إن افتراض العتبة تؤيده مقاييس جديدة من قبيل (مؤشر التقدم الحقيقي) الذي يعتبر ان التقدم لا يقاس بالعامل المالي فقط, ولكن أيضا بعوامل أخرى منها عوامل البيئة والهدوء النفسي والسعادة . وفي الحقيقة ان الثروة لا تنبىء بالضرورة بالسعادة والاستقرار النفسي, ليس من الحتمي ان يصبح البشر أكثر هناء لمجرد انهم يصبحون أكثر ثراء, طبيعة العلاقة بين السعادة والثراء تحددها القيم الثقافية والدينية والعادات والمؤسسات الاجتماعية والفلسفة الاجتماعية السائدة في بلد من البلدان, وقد تكون العلاقة المتبادلة بين الثروة والسعادة سلبية في مجتمع وايجابية في مجتمع آخر, تبعا للقيم والعادات السائدة في المجتمع ويمكن القول ان الدخل لا يشكل مؤشرا موثوقا به على الرخاء إلا في اشد البلدان فقدرا. كما ان تجليات السعادة يختلف بعضها عن بعض باختلاف الفلسفة الاجتماعية التي يأخذ بها شعب من الشعوب ففي صفوف شعب من الشعوب قد يكون كسب مبلغ كبير من المال مصدرا للسعادة وفي صفوف شعب آخر قد يكون بر الأولاد بآبائهم مصدرا للسعادة. وفي الدول الأكثر ثراء وهي الدول الغربية وبعض المناطق الاخرى قد تتأثر الصحة بتوزيع الدخل أكثر من تأثيرها بمستويات الدخل المتوسط, ان الآثار الجسمية المترتبة على الحرمان المادي والمقترنة بالفقر المدقع قد تكون اقل اهمية بالنسبة إلى الصحة من اهمية النتائج الاجتماعية والنفسية عن الحرمان المادي وعن العيش في مجتمع لا تتساوى شرائحه. ويرى ريتشارد ويلكينسون الباحث الطبي البريطاني ان الصحة تتأثر بتوزيع الدخل أكثر من تأثرها بمستويات الدخل المتوسط في البلدان الأكثر ثراء ويقول ان ما يبدو مهما في هذه البلدان هو المعاني الاجتماعية المقترنة بظروف الحياة المتدنية وكيفية شعور الناس بالنسبة إلى ظروفهم وانفسهم ويقول ان بيانات الصحة توحي بأن نوعية النسيج الاجتماعي قد تكون اليوم المقرر الرئيسي للنوعية الذاتية الحقيقية للحياة البشرية وليس الزيادات في متوسط الثروة. ان المؤيدين لطراز النمو الاقتصادي المطبق في البلدان الغربية وغيرها يسوقون الحجة بأن هذا النمو يراعي متطلبات الحفاظ على البيئة, يقول هؤلاء انه اذ تصبح البلدان أكثر ثراء تبلغ مرحلة فيها تتغير تفضيلاتها الاستهلاكية وبنية اقتصادها وتصبح التكنولوجيا أكثر فعالية وانظف وفي وسع البلدان فيها ان تستثمر قدرا اكبر من الاموال في التحسينات البيئية, بيد ان كثيرا من الدارسين يشككون في صحة هذه الحجة, واشار باحثون إلى ان هذه الحجة لم تتضح صحتها إلا بالنسبة إلى مجموعة قليلة مختارة من المواد الملوثة ذات التكاليف المحلية القصيرة الامد, ولم تتضح صحتها بالنسبة إلى تكديس النفايات او المواد الملوثة من قبيل ثاني اكسيد الكربون التي تنطوي على تكاليف كبيرة على الامد الابعد. ويحتمل احتمالا قليلا ان تصح الحجة المؤيدة للنمو الاقتصادي على النمط الغربية بالنسبة إلى اصول الموارد مثل التربة وتتجاهل هذه الحجة قضايا من قبيل نقل الصناعات الملوثة إلى بلدان اخرى. ان النمو الاقتصادي الذي نشهده في البلدان الغربية سيزيد الظروف البيئية سوءا على المستوى العالمي لان الدول التي تسكن فيها اغلبية سكان العالم ستكون لها في المستقبل دخول في المتوسط دون مستوى الدخل اللازم للاستثمار في تحسين البيئة. والنمو الاقتصادي في تلك الدول يمكن ان يتوقع ان يزيد التلوث أكثر من مدى تخفيض مستوى التلوث في البلدان الأكثر نموا. وينبغي من منطق هدف تحقيق النمو الاقتصادي لقدر اكبر من الهناء والسعادة تخليص المجتمع من المغالاة في النزعة المادية دون تخفيض مستوى نوعية الحياة, ومن السليم ان منظمات رائدة في مجال حماية البيئة والبحوث البيئية تحث على تقاسم التدفقات المالية بين كل الدول, ويمكن توفير قدر اكبر من التدفقات المالية عن طريق تخفيض الدول متقدمة النمو لمستوى استهلاكها المادي إلى مستوى اخفض من المستويات الحالية عن طريق تسخير التكنولوجيات الحديثة. * أستاذ دراسات الشرق الأوسط ــ الولايات المتحدة