرحلة, وتلك السياسات. وقد كان سبيل الثورة إلى تجميع ثروة المجتمع هو (التأميم بعد التمصير) , ولم يكن التأميم هدفا بحد ذاته إنما كان وسيلة لتحقيق الهدف المنشود. 8 ــ واضح كذلك ان ثورة يوليو كانت تحمل إىمانا عميقا بالأمة العربية. وبمصالح الأمة العربية, وبأمن الأمة العربية. وحينما تحدث جمال عبدالناصر في (فلسفة الثورة) عن دور تاريخي يحوم فوق المنطقة, ويدعو مصر للقيام به, لم يكن يتحدث عن دور زعامة لشخص, أو دولة, وإنما عن دور مسؤولية يجب على مصر أن تنهض لتحمله. وكان يرى مصلحة مصر من خلال المصلحة العربية ذاتها. من هنا فإن دعم ثورة الجزائر كان يحقق الوجهين معا في الوقت ذاته, الأمن المصري, والأمن القومي العربي. باعتبارهما تعبيرين لحقيقة واحدة, أصيلة وشاملة, وحينما أبرم الوحدة مع سوريا, وحينما دفع بالمساعدة المصرية إلى اليمن. وبالقوات المصرية إلى سينا في ابريل من عام 67 فإنه كان يفعل ذلك لأجل مصر ولأجل الأمة العربية. 9 ــ إن ثورة يوليو كانت تنظر إلى المجتمع المصري باعتباره مجتمعا مسلحا بالأغلبية وكذلك للمجتمع العربي. وترى ان الصراع داخل المجتمع قائم على قاعدة برامج التغيير الاجتماعي. وليس على قاعدة التغيير العقيدي. لذلك فإنها أسندت رعاية الجانب الديني والدعوة إلى المؤسسات الدينية في المجتمع, ولم تتدخل في ذلك إلا في اطار تفعيل دور هذه المؤسسات وجعلها قادرة على أداء دورها. 10 ــ لقد مضى على ثورة يوليو 1952 حتى الآن سبعة وأربعون عاما, ومن الظلم أن نتحدث عن تحولات جرت على الثورة بعد وفاة جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970. والحق الذي يجب أن يقال ان الثورة هزمت, وليس المقصود هنا التغييرات التي طرأت على رأس السلطة في مصر بعد وفاة عبدالناصر, وإنما الذي نريد أن نقرره ان الأهداف الرئيسية التي قامت الثورة لأجلها, وعرفت بها لم تتحقق, أو لم يتحقق بعضها وتوقف بعضها الآخر. وهنا عند الحديث عن هزيمة أهداف الثورة, أو عن فشلها سنجد من يسارع بالقول ان فشلها كان في وجه رئيسي منه فشلا لأهداف الثورة. ولو أمعنا النظر فيمن يقول ذلك لوجدنا: قوى ورؤى ذات ارتباط, ومصلحة, بالنظام الدولي الجديد. وبالقوى الدولية الجديدة, لكن الكثير من هذه الأمة يدرك ان الخطوط الرئيسية لأهداف الثورة لا يمكن أن يدركها الفشل لانها تعبر عن حاجات حقيقية واستراتيجية لهذه الأمة وان تغيرت سبل التعبير عنها. هناك اعتراف عربي عام بأننا نعيش في أقسى مراحل التفتت العربي وان العرب في أمس الحاجة اليوم إلى اجتماع شملهم. وهناك اعتراف عربي عام بأن مسيرة سلام الشرق الأوسط جردت العرب من مظاهر قوتهم المادية, والمعنوية, وعلى الرغم من انعدام أي امكانية لحرب مع الكيان الصهيوني. فإن الانصياع الأمريكي لمصالح الكيان الصهيوني لم يتغير والرغبة الأمريكية في الهيمنة على مقدرات الأمة زادت ولم تنقص. وهناك اعتراف عربي عام يقوده الاقتصاديون, ورجال الأعمال بأن النظام الدولي الجديد وما تفرضه منظمة التجارة العالمية. والذي يختصر بكلمة العولمة.. سوف يسحق المنطقة وقد اضطر الرئيس الأمريكي إلى الاعتراف بذلك لكنه لكونه قائد هذا النظام الداعي له فقد رأى ان المتاح الوحيد هو تقليل سلبياته والتخفيف من مآسيه مشروع حضاري عام تتحرك الأمة حوله, اشارة إلى تلك النظرة الأصيلة للمشروع الصهيوني والموقف منه... نقول ان هذه الأهداف قد هزمت. وبالتالي فإن الثورة قد هزمت. وقد يكون مهما الانتباه هنا إلى ان الهزيمة لم تأت خلال حياة جمال عبدالناصر على الرغم من قساوة وخطورة نكسة الخامس من يونيو عام 67. أو خطورة انفصال سوريا عن مصر وانفراط عقد الجمهورية العربية المتحدة. فتلك كانت هزائم في اطار حركة الثورة, وقد أمكن دائما التقدم بعدها. ولنتذكر ان أعظم جيش عربي كان بعد نكسة 67. وان معركة الاستنزاف كانت هي المحك الذي تخرج منه قادة تمكنوا من تحقيق عبور 1973. هذه عشر نقاط نعتقد انها رئيسية في الحديث عن ثورة يوليو وقد ختمناها بالقول ان الثورة. ومبادئها, وقيمها. والكثير من انجازاتها, قد هزمت. وتعمدنا أن نجعل هذه هي خاتمة النقاط لنطل على الأفق الذي لا غنى عنه في كل حديث وهو المستقبل فقراءة الماضي, والبحث فيه تصبح ترفا إن لم تستهدف استشراف المستقبل واستطلاع آفاقه. * كاتب صحفي سوري