بين سيل التصريحات الملتوية التي اطلقها رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك منذ فوزه الكاسح على نتانياهو, ذلك التصريح الذي اعلن فيه انه لا يريد مجرد تسوية سياسية بين اسرائيل والعرب, ولكنه يريد (حلا تاريخيا) ينهي الخصومة الى الابد . وفي سياق (المولد العربي) الذي اقمناه ابتهاجا بفوز باراك والامال التي اطلقناها, ومناخ التفاؤل غير المبرر الذي جرى تعميمه, وانتظار الفرج على ايدي باراك المسالم الوديع (!!).. في سياق ذلك كله جرى التعامل مع تصريح باراك باعتباره دليلا على صحة الرهان العربي على حزب العمل ورئيسه في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة, وبرهانا على ان الحقوق العربية ستعود لاصحابها بعد الخلاص من نتانياهو وتحالفه اليميني المتعصب. اما المتشككون في نوايا باراك, والمدركون انه لا خلاف حقيقي بين باراك ونتانياهو حول القضايا الاساسية في الصراع العربي الاسرائيلي, فقد اخذوا تصريح باراك على انه محاولة للهروب الى الامام, وهو ما اكده بعد ذلك بالحديث عن تأجيل تنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) او اهم استحقاقاته, والدخول مباشرة في قضايا الحل النهائي, وهو ما ترفضه السلطة الفلسطينية حتى الان. الان.. وفي ضوء التطورات اللاحقة, وبعد زيارة باراك لامريكا واستعادة التحالف الاستراتيجي الامريكي ــ الاسرائيلي لعافيته, يبدو الامر اكبر من مجرد هروب للامام, وتبدو (الطبخة السياسية) التي يتم اعدادها اخطر واشمل, ويبدو ان حديث باراك عن (الحل التاريخي) لم يكن مجرد امنيات بل واقع يجري الاعداد له وتمهيد الارض امامه. و(الحل التاريخي) الذي تحدث عنه باراك يبدو انه كان المحور الاساسي لمباحثاته مع الرئيس الامريكي كلينتون الذي يريد انهاء ولايته بانجاز كبير يمسح به عار الفضائح التي لاحقته. لكن هذا ليس هو النقطة الاساسية, وانما الاساس ان هناك اتفاقا امريكيا ــ اسرائيليا على ان هذا هو الوقت المناسب لفرض هذا (الحل التاريخي) . فالحل الذي يتم تدبيره في غيبة العرب واستغلالا لضعفهم سوف يعكس بالقطع موازين القوى في المنطقة, اي انه سيعكس التفوق الاسرائيلي ويترجمه الى اتفاقات اشبه بعقود الاذعان. دور الوكيل والحل الذي يتم تدبيره في غيبة العرب واستغلالا لضعفهم سوف يترجم الهيمنة الامريكية على المنطقة, ويدشن رسميا الاعلان عن دور اسرائيل باعتبارها الوكيل الوحيد لامريكا في ادارة شؤون المنطقة وضمان موارد النفط والحفاظ على (الاستقرار) !!.. من وجهة النظر الامريكية بالطبع! والحل التاريخي في ظل هذه الظروف, ووفقا لهذا المخطط, لا يعنى الا شيئا واحدا.. ان الوقت قد حان لتصفية القضية الفلسطينية!! ان الحل مع سوريا قادم والحل مع لبنان لا مشاكل حقيقة فيه اذا تم الاتفاق مع سوريا, وتبقى القضية الفلسطينية اساس الصراع وجوهره.. فإلى اين المصير في ضوء (الحل التاريخي) الذي يبشرنا به باراك؟ باراك نفسه يكتفي بــ (اللاءات) الشهيرة, اما التفاصيل فتركها للمعلق العسكري الاسرائيلي الشهير (زئيف شيف) الذي رسم حدود (الحل التاريخي) في مقال هام بصحيفة (هآرتس) اعلن فيه بوضوح (ان اسرائيل سترتكب خطأ جسيما اذا وافقت على بحث قضية اقامة الدولة الفلسطينية بشكل منفصلٍ عن قضايا التسوية النهائية) ثم يضع الخبير الاسرائيلي شروط اقامة (الدولة) الفلسطينية واهمها: * الترتيبات الامنية هي العمود الفقري لشروط اقامة هذه الــ (الدولة) وهذه الترتيبات تتضمن نزع سلاح الدولة الفلسطينية لتكون مجردة من الاسلحة الاساسية مثل الدبابات والمدفعية والصواريخ, مع عدم وجود خدمة الزامية, وان تكون للقوات الفلسطينية مهمة واحدة هي الحفاظ على الامن الداخلي.. اي قوات شرطة, مع مواصلة سلاح الجو الاسرائيلي طلعاته فوق الضفة الغربية مع وجود اسرائيلي عسكري سيستمر حتى التوصل الى سلام شامل بين اسرائيل وجيرانها (والتركيز الان على سوريا والعراق.. وربما يمتد بعد ذلك الى ايران وباكستان و....) وتشمل الترتيبات الامنية عند زئيف شيف خطر التوقيع على معاهدات عسكرية باستثناء الاتفاق الامني مع اسرائيل, او مع الاردن واسرائيل في اطار نظام اقليمي. * المياه قضية اساسية لا تقل عن الامن والمطلوب جهاز رقابة يضمن لاسرائيل الحصول على 60% من مياه الضفة الغربية (!!) ومن اجل ذلك يتم تعديل الحدود في القطاع الساحلي لضمان السيطرة على منابع المياه لتسرقها اسرائيل. * المستوطنات.. تتم اعادة تنظيمها وتنقسم الى قسمين: الاول مستوطنات يهودية كثيفة السكان يتم ضمها لاسرائيل من خلال (التعديلات على الحدود) . والقسم الثاني يبقى في فلسطين ويعيش فيها المستوطنون خاضعين للحكم المحلي. * اما قضية اللاجئين فالقرار الاسرائيلي حاسم: الفلسطينيون ملزمون بالتخلص من الفكرة التي تراودهم في مطالبة اسرائيل بعد ان تقدم التنازلات الاقليمية بان تستوعب الفلسطينيين على المساحة القليلة التي ستبقى لها. ويقرر زئيف شيف: لن تتفاوض اسرائيل حول حق اللاجئين في العودة اليها, ولكن في طريقة استيعابهم على مراحل في دولتهم الجديدة وحتى هذا الاستيعاب سيكون محدودا كما يقرر شيف بسبب المناطق التي يحتلها المستوطنون في الضفة الغربية. لكن اسرائيل كريمة بالطبع (!) ولذلك فان زئيف شيف يقترح ان تقبل اسرائيل عودة عدد محدود من اللاجئين الفلسطينيين في اطار جمع شمل العائلات على الا يزيد عددهم عن عدد المستوطنين اليهود الذين سيعيشون على الارض المغتصبة في الدولة الفلسطينية الموعودة. * اما القدس.. فلا مجال للحديث حولها, فهي العاصمة الابدية الموحدة لدولة اسرائيل, وعلى الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين ان يقبلوا ذلك راضين او مرغمين. الحصاد المر والتفاصيل بعد ذلك كثيرة, ولكنها تؤدي جميعها الى نهاية واحدة (دولة) فلسطينية مقطعة الاوصال, لا تملك من امرها شيئا, بدون جيش او سلاح, سماؤها وارضها تحت الحماية الاسرائيلية, ومواردها المائية تحت السيطرة الاسرائيلية, اما المستوطنات فباقية.. الجزء الاكبر منها سوف يكون ضمن دولة اسرائيل اما المستوطنات الاخرى فتبقى داخل (الدولة) الفلسطينية المسخ.. واما حق العودة فعلى الفلسطينيين نسيانه, وان يقبلوا بما يجود به الاسرائيليون في هذا المجال, حتى ولو اقتصر الامر على عودة بضع مئات تحت شعار جمع شمل العائلات. اما الباقون.. فالحديث يدور الان من جديد حول توطينهم في البلاد العربية, والبعض يشير الى ما سبق تسريبه عن ان ابقاء العراق تحت الحصار احد اهدافه ارغام العراق على استيعاب جزء كبير من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان تحديدا. هذه بعض ملامح (الحل التاريخي) الذي يراد فرضه الان باعتباره تنازلا اسرائيليا وكرما امريكيا, لتكون نتيجته الاقرار الفلسطيني بالتنازل عن الحقوق التاريخية مقابل هذا (المسخ) الذي يطلقون عليه اسم الدولة, ويسمحون له بنشيد وعلم, ويقدمونه باعتباره غاية المنى بعد سنوات الجهاد, ومئات الالوف من الشهداء ومرات التشريد ومهانة الاحتلال. انه الحصاد المر لاتفاقات اوسلو وتوابعها, وهذه هي الصورة الحقيقية لــ (سلام الشجعان) الذي تعرضه اسرائيل الان, والذي تتم تحت اعلامه تصفية القضية الفلسطينية تماما لصالح الكيان الصهيوني وتصبح فلسطين مجرد (كيان) ممسوخ يتحول الى ممر تعبر عليه اسرائيل لاختراق العالم العربي وفرض سيطرتها الاقتصادية والعسكرية. اننا امام مشروع تصفية القضية الفلسطينية وعلى جثتها يتصور حكام اسرائيل انهم قادرون على فرض مشروعهم الاخر لاقامة الكيان الشرق اوسطي تحت سيطرتهم وبالمساندة والهيمنة الامريكيتين. وعلى العرب ان يخضعوا لما هو مكتوب ومقدر, وان يردوا (الجميل) لاصحابه, ويقدروا حجم (التنازلات) !! التي قدمتها اسرائيل, وان يدفعوا ثمن (سلام الشجعان) بالاستسلام الكامل لارادة اسرائيل, وان يدركوا انهم محظوظون لانهم عاشوا عصر باراك وحله التاريخي!!.