هناك قول شائع هو:(إن التاريخ له آذان ولكن ليس له عيون)والمقصود, أننا(نسمع روايات عما جرى منقولة لنا بالسمع) و(معظمها مكتوبة بأثر رجعي يخلط الوهم بالحقيقة)إلى درجة الخرافة أو الأسطورة أحيانا , وهو سر عذاب المؤرخين, وحتى لو كانت هناك وثائق مكتوبة فهم يقفون حائرين أمامها لا يعرفون بالضبط مدى أصالتها وظروفها ومدى تعبيرها عما جرى. لكن التاريخ عند محمد حسنين هيكل ليس له آذان فقط وإنما عيون أيضا, فهو شاهد عيان على ما جرى, وهو يملك أطنانا من الوثائق يدلل بها على ما يروى, خاصة إذا ما كان يرويه عن ثورة يوليو, وجمال عبد الناصر, وأنور السادات, من الجذور في حرب فلسطين (1948) إلى حرب أكتوبر(1973). هذه الشهادة لأشهر أساتذة التاريخ في جامعتي (كامبريدج) و(أكسفورد) معا ـ رغم المنافسة العتيقة بينهما ـ السير (ستيفن رانسيان) , وقد صاغ شهادته في رسالة إلى هيكل حملها سفير لبنان السابق في لندن (نديم دمشقيه) الذي ينسب له انه قال: لو لم يكن هيكل هناك لكان تاريخ هذه الأمة قد كتب على طريقة (ألف ليلة وليلة) . والشهادة جاءت ممن يملك لمن يستحق, ولكن رغم ذلك فإن هيكل في كل كتبه ـ التي تعرضت لما جرى في مصر والمنطقة العربية خلال الخمسين سنة الأخيرة وهي بالمناسبة فترة عمره الصحفي ـ لا يزعم انه يكتب التاريخ, بل ويقول أنه لا يحاول ذلك, وأسبابه هنا عديدة: أن التاريخ ليس اختصاصه, وأن التاريخ تصعب كتابته في زمن وقوعه, (ثم إنه لا يكتب التاريخ من عاشوا في وقائعه) . وأقرب وصف لما حاول هيكل أن يفعله ـ في كل ما كتب من وقائع ـ هو القيام بدور (الشاهد) باعتبار أن الشاهد ـ حسب التعبير القانوني ـ هو (جزء من الدليل ) , وهو يضيف إلى ذلك تحفظا ضروريا وهو استكمال التعبير القانوني بملحق يزيد عليه إذا صدق, لأن الصدق قيمة إنسانية قد تتأثر بالغرض أو المصلحة, وهو يستطرد: أنه التزم فيما كتبه عن جمال عبد الناصر وأنور السادات ومصطفى أمين بنظام في التوثيق (طلبته صارما وسعيت إلىه مصمما) . منطقة التقاطع والتداخل ولو كان هيكل يكتب ما جرى باعتباره شاهدا, فإنه قد حصل على الكثير من الوثائق الهامة والخطيرة والسرية باعتباره مشاركا, وطرفا, وصديقا لجمال عبد الناصر (طول الوقت) ولأنور السادات (بعض الوقت), فقد قضت الظروف أن يكون في منطقة التقاطع الواضح والتداخل الشديد بين السياسة والصحافة, وهي منطقة شديدة الخطورة وشديدة الحساسية على حرية الكلمة والكتابة إذا لم ينتبه الصحفي إلى ما فيها من ديناصورات وأسماك مفترسة واختلاط للأدوار واغراءات تحوله من حامل قلم إلى تابع للسلطان, ومن صاحب رأى إلى نديم بلاط. وفي رحلة البحث عن وثائق يوليو ـ التي بدأناها في المقال السابق ـ سنتوقف طويلا عند محطة هيكل, وهي محطة شديدة الأهمية وأثير حولها الكثير من الخلاف والجدل, وفي موضوع الوثائق يقول هيكل قبل أن يدخل في التفاصيل: إنه ليس لدينا نظام لحفظ الوثائق, والدليل على ذلك أن محاضر معاهدة 1936 مثلا (غير موجودة) , وكذلك (كل المباحثات التي دارت بين السادات وكيسنجر ـ وزير الخارجية الأمريكي الأشهر الذي لعب دورا كبيرا بعد حرب أكتوبر 1973 ـ (لا وجود لها) , و الأرشيف الخاص بعصر الملك فاروق كله كان ضائعا ثم عثر عليه بعد سنوات طويلة من رحيله في مجموعة دواليب في بدروم قصر (عابدين) , وقد اقتضى الأمر للعثور عليه الاستعانة بخبرة حسن يوسف (باشا) الذي كان وكيلا للديوان الملكي, ثم رئيسا له. القضية إذن لا تتوقف فقط عند وثائق ثورة يوليو وإنما هي قضية عامة خاصة بوثائق مصر الرسمية, كلها في عصور وأنظمة مختلفة, فكثيرا ما تجري مباحثات سياسية هامة لا يتم تسجيلها, ولو سجلت لا تحفظ بطريقة منظمة, ولو نظمت فإن القانون يطالبنا بأن ننتظر 50 سنة كاملة حتى يسمح لنا بكشفها وهي ضعف المدة في الدول الديمقراطية, لكن يمكن التجاوز عن شرط المدة بالحصول على إذن في نشر الوثائق لمن حصل عليها باجتهاده, فكان الأصل في الإباحة هو التقدير الشخصي لمن يملك الإذن بذلك, وليس نظاما زمنيا يحدد بمقتضاه ما يباح؟ ولمن يباح؟ ومتى يباح؟. وفي بعض الأحيان كانت عملية المنع والإباحة خاضعة لهوى السلطة السياسية في وقت ما, وخاضعة لرغبتها الشخصية في محاكمة عصر سابق أو التغطية على عيوبه وعوراته, مثال ذلك, قضية انحراف جهاز المخابرات العامة في عام ,1968 فقد سربت وثائق هذه القضية في فترة سياسية كان هدفها الطعن في كل ما ينسب إلى عصر جمال عبد الناصر, ثم وفي فترة سياسية أخرى وجدنا أن هذه القضية كانت السبب في وضع قانون يمنع التعامل مع وثائق أجهزة الأمن دون استئذان منها أو الرجوع إلىها, وكان العقاب صارما, متشددا. وأخطر ما في طول المدة هو أننا لن نستطيع أن نعرف ما جرى إلا بعد فوات الأوان, وفي ظل ميديا لا تهوى كثيرا كشف الحقائق في حينها سيحكم على أجيال وراء أجيال بأن تعيش وتموت ولا تعرف ما جرى حولها, ولو أتيح لها أن تعرف ما جرى حولها فسيكون ذلك من خلال المصادر الأمريكية والأوروبية التي ستكشف ما جرى مبكرا 25 سنة, ولكن من وجهة نظرها, ومن ثم سنقرأ تاريخ بلادنا على طريقة الغرباء, لا أصحاب الشأن, وقد كانت مصر قبل هذا القانون تبيح الوثائق الرسمية وتكشفها بعد 30 سنة فقط, ولكن بدلا من تخفيض المدة وهو اتجاه جديد في العالم أصبحت ممتدة إلى نصف قرن من الزمان. إن نظام الكشف المبكر للوثائق هو جزء من الحريات السياسية التي يتمتع بها الناس في الدول الديمقراطية (الغربية) ولو بعد فترة محددة, فعندما يعرف من في السلطة أن ما يفعلونه يسجل عليهم, ويحاكمهم ـ معنويا على الأقل ولو فيما بعد ـ فإنهم يفكرون ألف مرة على الأقل قبل أن يتخذوا أي قرار يؤثر على أمتهم. كذلك فإن كشف الوثائق في وقتها المحدد ينشط ذاكرة الأمة ويحافظ عليها ويمنع التشويش عليها, ويصد عنها الغارات الهمجية التي تحاول سحقها بالكذب والبلف والتهويش, إن الأمة ـ كما يقول هيكل ـ مثل الفرد (يصاب بالجرح فيشفى ويصاب بالصدمة فيفيق ويصاب بخسارة في المال فيعوضه, لكن فقدان الذاكرة كارثة بلا حدود لأنه يودي بكل شئ بما في ذلك التاريخ والمستقبل, ومن ثم يصبح الحاضر محاصرا يتم عزله وتطويقه على لوحة زجاج مسطح لا تحتفظ بشيء ولا تعي شيئا, ويصبح الفكر والثقافة صورا ملونة على شاشات تليفزيون, وتصبح الحرية والديمقراطية حقا في الاختيار في المفاضلة بين سلع معروضة على الرف في سوبر ماركت, ويصبح مطلب العدل والمساواة مسيرة قطيع تسوقه أجهزة إعلام تصبها الأقمار الصناعية من فوق كل سطح على رؤوس من يتصادف وجودهم ـ ولا أقول حياتهم ـ تحته ـ (أنظر كتابه: أكتوبر السلاح والسياسة ـ الناشر مؤسسة الأهرام ـ ص14. وقد وصل الأمر ـ حفاظا على ذاكرة الأمة و حكامها في الولايات المتحدة الأمريكية ـ أن الرئيس يقبل أن تسجل مكالماته التليفونية التي يجربها مع قادة العالم, وكذلك تسجيل كل ما يدخل مطبخ البيت الأبيض, وقوائم طعام المآدب الرسمية, وكل دولار ينفق على الإصلاح والتجديد, فالوجه الآخر لذاكرة الأمة هو شفافية حكامها, وهي وظيفة جديدة للوثائق الرسمية غائبة عن الأذهان حتى أدخلها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الخدمة. تعدد الروايات في الأجزاء الثلاثة من موسوعته الضخمة (حرب الثلاثين سنة) ـ ويضاف إلىها كتابه عن حرب أكتوبر ـ ينفرد هيكل بنشر أخطر وثائق الثورة والدولة خلال فترتي حكم عبد الناصر والسادات, بما في ذلك الوثائق التي كانت محفوظة في بيت عبد الناصر, فمن أين استطاع الحصول عليها؟. ويصبح السؤال أكثر قيمة عندما يقول لي سامي شرف ـ منذ سنوات ـ إن هيكل لم يطلع على وثائق عبد الناصر في حياته, ولم يدخل خزانة أسراره المكتوبة, بل إن سامي شرف يتحدى أن يكون ذلك قد حدث, ثم يستطرد: إن هيكل لم يحتفظ في هذا الوقت إلا بنسخة من الرسائل التي كان عبد الناصر يكلفه بكتابتها إلى بعض زعماء وحكام العالم. إذن, كيف حصل هيكل على هذه الوثائق, ومنها الأوراق التي عليها تعليمات عبد الناصر إلى سامي شرف نفسه؟. الإجابة على هذا السؤال فرضت على مساحة عريضة من التحريات قمت بها لسنوات, واستدعت سماع أشخاص كانوا في المطابخ والكواليس, وقد وجدت في طريقي أكثر من رواية, لا نملك سوى قبولها أو رفضها, ولكن نقدر أن نعرف رأي هيكل فيها. هناك رواية تقول أن ثلاثة رجال جاءوا في وقت واحد بعد القبض على سامي شرف ـ هو ومعظم الرموز الناصرية الذين كانوا في كافة مواقع السلطة الحساسة فيما عرف بمؤامرة مراكز القوى في 15 مايو 1971 ـ جاءوا إلى منطقة الوثائق في بيت عبد الناصر, هم محمد حسنين هيكل وعبد القادر حاتم ومحمد حسن الزيات, و بينما كان حاتم والزيات يفتشان عن ملفاتهما الشخصية كان هيكل ـ ومعه جهاز تصوير ميكروفيلم وفني مختص ـ يريد نقل الوثائق على شرائط أفلام حساسة. ورواية ثانية تقول: إن الرئيس السادات قال لأشرف مروان الذي أصبح بعد 15 مايو 1971 في مكان سامي شرف: (افتحوا الخزائن لمحمد) , وهكذا أتيح لهيكل تصوير ثروة من الوثائق كانت راقدة في بيت عبد الناصر. ورواية ثالثة تقول: إن هيكل لم يدخل بيت عبد الناصر إلا لمواساة قرينته السيدة تحية كاظم, وإنه لم يقترب من مبنى السكرتارية (الواقع على الجانب الآخر من البيت وبينهما طريق) حيث الوثائق. . لأنه حسب نفس الرواية لم يكن في حاجة إلى بذل أي جهد للحصول على ما يريد, فقد نقلت كل وثائق وأوراق عبد الناصر إلى بيت السادات (القريب بخطوات من بيت هيكل) وقد أتاح السادات ـ الذي لم يكن له ميل للقراءة ولا ثقل على فحص الوثائق ـ لهيكل أن يطلع عليها ويصور ما يشاء منها. وتنسب الرواية الأخيرة لأشرف مروان أنه هو الذي قام بنقل الوثائق إلى السادات, ويبدو أن أشرف مروان لم يتردد هو الآخر في الحصول على صورة أو نسخة منها, وهو على ما يبدو يحتفظ بها في لندن, حيث أقام فترة طويلة هناك بعد أن تمزقت السبل بينه وبين السادات وزوجته السيدة جيهان. منذ سنوات طلبت من هيكل أن يحدد موقعه وموقفه في هذه الروايات فقال: (لقد نقلوا إلى بيت السادات في الجيزة الوثائق المتعلقة بوقائع 15 مايو وما سبقها وهذه هي التي اطلعت عليها عنده وقام زميلي في الأهرام محمد يوسف بتصويرها بالكامل. (وأما أن الأرشيف الذي كان موجودا في بيت عبد الناصر قد جرى نقلة إلى بيت السادات فهذا أمر طبيعي لأن أوراق سلفه يجب أن تتبعه إلى حيث يعمل, فإذا أمر بنقلها فهذا حقه, وأنا أعلم يقينا أن هذه الملفات قد ذهبت إلى قصر عابدين, وأعلم يقينا أن ما أرسل منها إلى بيت السادات كان فقط ما اتصل بتصرفات عدد من المسؤولين قبل 15 مايو, ولقد حصلت بإذنه على بعضها ونشرته أيامها بالفعل, كما أن بعضه عرض أثناء نظر قضية (مراكز القوى ) وأنا لا أريد الدخول في التفاصيل لأن الوقت ليس مناسبا لإثارة مواجع قديمة, فضلا عن أن هناك ما يجب أن يشغلنا عن العودة إلى أشباح الماضي وحكاياته. (عموما أحب أن أضيف أنني لم اكن في حاجة إلى تصوير وثائق عبد الناصر, فقد كنت أعرف كل ما أريد أن أعرفه, والغريب أنني حرصت على تسجيل ذلك مبكرا عقب رحيل عبد الناصر مباشرة, سجلته رسميا في خطاب استقالتي من وزارة الإعلام وهي استقالة نادرة في تاريخ مصر الحديث, وهذه الاستقالة لم تنشر فحسب وإنما نشر أيضا رد رئيس الجمهورية عليها) . لقد قدم هيكل استقالته في يوم السبت 3 أكتوبر 1970 ورد السادات عليها في يوم الأحد 18 أكتوبر1971 وكانت هناك مبررات كثيرة في الاستقالة ما يهمنا منها الفقرة الخامسة التي يقول هيكل فيها: ( أنني أعتقد إلى جانب ذلك (إلى جانب ما سبق) أنه علي مسؤولية علي أن أتحملها أمام الأجيال فلقد اقتربت من فكر وعمل جمال عبد الناصر ولابد أن أعيد ترتيب أوراقي وذكرياتي عنه لأننا نحن الذين عرفناه عن قرب وشرفنا بالوقوف حيث تمكنا من رؤيته وهو يحلم ويناضل ويحقق ـ لا نملك وحدنا قصة حياته فهذه القصة ملك لشعبنا ولأمتنا العربية وللإنسانية. (ولعلك تذكر مرة أخرى أيها الصديق الكريم وكنا معا أخيرا في فندق هيلتون ـ أثناء أزمة الأردن التي كانت آخر معاركه المنتصرة ـ أننا تحدثنا عن التاريخ وكيف سيروي حكاية هذا العصر وتذكر أنه أمامك وأمام السيدين حسين الشافعي وعلي صبري أشار إلى وقال: (إنه هو المسؤول عن ذلك, لقد كان يعرف كل شيء, وهو يتحدث دائما عن الإحساس بالتاريخ, والكتابة صناعته) . (ومن جانبي أيها الأخ الكريم فإنني أعتبر تلك وصية يسألني عنها ضميري وسوف يسألني عنها الضمير العام لأمتي) . انتهت هذه الفقرة من استقالة هيكل, لكن موضوع الوثائق وكتابة التاريخ من خلالها لم ينته بعد, لا يزال الموضوع يحتمل الانتظار.