ماذا يعنينا من تذكر (ثورة 23 يوليو) وبطلها جمال عبدالناصر بعد مرور 47 سنة على انجاز الثورة, وبعد 29 سنة من وفاة زعيمها ؟ لم يصدمني هذا السؤال الذي سمعته مؤخرا من بعض الفتيان العرب الذين شاءت أقدارهم ان ينبتوا في أجواء مختلفة (وأحيانا مشوشة),وأن يعانوا من ضعف التوصيل الثقافي والتاريخي لحلقات مهمة من التاريخ المعاصر للأمة, وحتى بالنسبة لأحداث ما زالت حية في الواقع أو في الضمير, وشديدة التأثير على حياة العرب الراهنة والآتية. فالمساحات المخصصة في أجهزة الاعلام (وخاصة في الفضائيات) لكلمة الحق والحقيقة ولما ينفع الناس دون الحاجة بكثير, والعاملون لها أقلهم المتمكن والصابر والمحتسب مهما كانت التكاليف.. والمعركة محتدمة, وغير متكافئة, حول ضمير الأمة وحاضرها ومستقبلها.. وما يحاك لها لإجهاض محاولاتها لإعادة روح النهضة والتقدم والريادة الحضارية والإنسانية والعقيدية. ومن هنا تأتي أهمية الوقفة عند (ثورة 23 يوليو) التي يسعى من لا يريدون بالأمة خيرا الى طمس ذكراها ودفن مبادئها ونشر الضباب المعتم فوق انجازاتها.. ولعل أهم ما نحتاجه الآن في الثورة هو ذكريات ما زالت حية ونداءات كان لها مفعول السحر في تفجير طاقات الناس والتسابق الى العطاء والخيرات, ومن المؤكد ان هذه العجالة لا تتسع للكثير لكنها تستطيع ان تقدم اشارات قد تساهم بتوسيع افق الطريق امام الأجيال الصاعدة. لقد كان أول انجازات الثورة تحقيق جلاء الاستعمار عن مصر ثم كل الوطن العربي, والسعي الى العدل الاجتماعي في وطن كان معظم أهله لا يتمتعون بأي من خدمات وحقوق الانسان واحتياجاته الضرورية كالدواء والكساء والمأوى والمأكل, فضلا عن الحرية والتحرر وتكافؤ الفرص. ومع السعي لتحقيق هذه الاهداف كان الاصرار على ميلاد انسان عربي جديد قادر فعال ويحترم نفسه.. وما زال يرن في الآذان نداء جمال عبدالناصر وهو يوزع صكوك ملكية أراضي الاصلاح الزراعي قائلا: (ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد) . وقد أصر جمال عبدالناصر على امتلاك أمته العربية للإرادة والثروة الوطنية وتحقيق التنمية, فكان ان تعرض للاعتداءات المسلحة من قبل القوى المعادية الباغية.. ورغم ضعف الامكانيات واختلال موازين القوى وقف في الجامع الأزهر صارخا (سنقاتل.. سنقاتل.. ان الذين فرضوا علينا القتال لن يستطيعوا ان يفرضوا علينا الاستسلام) , فكان ان التفت حوله الجماهير العربية وخاض بها بعضا من أشرف وأعظم معاركها المنتصرة. وحتى عندما عانى جمال عبدالناصر من الهزيمة في يونيو 1967 وقف بشجاعة يتحمل المسؤولية كاملة ويتنحى عن السلطة, فانطلقت الجماهير العربية الى الشارع تفرض عليه العودة الى مكان الزعامة بتفويض جديد لمواجهة الأعداء وتحقيق النصر, وكان ان استجاب لإرادة أمته على قاعدة ان (ما أخذ بالقوة لا يستعاد الا بالقوة) , وأن (الأمة العربية قادرة على الصبر والقتال وتحقيق النصر) . ولم يكتف عبدالناصر بالعمل في مصر ولها فقط, ولم يكن ذلك لأنه كان يعلم استحالة حماية أمن مصر وتقدمها وتحررها بمعزل عن محيطها العربي, وانما لأنه أدرك كأستاذ في (علم الاستراتيجيا) عندما كان في الجيش ان مصير الأمة العربية واحد, وان معاركها واحدة وحياة كل قطر لا يمكن فصلها عن حياة بقية الاقطار وان الوحدة هي الحالة الطبيعية للأمة العربية بينما التجزئة من صنع القوى الاستعمارية التي لا تريد ان تقوم للأمة قائمة أو ان تنفلت من التخلف لتنطلق إلى عالم رحب من التقدم والكفاية والعدل. ولأنه كان صادقا وواضحا وصريحا وصلبا في ظروف النصر والهزيمة, فإن قائد ثورة 23 يوليو حصل على ثقة كل عربي مخلص الانتماء, واستطاع بسنوات قليلة ان يغير الخريطة العربية وحياة المجتمع العربي.. وقضى نحبه وهو يقاتل من أجل امته العربية وحقها في الحياة والتحرر والتقدم. ولذلك فإن بصمات ثورة 23 يوليو دخلت حياة كل عربي بين المحيط والخليج, وإنجازاتها ساهمت بكل خير نعيشه الآن.. وحين تباعدنا عن ثوابتها الصحيحة عاد الأعداء يعبثون في حياتنا ومصيرنا ويسعون لإعادة رسم خرائط لوطن العرب تحقق مصالحهم لا مصالح هذا الوطن الكبير. أليس الأحرى إذن ان نتذكر ثورة يوليو وبطلها, وأن نتعامل معا بمنطق ان (الذكرى تنفع المؤمنين) يا كل فتيان العرب؟