وسع علي سالم البيض من منهجية العمل من اجل ترسيخ واقع الانفصال, مع انه كان حريصا جدا على ان يعلن التزامه بالوحدة مع السماح باطلاق تصريحات فضفاضة وعامة عن انماط جديدة لها , مثل الفيدرالية والكونفيدرالية مع استمرار الحديث عن وقف (الهيمنة) و(الضم) و(الاحتواء) ! وشيئا فشيئا أوقف البيض نشرة الاخبار الموحدة مع المحطة المركزية التلفزيونية في صنعاء, وصار تلفزيون عدن يبث نشرة اخبار خاصة به كثيرا ما تتجاهل تصريحات ونشاطات الرئيس وتقدم عليه اخبار (النائب) والى حد كان الأمر مرعبا في اطار علاقات اليمن الخارجية. فاعتكاف البيض مثلا منع سلطان عمان السلطان قابوس بن سعيد من الاكتفاء به ومنعه من زيارة عدن مع ان ذلك كان حلما خاصا. وفي جانب من الجوانب فإن زعيما خارجيا زائرا لو كان زار عدن فإنه يخشى التورط في الأزمة الداخلية, عبر اعطاء الانطباع بأنه يعترف بوجود عاصمتين ومرجعيتين وهو ما لا يريده أي زعيم في ذلك الوقت أو سواه. وانتقل البيض الى مرحلة أشد ايلاما, فقد جعل مناسبة الرابع من اكتوبر مبدأ قوميا للجنوب من دون الشمال, ولذا فإنه جعل من المناسبة فرصة لاستعراض عسكري ردعي لافت, فقد اختار موقعا عسكريا لالقاء كلمته فيما كانت الطائرات الحربية تحيل سماء منطقة الضالع الى صفحة من كتابة شعارات التهديد بالحرب, عبر الحديث عن ان للصبر حدودا واننا لن نسكت على الظلم والخطأ. ولأن الرئيس علي عبدالله صالح كان يعرف المطلوب من هذا الانجرار الى استفزاز مبرمج, فإنه كان حريصا على ان يرد على كل تشدد بالمزيد من الاعتدال وعلى كل شتيمة شخصية بالمزيد من سعة الصدر. لكن الازمة كانت قطعت شوطا بعيدا الى حد لم يظهر فيه أي أثر للاعتدال والليونة, وكان الطرف الآخر الذي هو علي سالم البيض يدرك جيدا ان عليه ان يطور مطالباته التعجيزية الى الحد الذي ينفجر فيه صبر صنعاء عليه, وعندما يحصل ما يريد فتظل صنعاء هي صنعاء ويزداد هو تشبثا بعدن (فصنعاء ابتلعتنا ولن أعود اليها أبدا أبدا) . لذلك فإن البيض قدم عبر جدال صاخب وضجة واضحة برنامجا أسماه بالنقاط الست عشرة, وكان حريصا على صياغتها بطريقة لا تقبل الرفض والجدل, فمعظمها بنود انشائية تضع النوايا على الطاولة مما ليس له أي أثر في علم السياسة, كما ان بعضها كان ثوابت وطنية تصلح اثارتها الحادة كأسلوب للمزايدة, وفوق هذا فإن معظمها كان يمثل تحريضا مبطنا للمواطنين على السلطة, فالبيض وان كان ضمن السيطرة على الناس في المحافظات الجنوبية والشرقية وتسيير أمورهم كما شاء الا انه لم يكن ليمانع ان يثور الناس في المحافظات الشمالية. وتعزيزا لصيغة الشراكة أو المناصفة التعجيزية كان علي سالم البيض يعيد التمسك بصيغة مجلس رئاسة خماسي, على طريقة اثنين للمؤتمر منهما الرئيس واثنين للحزب الاشتراكي من بينهما النائب وعضو خامس لتجمع الاصلاح. وفاجأ علي عبدالله صالح الجميع وخصوصا المنتظرين لانفجار صدره وصبره بأن وافق على ذلك الشرط الجديد للحزب, وتراجع مجلس النواب عن اقرار التعديلات الدستورية الموقع عليها والمجازة, والتي كانت تنقل شكل الرئاسة للدولة من المجلس الى رئيس ونائب.. وجرى انتخاب البيض النائب والمعتكف نائبا للرئيس وكذلك نائبه سالم صالح محمد عضوا في مجلس الرئاسة! لكن هذا لم يكن كافيا, ومرة اخرى أبى الأمين العام والنائب العودة الى صنعاء لأداء القسم القانوني! وشهد اليمن مرحلة عصيبة من الجدل والمباحثات حول الوثيقة لاعادة الوحدة الوطنية ولتأطير الحوار, فقد دفع عقلاء مختلف القوى باتجاه تشكيل لجنة الحوار الوطني, وان كان المؤتمر حريصا على التقدم بمطالب أصولية قانونية في بحر اعتداله وليونته تجاه هذا التشدد الواضح للحزب الاشتراكي. فقد قدم المؤتمر وثيقة طالب فيها باعتماد الخيار الديمقراطي كوسيلة وحيدة للحوار والابتعاد عن المهاترات والاضرار بالوحدة, وطالب بالمضي في التقيد بمبدأ التداول السلمي للسلطة ومحاسبة المفسدين والالتزام بنتائج الانتخابات, والتقيد بالقوانين واحترام الحريات وتحريم اللجوء لأجهزة الاعلام الرسمية التي يجب ان تكون بعيدة عن المهاترات. وطلب ايضا رد الممتلكات المصادرة الى اصحابها واعادة أي مبان أو أراض جرى توزيعها كهبات على غير مستحقيها وبصورة مخالفة للقانون والدستور والخ.. النقاط الاخرى في تلك الوثيقة. كانت عمّـان ومسقط تتوليان دورا هو الابرز في لملمة الاشلاء اليمنية الممزقة, وزار مسؤولون اردنيون عدن وصنعاء حاملين رسائل من العاهل الاردني الملك حسين بن طلال الذي أكد علنا وسرا حرصه على الوحدة اليمنية كونها خيارا لا يجب التراجع عنه في أي حال. وبدأت العاصمة الاردنية عمّـان في اليوم التاسع من فبراير العاشر من رمضان 1414هـ وكأنها تشهد توقيع الوحدة اليمنية لأول مرة. كان هناك معظم رموز اليمن, فقد حضر بالاضافة الى الرئيس علي عبدالله صالح كل من علي سالم البيض ونائبه المشير السلال والرئيس السابق علي ناصر محمد وياسر عرفات والأمين العام للجامعة العربية وسفراء الدول الخمس العظمى في مجلس الأمن الدولي ووزير خارجية سلطنة عمان يوسف العلوي كونه بذل وبلاده جهدا شاقا في التوصل الى الاتفاق. ولأن الملك حسين هو واحد من أبرع القادة العرب في مسألة البروتوكول, فقد منح التكريم المناسب لعلي سالم البيض لارضاء هواجسه السيادية التي يعرفها الملك, وكانت منصات الجلوس واللقاء ثلاثية على أساس احترام المكانة المميزة للبيض. لكن الرجل خلال جلسة تصاف بعد حفل التوقيع وجه الامور ناحية اظهار القلق الشديد على ما تم التوقيع عليه, فقد تجاوز في لحظة ما تم الاتفاق عليه وجعل الملك يتسمر في مكانه لا يدري ماذا يقول, بينما تدفق هو مخاطبا الرئيس صالح في انه يتوجب عليهما صناعة نمط من الوحدة شبيهة بالبناية الواحدة المكونة من شقتين.. تنير انت وقتما تشاء ازرار الكهرباء, وأقفل بابي وقتما أريد وينام كل منا عندما يشاء ويأكل ما يشاء وهكذا. لقد عاد البيض الى الحديث عن الشراكة المتكافئة بين طرفين. وعندما حاول صالح والملك حسين استدراج الرجل للمزيد من الاحاديث الودية وتجاوز الخلاف, قفز من مكانه من دون توقع مسبق واعتذر عن استكمال بقائه في عمان حتى موعد العشاء, وقال ان لديه موعدا على العشاء مع أحد الزعماء ليقوم بدلا من العودة الى صنعاء أو حتى عدن بجولة في المنطقة! ولم يجد العاهل الاردني ما يقوله للرئيس صالح عن ذاك سوى اعانك الله يا أخي.. مزيدا من الصبر.. مزيدا من الصبر! كان الحزب الاشتراكي قد حزم أمره على الانفصال وجرى الاتفاق على هذا الأمر من مطلع عام ,1994 حيث تحقق اجماع رئيسي من هؤلاء الذين كانوا يعتبرون رموز الحزب الاشتراكي. وكان الأمر بصورته كقرار انفصال لا رجعة عنه يأخذ جانبا حذرا وحيطة شديدين, بحيث يبقى الحديث عن اصلاح الخلل في الوحدة وتحقيق المطالب الشعبية و...الخ من قائمة الحديث الاعلامي المعلن والمتداول مع القادة العرب ومع المهتمين والمعنيين وذوي الصلة بالشأن اليمني بصورة خاصة أو عامة. وشيئا فشيئا بدأ قادة الحزب الاشتراكي يتحدثون بلغة ولهجة كل طرف حسب عواطفه من القضية اليمنية, وكما قلنا سابقا بأنهم بدأوا يتحدثون ويتحاورون مع زوارهم ومضيفيهم حسب علاقة كل منهم بالدولة اليمنية سلبا وايجابا. وكان علي سالم البيض حريصا جدا في هذه الناحية, ففي لقائه مع موفد الملك حسين عاهل الاردن في مكتبه في عدن أكد حرصه على الوحدة وازال أي هواجس في هذا الشأن بعبارات صريحة ومحددة. وكان الموفد الاردني وهو الشريف زيد بن شاكر احد أقرب المقربين من الملك حسين وصديقه الشخصي وجليسه الدائم والذي كان يزور عدن حاملا رسالة شخصية وخطية من الملك. وسأل الشريف زيد البيض صراحة: هل ترغب في الانفصال وتعمل لانجازه؟ وأضاف: اننا مهتمون باليمن ونفهم ان من مصلحته ومصلحة جيرانه والعرب عموما ان تبقى هذه الوحدة.. ونحن نرى ان انتكاس وحدتكم هو انتكاسة لآخر حلم وحدوي عربي, وان من المهم ان تفيدنا بحقيقة الموقف في هذا الشأن : هل انت متمسك بالوحدة؟ عندما عمل البيض وهو يتلقى السؤال المحدد على تبديد أي شعور أردني بأنه مقدم على خيار الانفصال! * كاتب يمني