تدفن الحكومات الأوروبية رأسها في الرمال, ولا تحاول أن ترى ما بين يديها أو أمام عينيها من مشاكل هي نتاج رؤيتها القاصرة التي يلعب فيها ارثها الديني المحرك السلبي تجاه الآخرين , ويبدو أن هذا الإرث القديم لم يحاول أن ينسى أبدا هزائمه الماضية, ولم ينس خضوعه للذين أصبحوا اليوم ضحيته, أوروبا غير قادرة على التحرر من عقدة ماضيها, وعاجزة عن التعامل مع إرثها على انه جزء من حركة التاريخ الذي تسير موجاته من اتجاه إلى آخر مدا وجزرا, وان الشعوب الأخرى أيضا تعاني حاليا من حركة "الجزر التاريخي" كما عانته أوروبا في السابق. العقل الأوروبي لا يزال يعيش أسير أزمة غزو الإسلام وسيطرته على أجزاء كبيرة من أوروبا خلال قرون تركت آثارها التي لا يمكن إنكارها, لأنها باقية وبارزة ولا يمكن محوها مهما بذل هذا العقل من جهود, بل يبدو أن العقل الأوروبي لم يغفر للإسلام أنه كان السبب في هذه النهضة التي تعيشها الحضارة الأوروبية الآن, بعد أن سقطت دعاوى أن هذه النهضة نتاج الحضارة الإغريقية "الأوروبية", لأن الفلسفة الإغريقية وإنجازاتها لم تعرفها أوروبا إلا عن طريق الفلاسفة العرب والمسلمين, الذين ترجموا هذه الإنجازات وشرحوها وقدموا لها, ولولا تلك الترجمات وهذه الشروح ما كان لأوروبا أن تدري بأن جزءا منها في لحظة تاريخية كانت له إنجازات حضارية مهمة. العقل الأوروبي الراهن يحاول أن يهرب من هزائم ماضيه, من خلال التحرك باتجاه مد فترات سيطرته على الأمم التي غلبته من قبل, والتي يعتقد أنها كانت سببا في هزائم ذلك الماضي, أو أنها شكلت جزءا من ذلك الماضي, لذلك يبدو هذا العقل الآن رافضا لأي رموز يمكن أن تذكره بذلك الماضي, ويعمل جاهدا على محو أي إشارة إليه, وأصبح تعامله مع هذه الرموز يكشف, بشكل لا إرادي, عن رفض تلك الرموز من خلال عمليات تطهير عرقي ضد من يحملون سمات مستعمر الأمس, أو يشكلون جزءا من تاريخ الأمس. العقل القلق ما حدث ولا يزال يحدث في البلقان (البوسنة والهرسك أو كوسوفو) ليس إلا الجزء الظاهر لهذه المشكلة التي تقلق العقل الأوروبي المعاصر, لأن هناك ما يبدو في الممارسات اليومية سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ما يؤكد أن الإرث التاريخي الديني المسيحي الصليبي لا يزال حيا في عقول أبناء أوروبا اليوم, وأبناء أوروبا اليوم لم يعد يكفيهم انتصارهم على الشعوب التي غلبتهم بالأمس واستعمارها ونهب ثرواتها, بل يحاول الأوروبيون المعاصرون في ممارساتهم اليومية الانتقام لهزائم الأمس من خلال تعاملهم مع من يهربون من أوطانهم المنهوبة على أيدي الأوروبي نفسه بحثا عن حياة أخرى, حتى لو عملوا في أحط الأعمال التي لا يقبلها هذا الأوروبي في وطنه. هذا الفكر الأسير لإرث الأمس وراء انتشار حركات المعاداة للأجانب الذين هاجروا من أوطانهم بعد أن دمرها الاستعمار, وبدأت هذه الحركات تنتشر مؤخرا بشكل مثير, حتى أنها وصلت إلى بلاد أوروبية كانت حتى وقت قريب فقيرة ومصدرا للهجرة إلى أوروبا الغنية مثل اسبانيا والبرتغال, أو اليونان قبل انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. ومؤخرا زادت هذه الحركات المعادية للمهاجرين عنفا, وأصبحت تركز على المهاجرين العرب والمسلمين, حتى أصبحت تشكل ظاهرة ملفتة للنظر في بلد مثل اسبانيا, والذي لا يستطيع أن يهرب من ارثه العربي الإسلامي, الذي يتباهى به أحيانا على باقي أوروبا, باعتبار أن الحقبة العربية الإسلامية في الأندلس كانت اكثر تقدما من باقي أوروبا التي كانت لا تزال تعيش العصور الوسطى بكل ظلامها, بل شكلت اسبانيا ما بعد الأندلس الجسر الذي نقل أوروبا إلى حضارتها المعاصرة. كان الأسبوع الماضي الأكثر عنفا في تاريخ الحركات المعادية للأجانب في اسبانيا, حيث تعرض عدد من المهاجرين المغاربة لعنف تلك الجماعات, وتم طعن أحد المغاربة ويرقد الآن في المستشفى ما بين الحياة والموت, وتم تدمير عدد من الحوانيت التجارية التي يمتلكها بعض المهاجرين العرب والأفارقة, وكانت هناك محاولة إحراق مسجد في منطقة قطالونيا, وخرجت مظاهرات مكثفة تطالب بترحيل هؤلاء المهاجرين إلى بلادهم. تابعت وسائل الإعلام الاسبانية هذه الأحداث بشكل مكثف, بينما كانت السلطات الاسبانية تحاول تهدئة الوضع على استحياء شديد, ولم تتخذ الإجراءات الرادعة التي يمكنها أن تقضي على حركات العنف في مهدها, فكانت هناك فجوة كبيرة بين ما تعكسه وسائل الإعلام وبين ما تتخذه الحكومة من إجراءات. بينما كان يقف بعض الشباب الاسبان مهددين بشكل علني بقتل كل من هو مغربي أو مسلم وإحراق بيوتهم وقتل أبنائهم, كان البوليس يحاول أن يلقي باللائمة على المهاجرين المغاربة أنفسهم باعتبارهم محرضين بسبب تصرفاتهم غير اللائقة وخرقهم لقوانين البلاد. كشف المخبأ لكن هذه الأحداث ليست جديدة, ولها أمثلة يومية يعيشها المهاجرون المغاربة في العديد من المناطق التي يعملون أو يقيمون فيها في كل اسبانيا, وكثيرا ما كان البوليس المحلي سببها الرئيسي بسبب تعنته في تقييد حركة هؤلاء المهاجرين, مما أدى إلى انتشار "خوف" غير مبرر من وجود أي مغربي أو مسلم في أي مكان, وإن كان هذا لا ينفي مسئولية بعض المهاجرين في إثارة الاسبان ضدهم, خاصة أولئك الشباب الذين وصلوا بطرق غير شرعية ولا سبيل أمامهم إلا الجريمة للحصول على قوتهم اليومي. لكن انفجارها هذا الأسبوع كان متوقعا, بل شاركت فيه الطبقة السياسية الرئيسية في البلاد بشكل كبير, سواء عن وعي أو عن غير وعي, لكن من المؤكد أنها شاركت في انفجار هذا العنف ضد المغاربة ربما لقصر نظر بعض المسئولين سياسيا في الحزبين الرئيسيين في البلاد خلال تعاملهما مع مشكلة فشلهما في الانتخابات الأخيرة في الحصول على مقاعد تمكن أياً منهما من السيطرة على بلدية مدينتي سبتة ومليلة المتنازع عليهما مع المملكة المغربية, لأن ما حصلا عليه من مقاعد لا يمكنهما من حكم أي من المدينتين حتى ولو من خلال تحالف بين الحزبين على الرغم من الخلافات الأيدلوجية بينهما, في الوقت الذي نجح فيه الحزب المحلي "التحالف من أجل مليلة", الذي يعتبر صوت المسلمين من ذوي أصول مغربية في المدينة, في الحصول على مقاعد تجعله القوة السياسية الأكبر في المدينة, وان كانت النتيجة النهائية لا تمكنه من الحصول على الأغلبية المطلوبة لحكم البلدية بمفرده, مما دفع بزعيم الحزب الطبيب "مصطفى حامد أبرشان" أن يعرض على جميع الأحزاب تشكيل حكومة "تحالف" تضم الجميع وتمثل جميع القوى السياسية ويكون شعارها "مصالح أهل مليلة أولا". لكن هذا النداء البسيط لم يجد له صدى لدى الحزب الشعبي اليميني الحاكم في مدريد, وفي الوقت الذي أعلن فيه الحزب الاشتراكي أنه على استعداد لمناقشة فكرة الدكتور مصطفى, رفض الحزب الشعبي مجرد استقباله أو الحوار معه (!), بل ضغط الحزب الشعبي على الحزب الاشتراكي لتكوين تحالف "غير طبيعي" لإبعاد مصطفى عن رئاسة بلدية مليلة, إلا أن هذا التحالف غير الطبيعي لم ينجح لأن ممثلي الحزب الاشتراكي رفضا الضغوط المركزية وصوتا لصالح مجلس بلدي برئاسة مصطفى باعتباره يمثل مصالح أهل المدينة التي يغلب على سكانها الطابع الإسلامي. خلال التعامل مع هذه المشكلة "السياسية" بدا واضحا أن السياسيين في الحكومة المركزية في مدريد يتحركون بدوافع أخرى غير سياسية, وكشف النقاش الإعلامي الذي تعامل مع هذه المشكلة عن "الخفي" في هذه العقلية, التي ترفع شعار "الأوروبية" قبل أن تتعامل مع خصوصية أن تحت أدارتها مناطق مثل سبتة ومليلة تسكنها أغلبية مسلمة, وتحتاج إلى عقلية مختلفة تتخلى عن ارثها الديني القديم, لأن هذا الإرث يصب في النهاية ضد شعار "التعايش" المفترض أن يكون راية الجميع في هاتين المدينتين, وبالطبع لا يمكن إنكار أنه كان للحوار حول هذه المشكلة صداه في الشارع الاسباني, ومن أهم انعكاساته ما حدث خلال الأسبوع الماضي من عنف ضد المغاربة. لم يكن الحوار الإعلامي حول مشكلة "مصطفى حامد" ورئاسة مدينة مليلة متعقلا حتى بين المثقفين الديمقراطيين والتقدميين, بل كشف هذا الحوار النقاب عن الكامن في تلك العقول المثقفة من عداء حقيقي لكل ما هو عربي ومسلم, وكثيرا ما كان يعلن هذا الفكر عن نفسه بلا مواربة, بل ان البعض كان يحاول أن يبرر هذا الفكر بمبررات تصل إلى حد إباحة إسقاط المبادئ الديمقراطية لإبعاد مواطن مسلم من تولي منصب حصل عليه في انتخابات ديمقراطية حرة, ولم يخطر على بال أحد أن هذا المسلم مواطن اسباني يحمل الجنسية الاسبانية له كل الحقوق التي يكفلها له الدستور في دولة تتخذ من الديمقراطية نظاما سياسيا. المتحاورون كانوا يكشفون دائما عن توجهاتهم قبل أن يدلوا بآرائهم, لم يكن من بينهم من ينكر قبل أي شئ أنه لا ينطلق من موقف مبدئي معاد للدكتور مصطفى باعتباره مسلما, ولم يحاول أي منهم أن يتعامل مع الدكتور مصطفى على أنه مواطن اسباني أولا وقبل كل شئ, لأن الدستور الاسباني يؤكد على حرية العقيدة, لذلك لا تتضمن بيانات وثائق الهوية أي بيان عن العقيدة أو الديانة, مع ذلك الجميع يشيرون إليه باعتباره "مصطفى المسلم", لا باعتباره المواطن الاسباني, الذي يحمي الدستور حقوقه. من تابع ولا يزال يتابع قضية رئاسة بلدية مليلة, لأنها لم تنته بعد, يكاد يجزم بأن القضية ليست خلافا على توجهات سياسية, أو حتى رئاسة البلدية ومصالح سكان المدينة, بل هي قضية تركز على الاسم "مصطفى" وديانته "الإسلام". ترى ماذا لو كان "مصطفى" يهوديا؟. كاتب مصري مقيم في اسبانيا.