أثار تصريح باراك بعد تشكيله الحكومة الاسرائيلية بأن (الدولة الفلسطينية قائمة) موجة من التفاؤل حول شكل الحل النهائي على المسار الفلسطيني الذي سيتوج بدولة فلسطينية . وقد أعاد باراك طرح موضوع الدولة أثناء زيارته للولايات المتحدة حيث اكد عدم معارضته لدولة فلسطينية على ان تكون باتفاق مع اسرائيل. ولاشك ان تصريح باراك خادع, فكما قرأ البعض فيه اقرار من باراك بالدولة الفلسطينية, يمكن قراءته بطريقة معاكسة, فالقول ان الدول الفلسطينية (قائمة) يعني ان مواصفات الدولة الفلسطينية التي يحملها باراك لا تختلف عن الحكم الذاتي الموسع الذي طرحه الليكود, وان الفرق بين حل الدولة والحكم الذاتي الموسع هو فرق في التسمية وليس فرقا في المواصفات.وفي هذا الإطار يملك باراك مواصفات محددة لهذه الدولة عبّر عنها في العديد من المناسبات: انها دولة منزوعة السلاح, ولا جيش أجنبي في الأراضي الفلسطينية, لا معاهدات عسكرية مع دولة أجنبية, نهر الأردن الحدود الأمنية لاسرائيل...الخ. يتواصل الجدل في اسرائيل حول موضوع الدولة الفلسطينية, وحول الشروط التي يجب فرضها على هذه الدولة. وفي مقال لافت كتبه زنيف شيف الاستراتيجي الاسرائيلي المقرب من رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك ومن المؤسسة العسكرية الاسرائيلية في صحيفة (هآرتس) 16 يوليو 1999 تحت عنوان (شروط مسبقة لإقامة الدولة الفلسطينية) حدد فيه طبيعة الدولة الفلسطينية من وجهة النظر الاسرائيلية, والذي يعكس طبيعة تفكير اسرائيل ورئيس حكومتها بشأن موضوع الدولة. ينصح شيف اسرائيل بعدم الاتفاق أولا على اقامة الدولة, وبعد ذلك الاتفاق حول القيود الأمنية التي ستقبل بها الدولة الفلسطينية, هذا التكتيك خطير من الناحية المبدئية, فالمفاوضات يجب ان تتم بصورة معكوسة, أولا يجب تحديد الشروط المسبقة لاقامة الدولة الفلسطينية,ومع قبول هذه الشروط التي ستكون جزءا من الاتفاق سيصبح بالامكان الاتفاق بشكل مشترك على اقامة الدولة. والهدف الأساسي امام اسرائيل هو ان توقع الدولة الفلسطينية اتفاقا لنهاية الصراع. فحسب شروط شيف المسبقة على الدولة الفلسطينية احترام وحدة أراضي اسرائيل ولا تتدخل في شؤونها الداخلية ولا تعمل على إلحاق وضم عرب اسرائيل اليها أو سكان الأردن من أصل فلسطيني. ويطالب شيف ألا يتم بحث موضوع الدولة بشكل منفصل عن قضايا التسوية النهائىة, ويحذر من اتخاذ قرار حول كل مسألة على حدة, والانتقال بعدها لمسألة اخرى, لأن التعامل الشمولي يسمح للأطراف في التوصل إلى حلول وسط شاملة, حيث سيكون بإمكان احد الجانبين ان يتنازل في مسألة محددة وأن يحصل بالمقابل على تعويض في قضية أخرى. وعلى هذا الأساس ينظر شيف للدولة الفلسطينية كنتيجة للمفاوضات وفق الشروط الإسرائيلية, التي عليها ان تستجيب لهذه الشروط, حيث يضع مكانة الأردن والحفاظ عليها في سلم الأولويات الاسرائيلية, معتبرا ان لإسرائيل مصلحة حيوية في دمج الأردن في التسوية الدائمة. لأن لإسرائيل مصالح أمنية هامة مع الأردن, الذي يشكل منطقة عازلة أمام المخاطر الآتية من الشرق. ويتوجب على اسرائيل ان تحرك المفاوضات بحيث لا تشكل الدولة الفلسطينية خطرا على استقرار الأردن. ينتقل شيف الى الترتيبات الأمنية التي يعتبرها العمود الفقري في شروط اقامة الدولة الفلسطينية, والتي بدونها يجب على اسرائيل ان تعارض اقامة الدولة. لأن الوضع الجديد بعد اقامة الدولة الفلسطينية سيقلص العمق الاستراتيجي جدا. وهذه الترتيبات يجب ان تشمل: ــ نزع سلاح الدولة الفلسطينية التي يجب ان تكون مجردة من الأسلحة الأساسية مثل الدبابات والطائرات والمدفعية والصواريخ. كما انها لن تنتج السلاح. ــ لن يكون للدولة الفلسطينية جيش نظامي ولن تكون فيها خدمة إلزامية, والقوات الفلسطينية ستكون قوات شرطة في جوهرها. ــ الدولة الفلسطينية ستكون بدون سلاح جوي والحركة الجوية لفلسطين ستكون بالتنسيق مع الرقابة الاقليمية الاسرائيلية.وطائرات سلاح الجو الاسرائيلي ستواصل طلعاتها فوق الضفة الغربية وسيكون هناك تواجد اسرائيلي في الاراضي الفلسطينية للانذار المبكر. وستوضع قوة في غور الأردن ستكون بمثابة حرس أمامي. ــ حظر توقيع أية معاهدات عسكرية باستثناء الاتفاق الأمني مع اسرائيل أو مع الأردن وإسرائيل في اطار نظام أمني اقليمي. المياه أيضا شرط مسبق, 60 في المائة من مصادر المياه الاسرائيلية تنبع من حوض الضفة الغربية الجوفي. ويتوجب على اسرائيل ان تطالب بجهاز رقابة وإشراف في قضية المياه, وان يكون هذا الجهاز قادرا على تطبيق القانون بصرامة من أجل منع حفر الآبار بشكل فوضوي أو تسرب المياه الجارية. لن تتفاوض اسرائيل حول مصير اللاجئين بالعودة إليها مثلما يطالب الفلسطينيون, وانما حول طريقة استيعابهم على مراحل في دولتهم الجديدة, من دون ان يتسبب هذا الاستيعاب في حالة لا استقرار وما يمكن ان تحتمله اسرائيل عدد محدود من اللاجئين في اطار لم شمل العائلات. واستعدادا للتسوية الدائمة يتوجب على اسرائيل ان تعيد تنظيم المستوطنات من جديد وإلا فإنها ستضطر لاخلاء عدد اكبر من المستوطنات, ويتوجب الاصرار ان توافق الدولة الفلسطينية على عدة حلول, أحد هذه الحلول في اطار تعديلات الحدود التي ستبقي بعض المستوطنات والكثير من المستوطنين ستضم الى اسرائيل, وبعض المستوطنات الأخرى ستبقى في الدولة الفلسطينية, ويخضعون للقانون المحلي الفلسطيني. وبشأن الحدود يقول شيف (حتى ان وافقت اسرائيل بالأساس على العودة إلى حدود الرابع من يونيو ستطلب بالتأكيد اجراء تعديلات على الحدود) . وهناك امكانية لعدم تحديد بعض الحدود فور اقامة الدولة الفلسطينية, وإمكانية حسم العلاقة خلال مدة زمنية وربما على مراحل بعد اقامة الدولة. وبالإمكان ان يقرر الطرفان إعلان منطقة معينة (منطقة أمنية) مؤقتة إلى ان يحدد مصيرها مستقبلا. يغيب موضوع القدس عن تحليل شيف, ولا يظهر الا في اطار موضوع الحدود, حيث يطالب شيف بتوسيع المساحة حول العاصمة (القدس) باتجاه مستوطنة معالية أدوميم. ويضيف: ان على اسرائيل ان تسعى للبقاء على الأراضي التي قررت في حينه ضمن مشروع آلون, أي غور الأردن والقسم الشرقي من صحراء الضفة الغربية, ما يعني فصل الدولة الفلسطينية عن الأردن. بهذه الطريقة يتم التفكير الاسرائيلي في موضوع الدولة الفلسطينية, واذا اخذنا بعين الاعتبار ان وجهة نظر باراك الأمنية اكثر تشددا من وجهة نظر شيف, فإن موضوع الدولة الفلسطينية من وجهة نظر اسرائيل, يعتبر اعادة تنظيم للاحتلال بشكل آخر, فبعد ان كان الاحتلال متورطا بالصدام مع التجمعات السكانية الفلسطينية, فهو يعيد تنظيم هذا الاحتلال على تخوم المناطق الفلسطينية, وفرض طيف واسع من الشروط الأمنية والمائية وغيرها, تجعل من الدولة الفلسطينية كيانا شكليا, وتحافظ عليه بوصفه حديقة خلفية لإسرائيل. وبهذا المعنى فإن الخلاف يدور حول التسمية التي ستسفر عنها التسوية النهائية أكثر مما تدور حول الحقوق الفلسطينية وإقرار هذه الحقوق على الأرض, ويبدو واضحا ان اسرائيل لن تستطيع الخروج من عقلية الاحتلال, التي تسعى في كل مرة إلى اعادة تنظيمه في كل اتفاق مع الفلسطينيين. كاتبة فلسطينية