عندما اتصفح مجموعة الكتابات والمقالات والأعمدة وزوايا الرأي التي سطرها عشرات الكتاب والصحفيين وموجهي الرأي العام في المجتمع , أجد ان كل هؤلاء ايا كانت توجهاتهم الفكرية والسياسية, فانهم في كل خطاباتهم ونتاجهم الفكري كانوا وما زالوا يلحون بشكل أو بآخر مباشرة أو ضمنا على طلب لا يتنازلون عنه مطلقا, ذلك هو ديمقراطية الادارة والرأي والحوار وممارسة الحياة اي الديمقراطية الكاملة بكافة آفاقها. وآفاق الديمقراطية تركة ثقيلة لا يقدر على تبعاتها من لم ينشأ على تعاليمها, ومن لم يتشربها حرفا حرفا في كافة التصرفات وفي كل تفاصيل الحياة, بدءا بالبيت والعائلة ثم المدرسة والشارع ومؤسسات العمل وحياة الأصدقاء ومؤسسة السلطة والادارة, وآفاق الديمقراطية تبدأ ولا تنتهي, ولذلك فأغلب الذين نادوا بها وكتبوا عنها سقطوا عند أول اختبار عملي لمصداقية الدعوات التي ظلوا يصرخون بها زمنا, لانهم ــ للاسف ــ كانوا دون امكانيات التوافق بين القول والشعارات وبين التطبيق العملي. آفاق الديمقراطية واسعة وفضاءاتها رحبة جدا, بشرط ان يكون هناك من يقدر عليها, وهي تبدأ بالقدرة على التعبير الحر والصادق عن الرأي والرغبة الأكيدة في الثبات عليه والدفاع عنه, وتنتهي بالرغبة المخلصة في تقبل كافة ألوان الطيف السياسي والفكري المتواجد في الساحة, مروراً بقناعة الحوار وأهمية الرأي الآخر, وحرية الاختلاف والتعددية, وتكريس القانون واحترامه والقبول بالعيش في ظل مؤسسات ذات اعتبار واحترام يعلو منطق الاعتبارات الشخصية والفردية. لقد طرحت مجموعة من أساتذة علم النفس بجامعة عين شمس المصرية السؤال التالي: هل العقل العربي منفتح ويقبل الآخر المخالف فعلاً, أم انه تسلطي وقمعي ومتعصب في حقيقته؟ لقد طرح السؤال للتعرف على ظاهرة (أحادية الرؤية وتعدديتها) للكشف عن مدى انتشار الرؤية الاحادية أو التعددية الديمقراطية بين طبقات عريضة من المثقفين, بدءا من رجال القضاء وأساتذة الجامعات, وانتهاء بالفئات العادية من المواطنين, فكيف كانت النتيجة؟ ان أخطر ما كشف عنه المقياس المكون من 165 سؤالا هو ان كلا من الجانبين: الأصوليون أصحاب الأحادية تجاه مخالفيهم وخاصة الاسلاميين منهم, والتعدديون من بين المثقفين الليبراليين واليساريين والعلمانيين, كلاهما ينفي الآخر, وكلاهما يدعي ملكيته المطلقة للحقيقة وان الآخر على خطأ دائما!! ولعل الموروث الثقافي الذي توارثناه أحقابا عن المجتمعات البدوية والزراعية مسؤول عن هذا التكوين التسلطي لعقولنا, وهذا ما تربينا عليه ونحن بدورنا نربي ابناءنا عليه, السمع والطاعة بلا نقاش, هذا هوالدرس الأول في الأسرة والدرس الأول الذي يبث في أدمغتهم في أول أيامهم المدرسية. الأب لا يناقش, والأخ الأكبر لا ترد كلمته, والمدرس كلمته لا تنزل الأرض والناظر حاكم بأمره في المدرسة, والمسؤول كلامه على الرأس والعين والمدير سيد الموقف وصاحب القرار بلا مراجع و .. الخ. اذن فما جدوى كل هذا الكلام وكل هذا الارث المكتوب والنضال والسجال الذي لا ينتهي من أجل الديمقراطية والوعي السياسي في المحيط العربي؟ نحن بحاجة لمواجهة مع دواخلنا واختبار مدى صلابة الشعارات في ذهنياتنا قبل اختبارها على أرض الواقع, وما لم يحدث نقد وتحليل ومواجهة سنظل كرعايا الامبراطور الذين يتحدثون عن ظلمه ثم يمتدحون ثيابه الفاخرة, بينما يقف هو في وسطهم عاريا دون ان يجرؤ أحد على قول الحقيقة .. ديمقراطيتنا اليوم كثياب الامبراطور تماما!